:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, October 25, 2006

فراق الأحبّة

في حضرة الموت تخرس الكلمات وتتثاقل الحروف وتعجز اللغة عن تصوير مشاعر الأسى والحزن على فراق من نحبّ.
بالأمس رحل خالي إلى رحاب ربّه بعد صراع مع المرض لم يمهله طويلا. ومات بنفس المرض الذي فتك من قبل بأمّي وبخالي الآخر.
لقد حصدهم الموت جميعا في فترة لم تتجاوز الثلاث سنوات ومضوا كلّ في أثر الآخر كأغصان نضره تتكسّر غصنا فغصنا.
ويبدو أن الحزن هو الحاضر الأكبر في حياتنا وأن الفرح زائر طارئ، وإن جاء بالصّدفة فلكي يعقبه مزيد من الآلام والأحزان.
خالي رحمه الله لم يكن من ذلك النوع من الناس الذين نراهم ونقابلهم كلّ يوم. ولو أردت أن أصفه بكلمة واحدة لما تردّدت في القول إنه كان "إنسانا".
كان ينضح امتلاءاً بالودّ والألفة والعاطفة الصادقة.
وما أقسى أن أتمثّل في خاطري في هذه اللحظات أنه لن يكون بإمكاني أن أرى ذلك الإنسان مرّة أخرى بعد اليوم. سأفتقد وإلى الأبد وجهه الوضّاء ومحيّاه الباسم وضحكته الصّافية.
الآن وأنا جالس أتأمّل سطوة الموت وعبث الأقدار، يخطر بذهني شريط من الذكريات والصور التي تتوالى تباعا كأنها حدثت بالأمس فقط.
وربّما كان أكثر ما يحزنني الآن هو شعوري أنني لم أرَ خالي أثناء حياته بما فيه الكفاية، ولم أجلس معه أو أحادثه كما ينبغي.
السبب هو أنه عاش حياة السفر والإغتراب وهو بعدُ في سنّ مبكّرة. حدث هذا في أوائل الستّينات من القرن الماضي.
وفي الغربة أسّس خالي لنفسه حياة جديدة وأصبح عنده بيت وزوجة وأولاد. لكنّه كان يأتي إلينا بين فترة وأخرى زائراً ومسلّماً. وأذكر كيف كانت أمّي تطير فرحا عند سماعها خبر مقدمه. كانت تحضنه الدقائق الطوال في عناق صامت لا يقطعه سوى نشيجهما وكلمات أمّي التي يختلط فيها البكاء والعتب وهي تلثم وجهه ويديه.
كنت آنس إليه وأستمتع بكلامه وأعوّل كثيرا على توجيهاته ونصائحه.
ومن ناحيته كان رحمه الله محبّا للآخرين عفيفا نقيّا ذا عاطفة إنسانية راقية، ولم أره في يوم من الأيام إلا باشّا مبتسماً.
ومن فرط إنسانيته وحرصه على ألا يثقل على أحد، أخفى خالي عن الجميع طبيعة مرضه. ولم نعرف حقيقة ما كان يعانيه إلا قبل وفاته ببضعة أسابيع.
كنت على اتّصال دائم به، وقبل ثلاثة أيّام عرفت من نبرة صوته أنه متعب جداً، وأبلغته عن نيّتي في القدوم لزيارته والاطمئنان عليه. لكنه تظاهر بأن الأمر ليس بالخطورة التي أتصوّرها وحلف عليّ بألا آتي وأن أكتفي حاليا بالاتصال الهاتفي إلى أن تتّضح الأمور أكثر.
وبالأمس، توقّفت ساعة الزمن للحظات عبرت خلالها روح خالي العزيز إلى الضفّة الأخرى، إلى حيث مساقط النور وشطآن الضياء لتتّحد مع أرواح من سبقوه من الأهل والأحبّة في مقعد صدق عند عزيز مقتدر.
رحل مبكّرا وفي صمت تاركاً في النفس غصّة وفي القلب جرحاً لا يندمل.
رحم الله العزيز "أبا خالد" رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنّاته وألهم أهله ومحبّيه الصبر والسلوان.