تأمّلات عن نهاية الحياة


على أحد رفوف مكتبتي مجموعة من الكتب الكلاسيكية ذات أغلفة سوداء وحوافّ صفراء: مونتين وباسكال وستاندال وثيرفانتس، والعديد من أعمال بلزاك وتورغينيف، ومجلّدين من رواية" الحرب والسلام". هل يُحتمل أن أعيش طويلا بما يكفي لأقرأ" الحرب والسلام" مرّة أخرى؟ لا يسعني إلا أن أتساءل.
عاشت والدتي حتى الثانية والثمانين، ووالدي حتى الحادية والتسعين، وتوفّي بسبب قصور القلب الاحتقاني، وهي وفاة سهلة نسبيّا. لذا، فأنا أتمتّع بظروف جيّدة وراثيّا، لكن الأقدار، كما يعلم الجميع، غالبا ما تكون قاسية.
يأمل الناس هذه الأيّام أن يتجاوزوا الثمانين، وعندها، كما يقرّ الصادقون، يكونون في وضع لا يُحسدون عليه. لو توفّيتُ الشهر المقبل في السابعة والسبعين، لما تَفاجَأ أحد. في مراحل نموّهم، يدرك البشر مفهوم الزمن أوّلا، وبعد فترة وجيزة يدركون يقينهم بنفاده. لقد مُنحنا نعمة غير خالصة، فنحن النوع الوحيد الذي يعرف مسبقا عن فنائه، وهي ميزة من نواحٍ عديدة، لكنها في الوقت نفسه تعقّد كلّ شيء. وإذا تُركت دون سيطرة، فقد تُفسد معظم أيّامنا.
كان هوميروس يرى أن الأفضل ألا يولد المرء أصلا أو أن يموت مبكّرا. لكن معظمنا يخالفه الرأي، ويتوق إلى حياة مديدة قدر الإمكان. وإلا فما الهدف من كلّ هذه التمارين والأكل الصحّي، إن لم يكن كذلك؟ أما آخرون، فقد استسلموا لفكرة الموت، ويرغبون في استغلال الوقت المتاح لهم هنا على أكمل وجه.
في قصيدته الأشهر، حذف الشاعر "أودن" المقطع الذي يتضمّن أشهر بيت شعري كتبه على الإطلاق: علينا أن نحبّ بعضنا بعضا أو نموت". وخلص الشاعر، بعد مزيد من التأمّل، إلى أنه مهما أحبّ بعضنا بعضا، فسنموت في النهاية. ويروي هيرودوت أن الملك الفارسي "زركسيس"، حين رأى أكثر من ألفي جندي يحتشدون لغزو اليونان، بكى عندما فكّر أن "كلّ هذه الجموع هنا، ومع ذلك لن يبقى منهم أحد بعد مائة عام".
من الأفضل عدم تجاهل أشهر مقطع لباسكال في كتابه "أفكار". كتب قائلا: تخيّل مجموعة من الرجال مكبّلين بالسلاسل، جميعهم محكوم عليهم بالإعدام، يُذبح بعضهم كلّ يوم أمام أعين الآخرين؛ يرى الباقون حالتهم في حال رفاقهم، وينظرون إلى بعضهم البعض بحزن ويأس في انتظار دورهم. هذه صورة للحالة الإنسانية."
الفيلسوف اليوناني "أبيكوروس" اقترح للقضاء على أيّ قلق بشأن الموت ألا يفكّر الانسان فيما يحدث بعد رحيله. فالنسيان يتبع الموت، حيث ستعود إلى الحالة نفسها التي كنتَ عليها قبل ولادتك". لكن النسيان، بالنسبة لي، مشكلة. لا أستطيع تخيّله. أطلقَ عليه هوراس "المنفى الأبدي".
