سلسلة لوحات "الحرب" للرسّام الألماني أوتو ديكس (1891-1969) لا تُمجّد الحرب العالمية الأولى ولا تحتفي بالجنود الذين شاركوا فيها، بل تُظهر في خمسين صورة مزعجة الحقائق المروّعة التي عاشها شخص كان هناك. ديكس، الذي كان جنديّ مدفعية في خنادق الجبهة الشرقية للحرب، ركّز على تصوير آثار المعركة، كالجنود القتلى والمحتضرين والمصدومين من القصف، والطبيعة المدمَّرة والقبور.
وقد استعان الفنّان بوسائل الحفر والنقش المائي لإبراز التأثيرات العاطفية والواقعية لصوره المرعبة المرسومة بدقّة. وهذه المشاهد الكابوسية مستوحاة من ذكرياته عن المعارك ومن صور فوتوغرافية ومن سراديب الموتى. وبالنسبة لديكس، كانت هذه الرسومات بمثابة طرد أرواح شرّيرة.
وقد قام ناشره في برلين بتوزيع الصور في جميع أنحاء ألمانيا بالتعاون مع منظمة سلمية تُدعى "لن تعود الحرب أبدا". ومع أن ديكس نفسه شكّك في أن يكون لرسوماته أيّ تأثير على الحروب المستقبلية، إلا أن تلك الصور ما تزال تعامَل الى اليوم باعتبارها شهادة حيّة على مآسي الحرب، من منظور شخص عايشها وشارك فيها. هـ. فلتشر
❉ ❉ ❉
ربّما كانت فراشة هي التي دفعتني للتفكير بجدّية في علم الأحياء. كان ذلك في أوائل الربيع، وكنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمري. كنت أجلس في الحديقة عندما حلّقت فراشة صفراء ترتجف فوق السياج. استدارت وحامت ثم استقرّت للحظات وجيزة، لكن كافية لألاحظ عروقها والبقع الدقيقة على جناحيها. ومثلي تماما، كانت حيّة بوضوح، تستطيع الحركة والشعور والاستجابة، وبدت كما لو أن لها غرضاً وغاية. ووجدت نفسي أتساءل: ما معنى أن تكون حيّاً حقّاً؟ ب. نيرس
❉ ❉ ❉
ماتشو بيتشو! يا له من اسم يثير في النفس هالة من الغموض، سرّ تتناقله العصور. هنا في قلب جبال الأنديز، حيث تعانق الجبال السماء وتنسج الغيوم خيوطها الأثيرية، يقع هذا الملاذ الخفيّ، شاهدا على براعة حضارة منسية وعلى صمود الإنسان. إنه مكان يتشابك فيه الأرضي والروحاني وتُهمس أسرار الكون عبر الحجارة. هنا يشعر المرء بالتواضع ويتغيّر ويرتبط إلى ما لا نهاية برقصة الحياة الأبدية.
وعبر النسيج الأخضر، ينساب النهر المقدّس متعرّجا كشريان حياة يغذّي الأرض والأرواح التي تسكنها. في هذا المكان، يصبح الزمن سائلا وتتلاشى الحدود بين الماضي والحاضر. وأجد نفسي مرّة أخرى أتتبّع آثار الإنكا وطاقتهم المحسوسة في كلّ حجر وفي كلّ رمز منحوت يزيّن جدران الصروح المقدّسة. ر. غيلبكي
❉ ❉ ❉
يختلف مفهوم العقل الفارغ في الثقافات الآسيوية عن المفاهيم الغربية التي تشير الى نقص ما. فهو أقرب إلى مفهومنا عن الانفتاح الذهني الذي يوفّر وعيا واسعا يسمح للعالم الخارجي بالتدفّق بحرّية عبر حواسّنا. يقول ش. سوزوكي: في عقل المبتدئ هناك العديد من الاحتمالات. وفي عقل الخبير هناك القليل منها".
في الفلسفات الشرقية، يعني التمتّع بعقلِ مبتدئ الانفتاح على النموّ المستمر والفهم العميق، واستغلال المرء لكلّ لحظة من حياته، دون رغبة مفرطة أو كبرياء أو حكم متطرّف.
