:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Saturday, December 03, 2016

قصص وملاحم


كثيرا ما تتضمّن قصص الملاحم بحثا ومغامرات وروّادا يناضلون في محاولتهم الذهاب إلى ما هو أبعد من الحالة الراهنة، ولأيّ سبب نبيل. غلغامش، مثلا، كان يبحث عن الخلود. وإينياس أنجز قدَرَه بتأسيس إمبراطورية جديدة في لاتيوم. وأخيل حارب من اجل الأخوّة ولينتقم من موت صديقه. وأوديسيوس حاول الإبحار إلى ما وراء الشمس الغاربة، وطوال الطريق ظلّ يحلم بالعودة إلى "إيثيكا" أو الوطن.
تقاليد الملاحم وُلدت منذ القدم لتتحدّث عن توق الإنسان ورغبته الفطرية في أن يتجاوز مكانه وأن يسافر إلى ما وراء الحدود المقيّدة له على هذه الأرض.
العالم الفيزيائيّ كارل ساغان كتب في مقدّمة مؤلّفه "الكون" يقول: البشر المولودون من غبار النجوم يقطنون الآن ولبعض الوقت عالما يُسمّى الأرض، وقريبا سيبدءون رحلة العودة إلى الوطن".
ومثل اوديسيوس، فإن البشر في حالة بحث أبديّ عن وطن، أي عن أصولنا؛ عن مكان يملك الإجابات على تساؤلاتنا ويهدّئ من مخاوفنا.
غير أن إيثيكا البشر ظلّت متمنّعة ومراوغة. هذه الإيثيكا الأبدية، سواءً كانت بالمعنى الدينيّ مثل الجنّة والنيرفانا والموشكا، أو بالمعنى الأدبيّ مثل لاتيوم أو يوتوبيا أو عدن، كانت وما تزال الهدف النهائيّ للبشرية الباحثة، وحتى لنقّاد ما بعد الحداثة والحركات النسوية.
والملاحم الأدبية تحدّثت عن هذا البحث منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام، وهو بحث لم يكلّ أو يملّ، فقط غيّر أشكاله وأساليبه بينما الإنسانية تبدأ الآن في استكشاف الكواكب الأخرى.
غير أن بعض النقّاد يرون أن القصيدة الملحمية كجنس أدبيّ أنجزت نموّها منذ زمن طويل وأصبحت قديمة ولا علاقة لها سوى "بالماضي التليد". وهذا الماضي لا ارتباط له بالخطاب المعاصر، كما أن عقل القارئ الحديث لا يمكنه الدخول إلى الماضي الملحميّ، فنحن اليوم منقطعون عن أزمنة الملاحم وهي تظلّ مجرّد ذكرى بعيدة وماض مثالي.
إن فكرة وجود عدد من الآلهة يقرّرون مصير البشر ويمثّلون تهديدا دائما لبعضهم البعض وللخليقة، ثمّ في النهاية يلوذون بالسماء حيث يعيشون هناك حياة أبدية على هيئة مجموعات نجمية أو أبراج، تبدو فكرة غريبة على كلّ الثقافات هذه الأيّام.
كما أن الأديان المعروفة اليوم تناقض فكرة تعدّد الآلهة، بل إنها حتى ترفض الحضارات القديمة على أساس أنها وثنية وضدّ التوحيد.
لكن روح الملاحم ما تزال تعيش معنا إلى اليوم وتؤثّر على المتلقي المعاصر من خلال قصص الخيال العلميّ التي يمكن من خلالها أن نفهم تقاليد الملاحم ونفهم أنفسنا كبشر بشكل أفضل.
روايات الخيال العلمي تضع عقل الإنسان في مواجهة مع أسئلة الذات والمصير. فيلم "حرب النجوم" مثلا هو عبارة عن قصّة ملحمية، من حيث أن الملايين شاهدوه وأنه يتضمّن صورا وأفكارا وموتيفات عن مخلوقات مختلفة، كما أن الفيلم يحمل بصمة مبتكره.
ملحمة الاوديسّا، التي تعني حرفيّا الرحلة الطويلة إلى الوطن، هي ككلّ الملاحم تقريبا عبارة عن قصّة عودة، وهي تسأل: هل يمكن للإنسان أن يعود إلى وطنه، خاصّة بعد سنوات طويلة من الحرب الدامية؟ والملحمة تحاول أن تعيد النظام بعد فوضى الحرب التي تُوجّت بسقوط طروادة.
في نهاية الملحمة يتعلّم اوديسيوس أن أفضل مكان له هو حيث تكون زوجته وعائلته، أي الوطن.