ورأى شوبنهاور أن النسيان لا يختلف عن الحياة قبل ولادتنا. بالنسبة له، كان الموت، لا الحياة، هو الثابت. وكتب: يمكن اعتبار الحياة حلما، والموت بمثابة الاستيقاظ منه". كما اعتقدَ أن الانتحار، في المحصّلة، ليس فكرة سيّئة على الإطلاق.
النسيان ليس بالأمر الهيّن، لكنّي أعتقد أن ما أقصده حقّا هو أنني لا أرغب في تخيّل عالم بدوني. جورج سانتايانا زعم أن أحد أسباب ميل كبار السنّ إلى العبوس هو صعوبة تصوّرهم لعالم ذي قيمة لا يكون لهم فيه دور. ستكون الحياة بعد رحيلي، بالطبع، هي نفسها تماما كما كانت عندما كنت حيّا. لا أعرف سوى أربعة أشخاص سيحزنون حقّا وبصدق، على موتي. غيابي عن الحياة لن يكون له أيّ دلالة، تماما كما تختفي ذرّة رمل صغيرة من على الشاطئ. موتي لن يكون له أيّ معنى، كما كان يقول الفيكتوريون. السؤال الوحيد هو: متى سيحدث؟
الموت لا يعلن عن موعد محدّد. وغالبا ما يوصف بأنه غير مناسب، ولكن ما الذي يعتبر موتا في الوقت المناسب؟ ربّما يكون الموت هو الذي ينقذ المرء من ألم مبرح أو نهاية مشينة أو شعور لا يطاق بالذنب. وباستثناء من أُعلن رسميّا عن إصابتهم بمرض عضال، فإننا جميعا لا نعلم متى سنموت. هل سيفيدنا لو علمنا؟ هل سنتصرّف بشكل مختلف لو كنّا ندري مسبقا عن وقت وفاتنا؟ هل كان ذلك سيجعل التعامل مع الموت أسهل؟
كتبَ سانتايانا أنه، بغضّ النظر عن عمر المرء، ربّما يكون من الأفضل افتراض أنه سيعيش عشر سنوات أخرى. ومع ذلك، في منتصف الثمانينات من عمره، عندما نصحه طبيبه بإنقاص وزنه، لاحظ سانتايانا أن الطبيب كان يريد بوضوح أن يكون بصحّة كاملة عندما يحين موته. وقد توفّي عن عمر يقارب الـ 88 عاما في دير للراهبات في روما. وكلّما سمعت عن شخص توفّي في سنّ الـ 85 أو أكبر، أجد نفسي أقول: لا أمانع أن يحدث هذا لي".
إن تجاهل الموت خطأ، أو هكذا اعتقدَ مونتين. بل رأى أن من الحكمة التفكير فيه باستمرار، ليس لمواجهته، فكيف يمكن للمرء أن يواجهه، بل للتعوّد على فكرة حتميته وفجائيّته. كتب: كيف لنا أن نتخلّص من أفكار الموت أو أن نتوقّف عن تخيّل أنه يمسك بنا من رقابنا في كلّ لحظة؟". من الأفضل أن نألف هذه الفكرة. وأضاف: دعونا نجرّد الموت من غرابته، أن نتردّد عليه وأن نعتاد، دعونا لا نفكّر في شيء أكثر من الموت!". ومونتين نفسه يدّعي أنه كان محاصرا بأفكار الموت "حتى في أكثر فترات حياتي سعادةً وابتهاجا"!
كان يؤمن بأن كلّ تعلّم يجب أن يهدف إلى إعدادنا للنهاية وتهيئتنا للموت. "التفلسف هو تعلّم كيف نموت"، هذا هو عنوان بيانه الرئيسي حول هذا الموضوع. وقد توفّي عن عمر يناهز الـ 59 عاما في عام 1592 بسبب التهاب اللوزتين، وهو مرض مؤلم. وفي حالته، كان لهذا المرض أثر جانبيّ يتمثّل في جعله، وهو الرجل البليغ، عاجزاً عن الكلام.
