:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, July 05, 2006

جدّة .. غير

فرق شاسع بين جدّة هذه الأيّام وبين ما كانت عليه منتصف الثمانينات الميلادية عندما زرتها لأوّل مرّة.
في ذلك الوقت كانت جدّة من أرقى المدن، من حيث النظافة ومستوى الخدمات العامّة وحركة النهوض العمراني والحضاري.
اليوم ودون أيّة مبالغة، تحوّلت جدّة من عروس للبحر ورمز للنهوض والحداثة إلى مدينة متخلّفة في كلّ شئ.
وفي ما عدا بعض البنايات العالية وكم مركز تسويق، ليس هناك فرق بين جدّة وبين أيّة مدينة أفريقية متخلّفة.
فالبنية التحتية مهترئة والشوارع مكسّرة والخدمات بشكل عامّ في غاية السّوء، لدرجة أن المياه تنقطع عن بعض الأحياء لاسبوع أو أسبوعين.
أما الصّرف الصحي فحدّث عنه ولا حرج! إنه الهمّ الأكبر واللغز الأصعب الذي استغلق على الناس فهمه أو تفسيره.
وقد قرأت منذ بعض الوقت كلاماً في الصحف عن الأخطار الكامنة التي تتهدّد المدينة جرّاء تجميع مياه الصرف في ما يسمّيه الناس هنا تندّراً ببحيرة المسك.
ويمكن تبيّن حجم المخاوف التي تمثّلها تلك البحيرة على الناس والبيئة من خلال قراءة ما كتبه بعض أساتذة الجيولوجيا عندنا الذين لم يستبعدوا احتمال تعرّض المدينة لزلازل وهزّات أرضية نتيجة تفاعل الغازات والعناصر الكيميائية الناتجة عن تسرّب مياه الصرف إلى طبقات الأرض السفلى.
وقد سمعت بعض الأهالي يتحسّرون على ماضي جدة ويتذكّرون أيّامها الخوالي بكثير من مشاعر الفقد والحنين. وبعض هؤلاء يرجعون أسباب ما تعانيه مدينتهم من إهمال وتخلّف إلى استشراء الفساد المالي والإداري والتخبّط واللامبالاة وانعدام الرؤية المستقبلية.
ومنذ فترة ليست بالبعيدة قرأت مقابلة مع مهندس بريطاني متخصّص في تخطيط المدن قال فيها بالحرف الواحد: لو ُأعطيتُ فقط ُعشر مجموع الميزانيات التي خصّصت للصرف على تطوير جدّة طوال ثلاثين عاما لانشأتُ مدينة حديثة في كلّ شئ على غرار لندن بشوارعها ومتاحفها وطرقها وجسورها وخدماتها ومرافقها المتكاملة بما في ذلك قطار للاندرغراوند يخفّف الازدحام ويسهّل حركة الناس والمركبات.
انطباعي الشخصي عن جدّة هو أنها تحوّلت فعلا إلى فضيحة بل وصمة عار في جبين كلّ من يتقلّد مسئولية فيها. وقد لمست هذا الشعور أو قريباً منه عند الكثير من المواطنين والأجانب الذين يستغربون كيف أن شيئا في هذه المدينة لا يتقدّم إلى الأمام بل يتراجع إلى الخلف وباطّراد، حتى مع وجود كل هذه المبالغ الفلكية التي تخصّص سنويا لتطوير المدينة وتحسين الخدمات فيها ومع ذلك لا يلمس الناس أثرا لها وكأنّما ابتلعتها الثقوب السوداء.
ترى هل البيروقراطية بأمراضها وبلاويها الكثيرة هي السبب في تحوّل جدّة من عروس للبحر إلى عجوز كسيحة دميمة الملامح؟
وهل انعدم لدى المسئولين أيّ إحساس بالمواطنة أو الغيرة على البلد حتى انهم اصبحوا لا يخجلون من رؤية هذه الطرقات المكركبة أو شاحنات الصّرف الصحّي التي تكتظ بها الشوارع والساحات ناشرةً الازدحام والفوضى والروائح الكريهة في منظر غير حضاري يأنف منه كلّ صاحب شعور وطني ومخلص وصادق؟
نقلت شيئا من انطباعاتي هذه عن جدّة الى زميل قديم فقال معلقا: إمّا أن المسئولين لا يعلمون بأحوال جدة المتردّية وهذا مستحيل. وإمّا انهم يعلمون ويسكتون لانهم مقتنعون بعدم إمكانية تعديل الأوضاع. لكن الأمر المؤكّد هو انه في غياب أيّ قدر من المحاسبة والمساءلة سيستمرّ الحال على ما هو عليه.
وأضاف: تخيّل فقط لو أن كلّ مسئول أتى إلى منصبه عن طريق الانتخاب لا التعيين، ما الذي كان سيحدث؟ إن المسئول الذي يأتي بالانتخاب يدرك أن الضمانة الوحيدة للمحافظة على وظيفته هي إرضاء الناس والقيام على خدمتهم وإحداث التغيير الإيجابي المنشود في حياتهم. لانه إن لم يفعل ذلك فلن ينتخبوه في المرّة القادمة وسيفضّلون عليه من هو اكثر كفاءةً ونزاهة.
والمسئول الذي يأتي بالتعيين لا يهمّه رضا الناس عنه أو سخطهم، لانه يعلم أن الناس لا أهمية لها ولا دور في تعيينه وسيّان عنده إن رضوا أو زعلوا".
قلت: حسنا، الناس ليس لديها أوهام بشان الإصلاح الحقيقي. وما قلته ربّما يتحقّق بعد مائتي عام من اليوم. لكن المطلوب الآن خطط فورية لتصحيح أوضاع جدّة وترميم بناها التحتية وتحسين أداء المرافق والخدمات العامة التي طالها الإهمال والتسيّب والفساد.
إن حال جدّة اليوم لا يتناسب للأسف مع ما لهذه المدينة من مكانة باعتبارها البوّابة الرئيسية التي تطلّ منها المملكة العربية السعودية على العالم والعتبة الأولى التي يصلها العابرون باتجاه الأماكن المقدّسة بالإضافة طبعا إلى ما للمدينة من أهمّية اقتصادية وتجارية على الصعيدين المحلي والإقليمي.