Credits
literature.org

4 comments:

Haitham Al-Sheeshany said...

تدوينة قصيرة ولكن -بالإضافة إلى أنها بديعة الطرح- فإنها قوية التاثير بحق


قرات التدوينة أمس وكذا زوجتي
(كنت قد طبعتها، متأسف يا شجر ولكن العيون لا تساعد على القراءة من على شاشة بعد اللآن)
وهي قالت لي أن جمع واختصار الكثير من الآراء وصهرها ببوتقة معينة شيء صعب ولكن يبدو أن التدوينة هذه حققت ذلك لحد بعيد

أتفق مع ذلك وكثيرًا

صباح اليوم قرات هذه التدوينة
https://jaraads.wordpress.com/2016/12/03/our-complicated-relationship-with-god/
مالك صديق من الأردن وتعرفت عليه بشكل شخصي
اظن هنالك تقاطعًا بين ما شاركه من أسئلة وبين سطورك

Prometheus said...

أهلا بك هيثم.
كيف حالك؟ :)
شكرا لك على الإضافة الجميلة وعلى الرابط المفيد.
الفلاسفة القدماء كانوا يثنون على الشك على أساس انه يوصل في النهاية إلى اليقين. ابن الرومي وابن عربي لهم خطرات وأشعار تصبّ في هذا المعنى.
والمقال الذي أشرت إليه ذكّرني بقصّة الشاعر الصوفي الاسباني جون اوف ذي كروس الذي دام شكّه أكثر من أربعين عاما قبل أن يأتيه اليقين ويؤمن بوجود الله ثم يكتب قصيدة عن حبّ الإنسان لله. لاحظ انه كان ناسكا ومع ذلك كان ينتابه الشك إلى أن تحقّق له الصفاء الروحي الذي كان يبحث عنه، ولم يحدث هذا إلا في نهايات عمره.
وهناك قصص كثيرة عن نسّاك من مختلف الديانات مرّوا بنفس هذه التجربة التي يحسّ فيها الإنسان المتديّن بأن العبادة أصبحت متعبة وغير مجدية وبلا غاية وأن الله تخلّى عنه وتركه وحيدا.
أنا أظنّ انه كلّما تقدّم الإنسان في العمر كلما ازداد إيمانه بالله. هل بسبب الخوف أو الحبّ أو الكراهية؟ الأمر يختلف من شخص لآخر بحسب تجاربه في الحياة ونوعية قراءاته والوسط الذي يعيش فيه الخ. اعتقد أن المتصوّفة هم الفرقة الوحيدة التي تؤمن بالله بدافع الحبّ بل ويتغنّون بذلك في أشعارهم وأغانيهم. جميل أن يكون الإيمان بالله بدافع الحبّ لا الخوف من عذابه، لأن الحبّ في النهاية بمعناه المتسامي والروحاني ينفي فكرة الخوف نفسها.
قصّة الشاعر الاسباني تجدها على هذا الرابط:
http://prom2000.blogspot.com/2008/10/blog-post.html

Haitham Al-Sheeshany said...

ردك بديع، بحق
--------

ليل معتم لأكثر من أربعين عاماً) - بصراحة شيء ليس بالسهل)


شكرًا لسؤالك عن أخباري. أنا الحمد لله تمام التمام. قبل حوالي الأسبوعين انتهيت من مرحلتي الدراسية الحالية! كنت ل4 سنوات وشهرين منخرطاً في برنامج للدكتوراه - إدارة الأعمال وبحمد الله ويمنه كرمه اجتزت المناقشة بنجاح

للآن لا أقدر أن أصدق أنني فرغت من (المهمة) وتجتاحني أوهام أن هناك خطأ ما! :). بإمكاني الآن قراءة كل التدوينات القديمة التي كنت أحتفط بها في قائمة ال(تفضيلات) من على ها هنا

الله يعينك على التعليقات التي قد أوردها
:)

أتمنى أن أمورك بخير وعال العال

أشكرك

Prometheus said...

تسلم اخي هيثم على كلماتك الطيّبة. بالعكس اشعر بالسرور كلما طالعت لك تعليقا على موضوع هنا أو هناك. على الأقل هذا يشعرني بان هناك من يهتم ويتفاعل مع ما يكتب.
أتمنى لك التوفيق في دراستك وان تحقق أعلى الدرجات والمراتب في حياتك الدراسية والعملية.
واسأل الله تعالى ان يحفظك ويسعدك أينما كنت.
مع خالص محبّتي وشكري لك.