العملاق النائم
لا يمكن تخيّل القوة الإعجازية للدماغ إلا عندما نفكّر في طبيعة الوظائف الهائلة والمعقّدة التي يقوم بها. أحيانا يشبّهه البعض بالكمبيوتر، من ناحية تخزين المعلومات ومن ثم استعادتها وإنشاء ارتباطات وعلاقات بين الأشياء وعناصرها المختلفة بمثل ما يفعل معالج الكمبيوتر.
وظيفة التذكّر بحدّ ذاتها هي عبارة عن بناء بالغ التعقيد. تخيّل مثلا وجه إنسان قابلته مؤخّرا. الدماغ يستعيد اسم ذلك الشخص وصفاته وملامحه ونبرات صوته من أماكن مختلفة منه "من الدماغ"، قبل أن يعيد بناء صورة ذهنية متكاملة عن ذلك الشخص.
والإنسان الذي فقد ذاكرته، مثلا، نتيجة حادث أو مرض، يتعيّن عليه أن يتعلّم كلّ الأشياء القديمة من جديد: كيف يتكلّم وكيف يأكل وكيف يرتدي ملابسه، وباختصار كلّ الأمور التي كان يقوم بها من قبل. لكن الدماغ، وبطريقة ما تزال تحيّر العلماء، يمكن أن يستعيد دون سابق إنذار بعض الخبرات والتجارب التي اكتسبها الإنسان في طفولته.
قرأت ذات مرّة قصّة غريبة عن أستاذ جامعة أمريكي من أصل ألماني. كان هذا الرجل قد جاء إلى أمريكا في بداية ثلاثينات القرن الماضي وهو في سنّ الثامنة، بصحبة والديه وإخوته الثلاثة هرباً من النازية.
في أمريكا بدأت العائلة حياة جديدة وتسنّى للابن، مع إخوته، أن يواصل دراسته في المدارس ثمّ في الجامعات الأمريكية. وتدرّج في مراحل التعليم المختلفة إلى أن حصل على درجة الدكتوراه وأصبح أستاذا للأدب الانجليزي في الجامعة.
وذات يوم، وقبل أسابيع من احتفاله بيوم ميلاده الستّين، أصيب الرجل فجأة بجلطة في الدماغ. وتبيّن للأطباء فيما بعد أن الإصابة التي لحقت بدماغه كانت قويّة لدرجة أنه فقد ذاكرته تماما. فنسي كلّ الأشخاص والأسماء والأماكن والأحداث التي مرّت في حياته.
وبعد أشهر من العلاج، استعاد قدرته على الكلام. لكن ما أدهش الأطبّاء وأسرته أن الرجل نسي الانغليزية تماما وأصبح يتحدّث الألمانية التي كان آخر عهده بها عندما كان طفلا في الثامنة.
احتار أطبّاء الأعصاب في تفسير تلك الحالة. بعضهم تحدّث عن تغيّرات كيميائية في الدماغ نتج عنها تدمير بعض الخلايا وإحياء بعض الخلايا القديمة ضمن ما يُعرف بالذاكرة طويلة الأمد المسئولة عن تخزين المعلومات والتجارب منذ سنوات الوعي الأولى، تماما مثلما يفعل جهاز الحاسوب عندما يستعيد ملفّات سبق أن خُزّنت في ذاكرته، بعد أن يكون قد مرّ عليها سنوات دون أن تُفتح أو تُستخدم.
وظيفة التذكّر بحدّ ذاتها هي عبارة عن بناء بالغ التعقيد. تخيّل مثلا وجه إنسان قابلته مؤخّرا. الدماغ يستعيد اسم ذلك الشخص وصفاته وملامحه ونبرات صوته من أماكن مختلفة منه "من الدماغ"، قبل أن يعيد بناء صورة ذهنية متكاملة عن ذلك الشخص.
والإنسان الذي فقد ذاكرته، مثلا، نتيجة حادث أو مرض، يتعيّن عليه أن يتعلّم كلّ الأشياء القديمة من جديد: كيف يتكلّم وكيف يأكل وكيف يرتدي ملابسه، وباختصار كلّ الأمور التي كان يقوم بها من قبل. لكن الدماغ، وبطريقة ما تزال تحيّر العلماء، يمكن أن يستعيد دون سابق إنذار بعض الخبرات والتجارب التي اكتسبها الإنسان في طفولته.