وعقل المبتدئ ليس عنيدا ولا ساعياً لسلطة ولا أنانيّاً. وكوننا مبتدئين يعني أن نعمل على تطوير مهاراتنا دون مقارنة أنفسنا بالآخرين أو السعي للتفوّق بأيّ شكل من الأشكال. وفي اليابان، يرتبط هذا أيضا بفكرة الكينكيو التي تعني تنمية التواضع وعدم الانغلاق على الذات.
والانغماس في اللحظة الراهنة لا يعني عدم التفكير في الماضي أو التخطيط للمستقبل بمسؤولية. الفكرة ببساطة هي ألا تدع نفسك تغرق في ندم الماضي أو قلق المستقبل. التخلّي يمنحنا الحرّية، والحرّية هي الشرط الوحيد للسعادة. تيت ن. هان
❉ ❉ ❉
ينبغي على المرء، مرّة في حياته، أن يركّز ذهنه على الأرض التي يتذكّرها. عليه أن يكرّس نفسه لمنظر طبيعي معيّن في تجربته، وأن ينظر إليه من زوايا مختلفة قدر الإمكان ويتأمّله ويمعن النظر فيه. عليه أن يتخيّل أنه يلمسه بيديه في كلّ فصل من فصول السنة، وأن ينصت إلى الأصوات التي تصدر عنه. عليه أن يتخيّل المخلوقات التي تعيش فيه، وكلّ حركة خفيفة للريح. عليه أن يسترجع وهج الظهيرة وكلّ ألوان الفجر والغسق. س. موماداي
❉ ❉ ❉
تُوجّه إليّ انتقادات كثيرة، لكنها تنقسم إلى ثلاث مجموعات: أنني محبّ للكتب، مع أن الشخص "المحبّ للكتب" هو من يقدّر قوّة العقل على قوّة الجسد. وأنني شخص تافه، مع أن الشخص "التافه" هو من يفضّل الجمال على المنفعة. وأنني شخص مغرور، مع أن الشخص "المغرور" هو من يرفض التنازل عن معتقداته مراعاةً للآخرين. ر. أكوتاغاوا
❉ ❉ ❉
يقدَّر عدد أنواع الأزهار التي ظهرت على الارض على مرّ ملايين السنين بحوالي نصف مليون نوع. وقد حاول بعض العلماء تفسير انجذاب البشر الى الأزهار فقالوا إن السبب قد يعود الى أنها تشبه الى حدّ ما الفاكهة، بينما عزا آخرون سبب جاذبيتها الى ألوانها المتناغمة ومنحنياتها الناعمة وأشكالها المتناظرة. وعلى مدى زمن طويل، خلع الناس على الازهار حمولات دينية وثقافية، وشُغل الفنّانون والشعراء من قديم برموزها الثريّة ومعانيها المتغيّرة. س. غوتسمان
❉ ❉ ❉
في الماضي، إذا كان لدى أحدهم سرّ لا يريد البوح به، هل تعرف ماذا كان يفعل؟ كان يصعد إلى جبل ويبحث عن شجرة ويصنع فيها حفرة ويهمس بالسرّ في تلك الحفرة. ثم يغطّيها بالطين ويترك السرّ هناك إلى الأبد. تشاو وان
❉ ❉ ❉
وأنا أغسل وجه أمّي، كنت أخبرها كم هي جميلة وكم هي شجاعة. وكيف أن جمالها وشجاعتها ما زالا يعيشان في أحفادها. ايلين فرانا
كلمة (manuscript) أي مخطوطة، مشتقّة من اللاتينية وتعني "مكتوب باليد". والكلمة تشير إلى المجهود اليدويّ الذي يبذله الكاتب في استنساخ النصوص. والمخطوطات تتضمّن عادةً أدلّة عن تاريخ التقنيات والأساليب المتّبعة في إعدادها، مثل تحضير الورق والحبر والألوان وأوراق الذهب والفراشي والأقلام وتخطيط الصفحات والرسوم والزخارف والتجليد وخلافه. في هذا الموضوع نتوقّف عند ثلاث مخطوطات تُعتبر بحقّ تحفاً فنّية عظيمة ونادرة. وما يميّزها أنها مخطوطات للمصحف الشريف. وسنشير إلى كلّ مخطوطة بالاسم الذي أصبحت تُعرف به في المتاحف والمزادات. الأولى هي مخطوطة المصحف التيموريّ، والثانية مخطوطة مصحف روزبيهان، والثالثة مخطوطة المصحف الفاطميّ. ومن الواضح أن أحد الأهداف من وراء إخراج هذه المصاحف النادرة بهذا الشكل هو استثارة ردّ فعل جماليّ في نفس وعين الناظر وإثراء التجربة الشعورية في الإمساك بالمصحف الشريف وتصفّحه. ولنبدأ أوّلا بالمصحف التيموريّ الذي بيع في المزاد مؤخّرا بمبلغ سبعة ملايين جنيه استرليني. هذا المصحف زُيّن بطريقة رائعة وكُتبت آياته على ورق ملوّن من زمن حكم سلالة مينغ الصينية. و...