هل يمكن للمرء أن يتّبع نصيحة مونتين بأن يُبقي الموت نصب عينيه دائما؟ لست متأكّدا على الإطلاق من قدرة أيّ شخص على ذلك، باستثناء من يعانون من اكتئاب حادّ.
لو استطعتُ التفكير في الموت بشكل متكرّر، لربّما أثقلني ذلك. بالطبع أعلم أنني سأموت، عاجلا أم آجلا، لكن ما علاقة ذلك بحاجتي إلى قصّة شعر، أو بوجود مباراة لفريقي المفضّل على التلفاز، أو بضرورة تذكّر استلام ملابسي من المغسلة يوم الخميس؟
في مذكّراته، دوّن "توماس مان" حادثة وفاة أحد أصدقائه، ثم قال: لا داعي للتذكير بأن وفاة هذا الصديق العزيز تثير بوضوح شديد تساؤلا حول كم سأعيش أنا أيضا". كان مان يبلغ من العمر 58 عاما حين كتب هذا، وعاش حتى بلغ الثمانين. وكثير من أعزّ أصدقائي كانوا يكبرونني بستّ أو سبع سنوات، وقد رحل بعضهم الآن، ما يدفعني إلى طرح السؤال نفسه الذي سأله مان لنفسه: كم سأعيش أنا أيضا؟
توماس مان كان أحد الكتّاب الذين تناولهم الناقد الأدبي العالمي فيكتور برومبيرت في كتابه "تأمّلات في الموت". ومن بين الكتّاب الآخرين الذين تحدّث عنهم في مقالات موجزة وأنيقة، إلى جانب مان، تولستوي وكافكا وفرجينيا وولف وألبير كامو وبريمو ليفي. وهؤلاء الكتّاب يشكّلون مجموعة غريبة، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن اثنين منهم، أي وولف وليفي، انتحرا، وواحدا "أي كافكا" كان يتوق للموت، وآخر "أي كامو" توفّي في حادث سيّارة عن عمر يناهز الـ 47 عاما.
تولستوي كان الكاتب الوحيد الذي استحوذ عليه هاجس الموت في دراسة برومبيرت. ولا شكّ أن مشهد موت الأمير أندريه بولكونسكي في رواية " الحرب والسلام" هو الأقوى في الأدب الغربي كلّه. لكن لا يوجد سرد روائي مطوّل أقوى من قصّة تولستوي "موت إيفان إيليتش". يكتب برومبيرت: يكمن إنجاز تولستوي الفريد في أنه ينقل رعب إيفان إيليتش من الموت، لا بعبارات فلسفية أو مجرّدة، بل كتجربة ذاتية وعميقة". وموت إيفان يقدّم درسا مفاده أننا جميعا نخدع أنفسنا عندما ننسى الموت، وأن الموت وحده هو الذي يمنحنا فهما حقيقيا لمعنى حياتنا أو انعدام معناها".
ماتَ تولستوي في سنّ الثانية والثمانين، بعد أن فرّ من عائلته بسبب خلافات بين زوجته وتلاميذه. لفظَ أنفاسه الأخيرة في كوخ ناظر محطّة القطار على بعد يوم سفر من ضيعته في "ياسنايا بوليانا". وحظيت وفاته بتغطية إعلامية واسعة، حيث احتشد الصحفيون وكاميرات الأخبار في المكان، ينتظرون بفارغ الصبر نبأ موته.

❉ ❉ ❉


❉ ❉ ❉

من عادتي ألا أكتفي بقراءة صفحات النعي، بل أقرأها قبل أيّ شيء آخر في الصحيفة. وأسعد أيّامي في صفحات النعي هو الذي يكون فيه جميع المتوفّين فوق التسعين، وأحزن كثيرا في اليوم الذي يكون فيه جميع المتوفّين أصغر منّي سنّا. الكاتب هنري جيمس لاحظ أنه في سنّ الخمسين، كان يموت شخص يعرفه كلّ أسبوع. ومع ازدياد متوسّط العمر المتوقّع منذ زمن جيمس وحتى يومنا هذا، أظنّ أن متوسط العمر الحالي أقرب إلى السبعين.
