:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Friday, July 26, 2013

الحياة السرّية للأزهار

يذكر عالم الفيزياء الأمريكي المشهور ريتشارد فاينمان أن احد أصدقائه من الفنّانين امسك ذات يوم بيده زهرة وقال: انظر كم هي جميلة! ثمّ أضاف: أنا كفنّان يمكنني أن أرى وأتلمّس جمالها. لكنّك كعالِم تأخذ هذا الجمال فتفتّته وتجزّؤه إلى أن يصبح شيئا مملا. فردّ عليه فاينمان: أنا أيضا أرى جمال الزهرة. وفي نفس الوقت، أرى من الزهرة أكثر بكثير مما تراه. وأضاف موضّحا: يمكنني، مثلا، أن أتخيّل خلاياها وبنيتها الداخلية والعمليات المعقّدة التي تجري بداخلها. المعرفة العلمية تضيف إلى جمال الزهرة الظاهري عناصر جمال أخرى لا تقل أهمّية كالإثارة والغموض والرهبة".
لكن ماذا يمكن أن يقول عن الأزهار شخص هو عالِم وباحث وفنّان في الوقت نفسه؟
هذا الكتاب عنوانه "تشريح زهرة: الحياة السرّية للأزهار". ومؤلّفته شارمان راسل هي عالمة نبات وفنّانة وكاتبة طبيعة مشهورة. وكتابها هذا عبارة عن تأمّل شاعري يمزج بين الكتابة الرشيقة ووضوح الباحث والفنّان. وفيه تجمع عمل علماء النبات من جميع أنحاء العالم وتضيء عالما مألوفا وغريبا في نفس الوقت.
تتحدّث راسل عن بعض جوانب "الحياة الداخلية" للأزهار، وتبيّن أنها أكثر تفرّدا ومغامرة وأكثر استجابة مما نتخيّل. وطوال هذه الرحلة النباتية، تكشف المؤلّفة كيف تطوّرت الأزهار وكيف ظلّت على قيد الحياة إلى اليوم.
في احد أجزاء الكتاب، تعرّفنا الكاتبة على أنواع مختلفة من الأزهار القاتلة التي تغري فتنتها الملقّحات وتستدرجها إلى حتفها، بما في ذلك زنبق الماء الذي يقتل الآفات التي تطير فوقه والتي سبق له أن قام بتغذيتها. وتشير إلى انه، من خلال التطوّر، فإن الأزهار تغيّر صفاتها لتتعامل مع الحشرات المفترسة والبيئة، وفي بعض الحالات، من أجل خداع أو تضليل ضيوفها من الحشرات.
وتناقش راسل ذكاء الأزهار وكيف تتواصل مع بعضها، وأحيانا كيف يفترس بعضها البعض. "العديد من الأزهار تبالغ في عرض شعرها الكثيف وألوانها الزاهية بحيث تبدو أكثر غنى بحبوب اللقاح مما هي عليه". كما تشرح كيف أن الأزهار تُموضِع نفسها كي تلتقط ضوء الشمس وتختار متى تطلق حبوب اللقاح من أجل أقصى قدر من التأثير.
وفي فصل آخر، تقدّم المؤلّفة نبذة تاريخية عن التصنيف، أي تسمية وتصنيف الأزهار، وتطوّره على مدى القرن الماضي، حيث تغيّرت نظريات علم الأحياء كثيرا.
الطبيعة بالنسبة للكاتبة ليست صامتة أبدا. "الطبيعة تهمس في أذني في كلّ وقت، وهو نفس الشيء الذي يتردّد مرارا وتكرارا. إنه ليس الحبّ وليست العبادة. الطبيعة تهمس، وأحيانا تصرخ: الجمال، الجمال، الجمال"!
وراسل تبدو متحمّسة كثيرا وهي تتناول جمال الأزهار من خلال الخوض في ألوانها وروائحها. فهناك أكثر من مائتين وخمسين ألف نوع من النباتات تنتج وليمة ضخمة من الأزهار التي لا بدّ أن تجذب انتباهنا. ولا عجب أننا نتبادلها في المناسبات المختلفة من ميلاد وتخرّج وزواج.. إلى آخره.