كان جون سنغر سارجنت أشهر رسّام للبورتريه في زمانه. وقد رسم هذا البورتريه الاستثنائي في بدايات اشتغاله بالرسم. كان يتمنّى أن يكسبه الشهرة. وقد تحقّق له ذلك، لكن ليس بالطريقة التي كان يتصوّرها. تعرّف سارجنت إلى فيرجيني غوترو ، وهي سيّدة مجتمع مشهورة وجميلة وزوجة مصرفي فرنسي بارز. وظلّ يطاردها لسنتين كي توافق على طلبه بأن تكون الموديل لهذه اللوحة. واختار الرسّام طريقة وقوفها بعناية فرسمها في وضع جانبي بجسد زجاجي وبشرة عاجية. وعندما أتمّ اللوحة وعرضها في صالون باريس في العام 1884، أثارت ما يشبه الفضيحة. فقد صُدم الناس بمكياج المرأة الأبيض الشاحب. وصُدموا أكثر لأن احد شريطي فستانها، في اللوحة الأصلية، كان منحسرا عن كتفها، وهي علامة اعتبرت غير لائقة في ذلك الوقت. وقد دفع ذلك فرجيني إلى اعتزال المجتمع، بينما اضطرّ سارجنت إلى إعادة رسم شريط الكتف بعد أن انتهى المعرض. ثم غادر باريس بعد ذلك الصخب مباشرة. لكنّه كان يصرّ دائما على أن البورتريه كان أفضل لوحة رسمها. في ما بعد، أي في العام 1916، باع الرسّام اللوحة إلى متحف المتروبوليتان الذي ظلّت فيه إلى اليوم. هذه اللوحة، البرتقالية كثيرا، يمكن أن ...
في مكان ما من هذه المدوّنة، كانت هناك إشارة عارضة إلى القهوة في سياق الحديث عن النباتات العطرية. وأتذكّر أن قارئا قال وقتها إن رائحة القهوة هي من أجمل الروائح التي أودعها الله في الطبيعة. وأستطيع أن أقول إنني، مثل الكثيرين، متيّم بالقهوة رائحة ومذاقا. وأصبحت مع الأيّام خبيرا بنكهاتها وأنواعها ومذاقاتها التي تختلف باختلاف طبيعة المكوّنات والإضافات التي تُستخدم في صنعها. الفكرة التي تخطر في البال عند الحديث عن القهوة هي أنها فنّ. نعم، القهوة فنّ، لا اقلّ ولا أكثر. كما أنها أصبحت نوعا من أنماط الحياة التي لا يمكن الاستغناء عنها. واللافت للانتباه هو أن القهوة موجودة بالفعل في طعام الإنسان منذ أكثر من ألف عام. وهناك من يقول إنها المشروب الأكثر استهلاكا في العالم اليوم، كما أنها ثاني أكثر السلع تداولا بين البشر بعد البترول. وأعرف، بالمناسبة، زميلا لا يمكن أن يوقظه من نومه سوى شيئين: صوت فيروز ورائحة القهوة. طبعا معظمنا يحبّ فيروز ويطرب لسماعها، خاصّة في أوقات الصباح. وبالنسبة لي، اعتبر سماع أغنية لفيروز في الصباح خاصّة، بشير فأل وفاتحة خير. لكن لنبقَ في موضوع القهوة. قبل فترة قرأت خبرا يمكن ...