قرأت ذات مرّة قصّة غريبة عن أستاذ جامعة أمريكي من أصل ألماني. كان هذا الرجل قد جاء إلى أمريكا في بداية ثلاثينات القرن الماضي وهو في سنّ الثامنة، بصحبة والديه وإخوته الثلاثة هرباً من النازية.
في أمريكا بدأت العائلة حياة جديدة وتسنّى للابن، مع إخوته، أن يواصل دراسته في المدارس ثمّ في الجامعات الأمريكية. وتدرّج في مراحل التعليم المختلفة إلى أن حصل على درجة الدكتوراه وأصبح أستاذا للأدب الانجليزي في الجامعة.
وذات يوم، وقبل أسابيع من احتفاله بيوم ميلاده الستّين، أصيب الرجل فجأة بجلطة في الدماغ. وتبيّن للأطباء فيما بعد أن الإصابة التي لحقت بدماغه كانت قويّة لدرجة أنه فقد ذاكرته تماما. فنسي كلّ الأشخاص والأسماء والأماكن والأحداث التي مرّت في حياته.
وبعد أشهر من العلاج، استعاد قدرته على الكلام. لكن ما أدهش الأطبّاء وأسرته أن الرجل نسي الانغليزية تماما وأصبح يتحدّث الألمانية التي كان آخر عهده بها عندما كان طفلا في الثامنة.
احتار أطبّاء الأعصاب في تفسير تلك الحالة. بعضهم تحدّث عن تغيّرات كيميائية في الدماغ نتج عنها تدمير بعض الخلايا وإحياء بعض الخلايا القديمة ضمن ما يُعرف بالذاكرة طويلة الأمد المسئولة عن تخزين المعلومات والتجارب منذ سنوات الوعي الأولى، تماما مثلما يفعل جهاز الحاسوب عندما يستعيد ملفّات سبق أن خُزّنت في ذاكرته، بعد أن يكون قد مرّ عليها سنوات دون أن تُفتح أو تُستخدم.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
لكن العلماء لا يفهمون إلى اليوم كيف يتذكّر الدماغ، وما الذي يحدث بالضبط أثناء عملية التذكّر، وكيف ينظّم الذكريات والتجارب، وأين تُخزّن، وكيف تُستعاد.
قبل سنوات، نشرت بعض الصحف قصّة شابّ روسي كان قد تعرّض لحادث سيارة مروّع أصيب على إثره برضوض وكسور متعدّدة، كان أخطرها في منطقة الرأس والدماغ. ودخل الشابّ في حالة غيبوبة دامت أشهرا.
وبعد أن أفاق، خضع لفترة علاج وتأهيل طويلة. ثم غادر المستشفى حاملا معه بعض آثار ذلك الحادث البدنية والنفسية. غير أن أغرب ما حدث له بعد ذلك هو انه أصبح لا ينام إطلاقا، أي أن رغبته في النوم ليلا أو نهارا اختفت وأصبح اليوم عنده نهارا متّصلا.
وقال الشابّ انه لم يعد يشعر بحاجة إلى النوم، وأنه لا يعاني من أيّ إحساس بالتعب والإرهاق نتيجة لذلك، وأن ما يزعجه حقّا هو حالة الملل والرتابة التي أصبح يعاني منها بسبب بقائه متيقّظاً على مدار ساعات اليوم.
ما الذي حدث بالضبط؟ الأطبّاء اختلفوا أيضا في إيجاد تفسير علمي للقصّة. بعضهم تحدّث عن تأثّر خلايا الدماغ المسئولة عن الإحساس بالزمن. وبعضهم رجّح احتمال تعرّض "سايكولوجيا الدماغ" إلى تعديل نتيجة تهتّك بعض الخلايا العصبية. لكنّهم اجمعوا على أن الحادثة توفّر دليلا آخر على قوّة الدماغ وغموض الكيفية التي يعمل بها.
وخلافا للاعتقاد السائد بأن فقدان الذاكرة خلل وظيفي، يميل الدماغ الى نسيان المعلومات غير المهمّة. ويسمح هذا "النسيان الوظيفي" للدماغ بالحفاظ على مرونته وتحديث الذكريات واتخاذ قرارات أفضل من خلال تقليل فوضى التفاصيل غير المهمّة.
