:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, February 08, 2017

شجريان: طائر السَّحَر


ليس من المستغرب أن يحتفل بلد ما بأحد موسيقيّيه المبدعين. لكن ما يميّز الموسيقيّ الإيرانيّ محمّد رضا شجريان عن غيره من الفنّانين الكبار في العالم انه يواجه حظرا في بلده ويعامَل على انه فناّن منشقّ، رغم أن موسيقاه لا تنتقد الحكومة مباشرة.
ورغم أن الحظر المفروض على شجريان مستمرّ منذ سبع سنوات، أي عندما قرّرت شبكة البثّ الوطنية منع صورته وصوته وحتى اسمه من الظهور في محطّات الإذاعة والتلفزة الرسمية، إلا أن ذلك لم يمنع كثيرا من المسئولين الكبار من إعلان دعمهم للمغنّي وتعاطفهم معه وإعجابهم بفنّه.
الرئيس الإيراني الأسبق علي اكبر هاشمي رفسنجاني أرسل قبل شهر من وفاته إلى شجريان هديّة ثمينة عبارة عن خاتمين قيل إنهما مصنوعان من حجر مقدّس.
وفي سبتمبر الماضي، أحيت الصحف عيد ميلاد الفنّان السادس والسبعين، كما وضعت الصحيفة الرسمية صورة له في صدر صفحتها الأولى.
وكان الرئيس الحالي حسن روحاني قد صرّح في وقت سابق بأن شجريان هو مغنّيه المفضّل، مشيرا إلى انه استخدم إحدى أغانيه في حملته الانتخابية.
وكان الحظر قد فُرض على شجريان عقابا له على دعمه "الجانب الخطأ" في انتخابات عام 2009 المشكوك في نزاهتها. إذ عندما احتجّت قطاعات عريضة من الإيرانيين على النتائج الرسمية لتلك الانتخابات والتي منحت الرئيس السابق محمود احمدي نجاد فترة رئاسة ثانية، انضمّ شجريان للحركة الخضراء الداعمة للديمقراطية وأطلق أغنية بعنوان لغة النار دعم من خلالها المتظاهرين ثم وضعها على الانترنت .
تقول كلمات الأغنية: أنا اكره سفك الدماء، والمسدّس الذي بيدك يتحدّث لغة النار والحديد. ألقِ سلاحك جانبا، تعال واجلس، تحدّث واسمع، فربّما يصل نور الإنسانية إلى قلبك ". ويقال أن كلمات الأغنية كانت تخاطب ميليشيا الباسيج التي تصدّت وقتها للمتظاهرين بعنف.
شبكة البثّ الرسمية اعتادت على أن تذيع الكثير من أغاني شجريان التي تتحدّث عن حبّ الوطن. لكن بعد ظهور نتائج الانتخابات وما أعقبها من قمع للمتظاهرين، بعث شجريان برسالة إلى رئيس الشبكة يطالبه فيها بأن يتوقّفوا عن بثّ أغانيه. وقال في الرسالة إن أغانيه الوطنية تنتمي إلى سنوات ما قبل ثورة عام 1979 ولا علاقة لها بأيّ حال بما يحدث في البلاد الآن".
وعندما سأله تلفزيون البي بي سي الفارسي عن أمر تلك الرسالة قال شجريان: كان صوتي وسيظلّ صوت الحثالة (في إشارة إلى وصف احمدي نجاد للمتظاهرين بأنهم حثالة). وأضاف: كلّما سمعت أغنياتي في الإذاعة والتلفزيون أحسست بالخجل، فأنا لا أريد أن تُستغلّ موسيقاي لتبرير القمع". وبعد تلك المقابلة قرّر رئيس الشبكة أن يحظره نهائيا.
الناطق باسم وزارة الثقافة قال عندما سُئل عن قصّة الحظر: لقد خلق شجريان فجوة بينه وبين المؤسّسة ويتعيّن عليه أن يكون وفيّا لمبادئ الجمهورية الإسلامية".