كما تذكر الكاتبة أن الناس بحاجة إلى الأزهار لاعتبارات الحفاظ على البيئة ومن اجل الرفاه الشخصي. وهي تضفي على السمات المادّية للأزهار طابعا حسّيا يذكّرنا بلوحات جورجيا أوكيف. "إن استخدام الأزهار من قبل الإنسان كعربون للحبّ ليس مصادفة. فمبرّر وجود الزهرة في الأصل هو الجنس، ومن ثمّ التناسل. وعلى الرغم من أن بعض النباتات تستخدم الرياح أو الوسائل الميكانيكية الأخرى لنقل "الحيوانات المنوية" إلى نباتات أخرى من نفس النوع، إلا أن ألوان وأشكال وروائح العديد من الأزهار الغرض منها هو إغراء أنواع أخرى، أي تلك التي تقوم بمهمّة التلقيح".
ثم تشير الكاتبة إلى أن بعض الملقّحات، مثل النحل، نطاقها البصريّ مختلف عن البشر. فهي تستطيع رؤية ما وراء الطيف وتحويل الضوء المرئيّ إلى أشعّة فوق بنفسجيّة. فعندما نرى زهرة صفراء مثلا، فإن النحلة ترى ثلاثة ألوان مختلفة. وهكذا فإننا نغفل عن رؤية مجموعة كاملة من الأنماط والإشارات التي تجتذب النحل والملقّحات الأخرى.
وراسل تعتبر الأزهار بمثابة معلّمين روحانيين يذكّروننا بقِصر الحياة وسرعة انقضاء الزمن. وتضرب أمثلة على ذلك ببعض أنواع الصبّار التي لا تدوم طويلا.
ومن المحزن، تقول المؤلّفة، أن العديد من الأزهار تسير نحو انقراضها. إذ تشير التقديرات إلى أن خمسة وعشرين بالمائة من النباتات الخضراء لن تكون حولنا بعد خمسين عاما كي تمتّعنا وتستمرّ في تحريضنا على الدهشة.
كما تذكر أن العلماء بدءوا الآن فقط في فهم الدور المعقّد للأزهار في النظم الإيكولوجية. وتوصّلت دراساتهم إلى اكتشافات مذهلة مثل حقيقة أن زهرة واحدة يمكنها إنتاج أكثر من مائة مركّب كيميائي، وأن زهرة مثل عبّاد الشمس وبعض الأزهار التي تنمو في جبال الألب يمكنها إزالة الكثير من الموادّ الكيميائية السامّة من الأرض والماء.
المؤلّفة تأخذ القارئ إلى المختبرات وإلى المؤتمرات الأكاديمية، فضلا عن الحقول المشمسة وبيوت الدفيئة الزراعية، كي تربط العلم بفتنة الأزهار. وهي في نفس الوقت تحذّر من أن واحدا من بين كلّ ثلاثة أنواع من الأزهار في الولايات المتحدة وحدها في خطر، وأن الأزهار قد تكون من بين أوّل ضحايا موجة متزايدة من الانقراض.
كتاب شارمان راسل هو مزيج من المذكّرات ودرس في علم النبات وتاريخ العلوم. وقراءته تشبه المشي سيرا على الأقدام بصحبة مرشدين في حقل واسع من الأزهار البرّية في يوم صيفيّ رائع. والكتاب يذكّر بكتب أخرى متميّزة ومرجعية عن النباتات مثل كتاب دونالد بيتي الأرض المُزهرة وكتاب بيتر تومبكينز الحياة السرّية للنباتات .

2 comments:

Amro Ismaiel said...

تُذكرُني تدوينتك الرائعة هذه بكتاب الألماني (غُوستاف فتشنر) "نانا" الذي شرح فيه كيف أن النباتات مثل البشر، لها نُظم عصبية ولها شعورٌ مُرهّف وهي عاقلة كما البشر،والذي أكده داروين بعدها وأيضاً لوثر بوربانك في كتابه (تدجين النباتات الإنساني) وقال فيه أن النباتات قد لا تفهم الكلمات التي نقولها لكنها تستوعب، بشكل تخاطري، ما نقوله.
تدوينة رائعة كالعادة، وحمداً لله أنني توصلتُ إليها، لما فيها من الفكر والإبداع.

Prometheus said...

والشكر الجزيل لك أخ عمرو على ملاحظاتك الرائعة وعلى تعريفي بفتشنر وبوربانك وكتابيهما المثيرين للاهتمام. مع خالص مودتي لك ورمضان كريم.