ولا أستطيع أن أقول، كما قال جيمس، أن أحد معارفي يموت كلّ أسبوع، بل أميل إلى القول إن أحد معارفي يموت كلّ شهر. أحيانا يموتون في مجموعات من ثلاثة أو أربعة. وأجد نفسي أفكّر في الأصدقاء الأعزّاء الذين رحلوا، وأنا أعلم مسبقا أن الكثيرين سيلحقون بهم قريبا.
في نهاية كتابه، يتذكّر فيكتور برومبيرت نبوءة أندريه مالرو، وكذلك فكرته التي لا يمكن التحقّق منها، وإن كانت ملهمة، بأن أوّل إنسان كهف شعر بأنه مضطرّ لرسم ثور البايسون على الجدار الحجري لكهفه كان يعلم أنه هو والثور فانيان. لكن هذا الصانع الأوّل استشعر أيضا أن فعل تصوير الحيوان الفاني كان بطريقة ما وسيلة "لنفي عدمِنا".
هل يُعدّ الفنّ نوعا من الحماية من الموت، عزاءً، مهلة، ولو من الناحية الفلسفية؟ ليس بالنسبة لمعظمنا، ليس بالنسبة لي، فأنا أقدّر الفنّ كثيرا. لكن العزاء الوحيد الذي أعرفه للموت هو الإيمان بأن المرء ينتقل إلى ما هو أفضل. هذا اليقين غير متاح لمن يشعرون أنهم تجاوزوا الدين، أو لمن لم يبلغوا الإيمان قط، ووضعوا ما لديهم من ثقة في العلم.
أيّ عزاء يمكن أن يوفّره الإيمان بالعلم؟ في إحدى الروايات، يقول أستاذ لأحد طلابه: أنا شخصيا لا أعتبر العلم مرحلة مهمّة من مراحل التطوّر البشري. لقد منحنا الكثير من الأدوات المبتكرة، وهي بالطبع تَصرِف انتباهنا عن المشاكل الحقيقية. وبما أن هذه المشاكل مستعصية على الحل، فأظنّ أنه ينبغي علينا أن نكون ممتنّين لهذا التشتيت". ويتابع: لم يمنحنا العلم أيّ دهشة جديدة، باستثناء تلك الدهشة السطحية التي نحصل عليها من مشاهدة البراعة وخفّة اليد".
لست متأكّدا من عدد الأشخاص الذين أعرفهم ممّن يؤمنون بالحياة الآخرة. لا يزال الكاثوليك الملتزمون يؤمنون بها. وقبل سبع أو ثماني سنوات، أخبرتني جارتي، وهي امرأة لم تتزوّج قط، أنها لا تخشى الموت على الإطلاق، بل إنها قلقة فقط من الموت بمضاعفات وألم. وبصفتها كاثوليكية، كانت واثقة من مصيرها بعد الموت.
بدون الإيمان بالحياة الآخرة، لا يبقى سوى الموت. أما المحتضرون، فلا يبقى لهم سوى أمل ضعيف بأن تكون نهايتهم من أفضل الخيارات، كأن يموتوا من الشيخوخة أو من نوبة قلبية مفاجئة، لا من الزهايمر أو باركنسون، أو أحد تلك السرطانات التي لا تترك مجالا للأمل.
ولكن غالبا ما يكون أكثر الناس خوفا من الموت هم أولئك الذين يشعرون أنهم لم يبدأوا الحياة قط. هؤلاء عادة ما يكونون أشخاصا لم يجدوا متعة كبيرة في العمل أو لم يستثمروا في الحياة الأسرية. وقد لاحظ طبيب نفسي أن الخوف من الموت قد يظهر أحيانا في مرحلة النضج عندما تبدو الحياة وكأنها لم تُعش، وعندما يُنظر إلى الموت على أنه سابق لأوانه". كما أن الذريّة أو الأطفال، الذين كثيرا ما يجلبون القلق وأحيانا الحزن لآبائهم، يمنحون المرء إحساسا بالمستقبل، شعورا بأن جزءا منه يستمرّ بعد رحيله عن هذا الكوكب، وأنه ترك وراءه شيئا، أثرا يدلّ على أنه كان موجودا هنا.