على مدى ثلاثين عاما كان ملايين الإيرانيين يلتفّون حول التلفزيون طوال شهر رمضان وقبيل الإفطار مباشرة ليستمعوا إلى شجريان وهو يتلو بصوته دعاءً من القرآن الكريم. يقول عبّاس ميلاني الأكاديميّ الأمريكيّ من أصل إيرانيّ: كان ذلك الدعاء بمثابة احتفال دينيّ ودعوة لتجمّع العائلات، كانت له قوّة هائلة، وكنت كلّما سمعته تذكّرت زمن الشباب في إيران. لكن الدعاء اختفى من التلفزيون الرسميّ منذ عام 2009 على خلفية دعم الفنّان للحركة الخضراء".
ولد محمد رضا شجريان عام 1940 في مدينة مشهد التي تضمّ مرقدا لأحد أئمّة الشيعة البارزين. وكان في صغره يتلو آيات القرآن الكريم، إلا انه كان يُمنع من سماع الموسيقى التراثية التي جعلته في ما بعد مغنيّا مشهورا.
يقول شجريان: اعتاد والدي أن يقول لي إن الموسيقى حرام، لكنّي كنت أواظب على سماعها في بيت عمّي وكنت اعزف التار وأستمتع بالموسيقى".
كان معجبا منذ صغره بأساليب المغنّين الكبار الذين أتوا قبله مثل قمر الملوك وزيري وتاج اصفهاني وجليل شاهناز وغيرهم. ثم بدأ صوته يجد طريقه إلى الإذاعة، وشيئا فشيئا أصبح محبوبا من غالبية الناس.
المفارقة أن شجريان بعد أن كبر، منح حياة جديدة للاغاني التراثية القديمة بعد أن تهيّأت له دراسة الموسيقى على يد عدد من المعلّمين القدامى، كما صمّم آلات موسيقية جديدة صنعها بيديه.
في ما بعد، عُيّن أستاذا للفنون الجميلة في جامعة طهران وموظّفا في هيئة الإذاعة الرسمية. لكن بعد ثورة عام 1979 استقال نهائيا من وظيفته الأخيرة.
مع مرور الوقت، تحوّل شجريان إلى أسطورة في بلده بسبب غنائه وتلحينه لأشهر القصائد الكلاسيكية. وعلى يديه تخرّج جيل كامل من الموسيقيين، مثل ايراج بسطامي وشهرام ناظري وسينا سارلاك، بالإضافة إلى ابنه همايون وابنته موجان شجريان، وغيرهم.
قدرته على اختيار الكلمات وعمله الدؤوب وأداؤه المبهر للاغاني التراثية جعل منه شخصية استثنائية في عالم الموسيقى الفارسية وأكسبه حبّ الكثير من الناس داخل إيران وخارجها.
وعلى المستوى العالمي، يوصف شجريان بأنه أعظم مغنّ إيراني حيّ. وقد كرّمته اليونيسكو بمنحه جائزة بيكاسو عام 1999، وفي عام 2006 مُنح جائزة موزارت للإبداع الموسيقيّ.
كان من عادة شجريان أن يختار لأغانيه قصائد من شعر الخيّام والرومي وحافظ وسعدي وغيرهم. لكن، بحسب عبّاس ميلاني، أخذت أغانيه منحى جديدا في السنوات الأخيرة، وأصبح ينهي كلّ حفل من حفلاته الموسيقية بأغنية طائر السَّحَر التي كثيرا ما تفعل فعلها في نفوس جمهوره.
وقد استلهم المطرب كلمات الأغنية من شاعر فارسيّ قديم يُدعى ملك الشعراء بهار وحوّلها إلى بيان يدعم الحركة السلمية. تبدأ الأغنية بنداء للطائر بأن يبدأ تغريده الحزين كي ينزاح ليل الظلمة ويشرق نور الحرّية.
هذه الأغنية، يقول ميلاني، تستخدم كافة أشكال اللغة المجازية المعروفة اليوم. والأدب الفارسيّ هو في الأساس شعر. وشجريان هو احد سادة هذا الأدب ويعرف بالضبط الأشعار التي يستطيع توظيفها في اللحظات المناسبة من التاريخ. وقد قال ذات مرّة: لو تابعتم أغانيّ لأمكنكم تقريبا معرفة تاريخ هذا البلد على مرّ السنوات الأربعين الأخيرة".