وبحسب ما يقوله العلم الحديث، فإن دماغ الإنسان يتألّف من حوالي 86 مليار خلية عصبية. وتشكّل كلّ خلية روابط مع خلايا أخرى يمكن أن يصل عددها الى ألف تريليون رابط. ويمكن لهذه الخلايا العصبية أن تتّحد وتزيد من سعة التخزين. ويمكن للمعلومات الدماغية أن تنتقل بسرعة تصل إلى 350 ميلاً في الساعة. وعندما تُحفّز خلية عصبية، فإنها تولّد نبضة كهربائية تنتقل من خلية إلى أخرى.
ومن الخرافات الشائعة أن الإنسان لا يستخدم سوى عشرة بالمائة من قدرات دماغه، وأن الدماغ يكون في حالة نوم ما لم يُطلب منه انجاز وظيفة ما، كقراءة جريدة أو حلّ مشكلة أو التعرّف على شخص. لكن بحسب أطبّاء الأعصاب، فإن الإنسان يستخدم كامل قدرات دماغه حتى أثناء النوم، ما يعني أن الدماغ يظلّ نشطاً دائماً.
قبل سنوات، نشرت بعض الصحف قصّة شابّ روسي كان قد تعرّض لحادث سيارة مروّع أصيب على إثره برضوض وكسور متعدّدة، كان أخطرها في منطقة الرأس والدماغ. ودخل الشابّ في حالة غيبوبة دامت أشهرا.
وبعد أن أفاق، خضع لفترة علاج وتأهيل طويلة. ثم غادر المستشفى حاملا معه بعض آثار ذلك الحادث البدنية والنفسية. غير أن أغرب ما حدث له بعد ذلك هو انه أصبح لا ينام إطلاقا، أي أن رغبته في النوم ليلا أو نهارا اختفت وأصبح اليوم عنده نهارا متّصلا.
وقال الشابّ انه لم يعد يشعر بحاجة إلى النوم، وأنه لا يعاني من أيّ إحساس بالتعب والإرهاق نتيجة لذلك، وأن ما يزعجه حقّا هو حالة الملل والرتابة التي أصبح يعاني منها بسبب بقائه متيقّظاً على مدار ساعات اليوم.
ما الذي حدث بالضبط؟ الأطبّاء اختلفوا أيضا في إيجاد تفسير علمي للقصّة. بعضهم تحدّث عن تأثّر خلايا الدماغ المسئولة عن الإحساس بالزمن. وبعضهم رجّح احتمال تعرّض "سايكولوجيا الدماغ" إلى تعديل نتيجة تهتّك بعض الخلايا العصبية. لكنّهم اجمعوا على أن الحادثة توفّر دليلا آخر على قوّة الدماغ وغموض الكيفية التي يعمل بها.
وخلافا للاعتقاد السائد بأن فقدان الذاكرة خلل وظيفي، يميل الدماغ الى نسيان المعلومات غير المهمّة. ويسمح هذا "النسيان الوظيفي" للدماغ بالحفاظ على مرونته وتحديث الذكريات واتخاذ قرارات أفضل من خلال تقليل فوضى التفاصيل غير المهمّة.
وبحسب ما يقوله العلم الحديث، فإن دماغ الإنسان يتألّف من حوالي 86 مليار خلية عصبية. وتشكّل كلّ خلية روابط مع خلايا أخرى يمكن أن يصل عددها الى ألف تريليون رابط. ويمكن لهذه الخلايا العصبية أن تتّحد وتزيد من سعة التخزين. ويمكن للمعلومات الدماغية أن تنتقل بسرعة تصل إلى 350 ميلاً في الساعة. وعندما تُحفّز خلية عصبية، فإنها تولّد نبضة كهربائية تنتقل من خلية إلى أخرى.
ومن الخرافات الشائعة أن الإنسان لا يستخدم سوى عشرة بالمائة من قدرات دماغه، وأن الدماغ يكون في حالة نوم ما لم يُطلب منه انجاز وظيفة ما، كقراءة جريدة أو حلّ مشكلة أو التعرّف على شخص. لكن بحسب أطبّاء الأعصاب، فإن الإنسان يستخدم كامل قدرات دماغه حتى أثناء النوم، ما يعني أن الدماغ يظلّ نشطاً دائماً.
Credits
archive.org
archive.org