في سبعينات القرن الماضي، كان الموت موضوعا ساخنا. أُقيمت دورات في علم الموت، ووُفّرت جلسات علاجية للمرضى. كان الموت يدرَّس اجتماعيا. وكان الهدف من كلّ تلك الجهود هو تقبّل الفكرة. في عام ١٩٧٧، فنّد كاتب يُدعى ليزلي فاربر فكرة إمكانية فكّ لغز الموت. كان نفوره من خبراء الموت نابعا من غرورهم في اعتقادهم أنهم قادرون على "السيطرة على الموت بترويضه وتأهيله وإخراجه من عزلته المطلقة إلى عالم الأحياء، حيث سيتبدّد غموضه بنصائح التنوير الحكيمة، وسيكشف عن أهميّته كتجربة أخرى، وإن كانت حاسمة، في الحياة".
كان فاربر يرى أن الموت لا يمكن فكّ غموضه. وسخر من الفكرة التي تقول إن الموت ليس إلا انتقالا من شكل حياة إلى آخر. وختم كلامه بالقول: لا أعتقد أن الموت قد نزل من الجبل. أستطيع أن أسمع عويله هناك في بعض الليالي المظلمة، كما سمعه جميع البشر في كلّ مكان". توفّي فاربر عن عمر يناهز الـ 68 عاما إثر نوبة قلبية، بعد أربع سنوات من كتابته تلك المقالة.
من الطبيعي تماما أن تفكّر في الموت، وأن تشعر بالحيرة والقلق وحتى الخوف منه، ولكن سيكون من الخطأ أن تدعه يفسد يومك. في الحقيقة، معظمنا لا يفعل ذلك. نلتزم بمواعيدنا ونحتفي بانتصاراتنا الصغيرة ونتحمّل هزائمنا. وإذا كنّا متوازنين إلى حدّ ما، فإننا ندرك ضآلتنا الحقيقية دون أن ندعها تعيق سعينا لتحقيق أحلامنا.
وإذا كنّا جادّين في تديّننا ونشعر أننا عشنا حياة كريمة، فإن مسألة الآخرة ستكون محسومة. أما بالنسبة لمن لا يتبعون تعاليم دين معيّن، لكنهم يؤمنون بقوّة عليا تحكم الكون، فعليهم أن يبحثوا عن هذه الحكمة في موضوع الموت حيثما أمكنهم ذلك.
علم الأخرويات عند أفلاطون معقّد بقدر ما هو غير قابل للتصديق. كان قد خصّص بعض كتاباته لموضوع الحياة الآخرة، إلا أنه لم يقدّم سوى القليل من العزاء في حسم هذه المسألة. في أحد حواراته يشير الى أن الإنسان الأكثر استعدادا للموت ينبغي أن يكون آخر من يعاني من ألم الموت. ويرجِّح أن يكون هذا الإنسان فيلسوفا مستنيرا ومطهّرا، وأنه سيجد في الحياة الآخرة، كما في هذه الحياة "حكّاما صالحين وأصدقاء أوفياء، وسينعم بمكان "خفيّ وخالد وحكيم" و"سيسكن بين الآلهة". وستجد روحه، عند وصولها، السعادة في انتظارها والتحرّر من الشك والحماقة، من المخاوف والرغبات الجامحة، ومن كلّ شرور البشر".
الحقيقة أنني أنتظر الموت منذ مدّة طويلة. لا أرغب فيه، وبالتأكيد ليس قبل أن "لا يبقى للحياة ما تقدّمه" كما يقول سقراط. لم أجد أن الحياة قد فقدت متعتها بالنسبة لي. ولم أفكّر قط في الانتحار، مع أنني فكّرت، بدافع الإرهاق الروحي، أنني سأرحّب بالموت. كتب سانتايانا: كلّ شيء فانٍ، كلّ شيء سينتهي، وكلّ شيء محتمل. هذا عزائي الوحيد".
ومع ذلك، آمل أن أرحل بسلام إلى ذلك الليل الهانئ. ومثل غيري، أجري فحوصات الدم ضمن الفحص الطبّي السنوي، وفي كلّ عام أتوقّع أن تكون النتائج صادمة: نوعا ما من السرطان، مرض باركنسون، أو الزهايمر في مراحله الأولى. بعبارة أخرى، أنا أنتظر حدوث كلّ شيء. وعندما يحدث ذلك، لن أُصدم أو حتى أتفاجأ، بل سأشعر بخيبة أمل لا محالة.
عالم السياسة تشارلز موراي كانت له اهتمامات ميتافيزيقية وتحدّث ذات مرّة عن وجود الروح. كتب يقول إن فكرة أن العقل ليس سوى "عمليات دماغية" لا تصمد أمام ثقل الأدلّة العلمية الجديدة. وأوردَ مثالا على ذلك بظاهرة صفاء الذهن قبل الوفاة terminal lucidity، وهي عبارة عن نوبات مذهلة يستعيد فيها الأشخاص الذين يعانون من خرف شديد أو تلف دماغي وعيهم وذاكرتهم وشخصيتهم بشكل متماسك، قبيل وفاتهم مباشرة.
الوعي التام في نهاية الحياة يُعدّ موضوعا شيّقا لم يحظَ بالدراسة الكافية. امرأة مصابة بمرض الزهايمر لم تتحدّث أو تتفاعل مع أفراد عائلتها لسنوات عديدة. وفي أحد الأيّام فجأة، بدأت تتحدّث بوضوح. تعرّفت على حفيدتها وسألتها عن عائلتها وقدّمت لها النصائح. وبعد ذلك بوقت قصير، توفّيت.
وقد أُبلغ عن العديد من هذه الحالات. وكثيرا ما تكون فترة الوعي التام قصيرة، وعادةً ما يتوفّى المريض في غضون أسبوع، وغالبا في اليوم نفسه. هذه الظاهرة حقيقية، حتى وإن كان البحث العلمي فيها قليلا. ويشير موراي الى ان صفاء الذهن في اللحظات الأخيرة قد يكون دليلا على وجود الروح البشرية.
لقد حظيتُ بحياة طيّبة وموفّقة، إذ ولدتُ لأبوين كريمين وذكيين وخلال فترة ازدهار لا مثيل له وتقدّم تكنولوجي هائل. وأفضّل أن أعتقد أنني بذلت قصارى جهدي، وأنني نلت التقدير اللائق لما أنجزته. قد ينظر المرء إلى موته كحدث مأساوي، أو كخاتمة حتمية لحسن حظّه العظيم الذي ناله منذ ولادته. وأنا أميل إلى تبنّي الرأي الثاني.
وما لم يتدخّل القدر، الذي لا يهدأ أبدا، فيجعل سنواتي وشهوري وأيّامي الأخيرة على الأرض جحيما من الألم والمعاناة، فسأندم على رحيلي عن الحياة. يقال إن كلمات غوته الأخيرة وهو على فراش الموت كانت: المزيد من النور، المزيد من النور". أما غيرترود شتين، فقد سألت وهي على فراش موتها: ما هو الجواب؟". وعندما لم يجبها أحد، ضحكت وسألت: إذن ما هو السؤال"؟! ليس لديّ فكرة عن كلماتي الأخيرة، لكنها قد تعبّر عن امتناني التام على منحة الحياة.

Credits
archive.org

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

فنجان قهوة

أشهر عشر نساء خلّدهن الرسم