طائر السحر هي أغنية تراثية في الأساس. وهي تعود إلى السنوات الأخيرة من حكم السلالة القاجارية، وكلماتها تتحدّث عن الرغبة في قهر الطغيان واستعادة الحرّية. وقد رأى فيها البعض إسقاطا على أوضاع البلاد اليوم، وبالتالي سببا إضافيا في إثارة حنق المؤسّسة الحاكمة على الموسيقيّ.
كلمات إحدى أغاني شجريان الأخرى المعروفة تتحدّث عن مكان رائع يتحوّل إلى خرابة ودماء. وفي مقطع من الأغنية يتساءل المغنّي بحزن: ماذا حدث؟ وعندما سُئل المطرب في ما بعد عن كلمات تلك الأغنية قال إنها تتحدّث عمّا حصل في إيران بعد عام 1979م.
لكن اعنف انتقاد وجّهه شجريان للسلطة جاء في حديث أدلى به عام 2011 لموقع دانماركي وقال فيه: لقد ظلّ الإيرانيون يقاتلون من اجل حرّيتهم لأكثر من مائة عام. وكانت آخر محاولاتهم عام 1979م. في الأساس لم تكن الثورة دينية، ثم دخل رجال الدين إلى المسرح واقترحوا جمهورية إسلامية. كان هناك استفتاء، ولأن معظم الناس يثقون بالمتديّنين فقد صوّتوا لجمهورية إسلامية. أنا لم أثق بهم منذ البداية، لم أصوّت لهم ولن افعل".
وأضاف: إنني لا أرى أيّ مستقبل لهذا البلد. التدهور مستمرّ والأمور تسير من سيّئ إلى أسوأ يوما بعد يوم. انه طريق صعب ومحفوف بالمخاطر. إن شعبنا يختلف تماما عن حكومتنا، وإيران ليست هي ما تزعمه الحكومة. والناس لا علاقة لهم بالإرهاب أو القتل أو العراك النووي. هذه السنوات الثلاثون يجب أن نحذفها من تاريخنا، إذ لا علاقة لها بثقافتنا".
ورغم كثرة انتقادات شجريان، إلا أن السلطات لم تعتقله ولا يبدو أنها ستفعل. وقد تصادف أنه يعرف شخصا مهمّا جدّا، وهذا الشخص ليس سوى مرشد الثورة علي خامنئي، فالاثنان ينتميان إلى نفس المدينة وتربطهما علاقة معقّدة.
وقد قيل انه لم يُعتقل لأنه شخصية عالمية، والسلطة تعرف أنها ستدفع ثمنا غاليا لو فعلت. ويبدو أن شعبيّته الهائلة بين الإيرانيين منحته حصانة إضافية من انتقام الدولة.
ولأنه لا يستطيع الحصول على إذن بالغناء داخل إيران، فقد قرّر أن يقيم حفلاته الموسيقية في البلدان المجاورة. وعندما ألغى بعض حفلاته المجدولة في تركيا وأرمينيا، ظهرت شائعات عن اعتلال صحّته.
ثم لم يلبث أن ظهر في فيديو بمناسبة السنة الجديدة وكشف فيه انه يعاني من مرض السرطان منذ خمسة عشر عاما، واصفا المرض بالضيف الثقيل.
وبعد انتشار الفيديو حادثه وزير الصحّة على الهاتف وابلغه انه مستعدّ لعمل أيّ شيء من اجل أن يتماثل للشفاء. لكن الحظر عليه استمرّ، بل لقد تمّ حذف كلمات زميل له ظهر على التلفاز وتمنّى له الشفاء.
وعلى الرغم من هذا كلّه، لم يتوقّف الكثيرون عن الاحتفال بشجريان على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان من بين هؤلاء ساسة كبار وفنّانون وكتّاب معروفون.

Credits
npr.org

No comments: