خواطر في الأدب والفن


  • كان ايفان شيشكين (1832-1898) أحد أشهر رسّامي المناظر الطبيعية في روسيا. درس الرسم في مدرسة موسكو للنحت والرسم والعمارة، ثمّ في أكاديمية الفنون في سانت بطرسبورغ وتخرّج منها بمرتبة الشرف.
    وبعد ذلك حصل على منحة امبراطورية لمزيد من الدراسة في أوروبّا. وبعد خمس سنوات أصبح عضوا في الأكاديمية الملكية في بطرسبورغ وعمل أستاذا للرسم من عام 1873 إلى 1898.
    عاش شيشكين وعمل لبعض الوقت في سويسرا وألمانيا عندما كان في منحة دراسية. وعند عودته إلى بطرسبورغ أصبح عضوا في الجمعية الروسية للرسم بالألوان المائيّة.
    اعتمد أسلوبه في الرسم على الدراسات التحليلية للطبيعة. وأصبح مشهورا بمناظره التي تصوّر الغابات الروسية. لوحته "فوق" اسمها "أمطار في غابة السنديان"، وعمرها يقارب مائة وعشرين عاما. لكنّ فيها من الحيوية والعفوية ما لا يمكن أن تجده في الكثير من الأعمال الفنّية التي رُسمت في ذلك العصر.
    تنظر الى اللوحة فتتخيّل أنك هناك في الغابة، تتجوّل بهدوء وتنظر وتتأمّل. هذا هو الشعور الذي يجلبه شيشكين إلى لوحته. إذ يعطيك إحساسا قويّا بالاتجاه كما لو انه يأخذك من يدك ويقودك عبر الغابة المطرية.
    هذه الصورة هي أيضا عن المطر. وهناك إحساس بالألوان الزاهية وبالسماء الأكثر إشراقا. لكن هناك أيضا شعورا بأن اللون تمّ تخفيفه بفعل المطر.
    الفنّان في عمله يخلق شعورا حقيقيا بالعالم، حيث الطبيعة ليست خيّرة أو شرّيرة. كما انه يمنح الناظر انطباعا بأن السماء تمطر. وهو يقودك في السير على طريق. ومن السهل عليك بعدها أن تقتفى خطاه.
    كان شيشكين يُلقّب بـ "شاعر الغابات الملحمية الروسية" لإمساكه بمواسم الغابات وتعبيره عن أمزجة الطبيعة المتغيّرة. في إحدى لوحاته الأخرى بعنوان الصباح في غابة الصنوبر، رسم واحدا من الموتيفات المفضّلة لديه، وهي غابات الصنوبر الروسية الكثيفة، مضيفاً إلى أجوائها الحضور الرعويّ لعائلة من الدبَبَة.
    حقّق شيشكين نجاحا كبيرا في الرسم. وكان معلّما في معالجة الضوء والظلّ. وتمكّن من إعادة الطابع الوطنيّ للطبيعة الروسية كما لم يفعل رسّام آخر. وكانت لوحاته المليئة بالشمس والهواء تحظى بشعبية كبيرة في روسيا وأوربّا.
    ونظرة الرسّام إلى الطبيعة هي نظرة باحث وعالم في عصر الفلسفة الوضعية. والمعروف أنه أمضى طفولته وسط الغابات المعمّرة والأنهار المهيبة في مناطق الاورال والفولغا. وظلّ حبّه لهذه الأماكن ملازما له طوال حياته.
  • ❉ ❉ ❉



    ❉ ❉ ❉

  • جميع السلالم تؤدّي إلى أعلى وأسفل في نفس الوقت. وهي وسيلتنا للتحرّك إلى أماكن يتعذّر علينا الوصول إليها. أحيانا تكون السلالم أداة جيّدة للملاحظة وأحيانا تكون خطرة. والذي يصعد فوق سلّم يتعيّن عليه أن يكون متنبّها ونشطاً.
    إننا نطمح لأن نتحرّر من الجاذبية ومن الأرض. والبعض يريد الوصول إلى السماء والنجوم والهواء والأجزاء الخارجية لكوننا.
    طوال تاريخ الفنّ، كانت السلالم رمزا لتحقيق التفوّق. فنحن نتوق دائما لأن نرتفع، لأن نذهب إلى الأعماق ونصل إلى منظور مختلف. السماء والأرض لم تعودا موجودتين بالمفهوم القديم. فالأرض مستديرة. والكون نفسه ليست له مصاعد أو مهابط. إنه يتحرّك باستمرار. ولم يعد بإمكاننا إصلاح النجوم لخلق مكان مثالي. وهذه معضلة.
    إن من الطبيعي أن نبحث عن بداياتنا؛ عن المكان الذي أتينا منه في البداية. لكن لا يجب أن نفترض أن له اتجاها واحدا. نحن الآن نعيش في "مستقبل" علمي لم يستطع الفلاسفة والحكماء المبكّرون أن يتنبّئوا به، لكنهم فهموا جيّدا العلاقة الأساسية بين السماء والأرض التي نسيناها.
    الكتب القديمة تصف المراحل والاستعارات والرموز التي تطفو في كلّ مكان. الأمر أشبه ما يكون برحلة روحية نحو الإدراك والكمال. الشمال والشرق والجنوب والغرب والمرتفع والمنخفض ليست قضايا مكانية. هذه أشياء لها علاقة بالزمن. الماضي والحاضر والمستقبل هي في جوهرها رموز تتحرّك في جميع الاتجاهات.
    إننا لا نستطيع أن نهرب من الدِين. لكن هناك فرقا بين السماء والأرض. وأحدهما لا يقود إلى الآخر بالضرورة. هناك فنّانون كثر واجهوا مشاكل وهم في طريقهم إلى "الجنّة". وهناك فلاسفة أيضا، مثل ماركس وهيغل وماو وفاغنر واجهوا نفس المشاكل. كلّهم جميعا كانوا يبحثون عن مكانهم، عن جنّتهم، عن خلاصهم من خلال الفلسفة والفنّ والدِين.
    إن رقعة الرسم تمثّل فكرة الفنّان عن ارتباط السماء والأرض. الفنّان يعمل هنا لكنه ينظر إلى هناك، إلى فوق. وهو يتحرّك دائما بين العالَمَين. الفنّانون يشبهون السحرة القدامى الذين كانوا يمارسون التأمّل في شجرة كي يعلّقوا أنفسهم بين السماء والأرض. اللوحة يمكن أن تغيّر الواقع باقتراح رؤى جديدة. إذ يمكنك أن تقول إن الرؤيا تجد طريقها إلى العالم المادّي من خلال اللوحة.
    إنني أنظّم صوري ولوحاتي اعتمادا على مفهوم أن لا شيء ثابت في مكانه. الآلات الطائرة لعبت أدوارا مهمّة في التاريخ، وكانت تمثّل طموحات العلوّ والقوّة العسكرية منذ ايكيروس إلى عصر الصواريخ المسافرة للقمر.
    إن كلّ القصص عن السماء بدأت على الأرض. والسماء والأرض في لوحاتي مترادفتان. بعض اللوحات يمكنك أن تقلبها رأسا على عقب ومع ذلك ما تزال تحمل رسائلها، كما لو أن السماء والأرض تتبادلان هويّتيهما.
    عندما تحفر في الأرض قد تجد شيئا ما، ماءً، نيزكا مدفونا، جرماً من السماء. هذه الأنواع من الصور تعمل دائما بين الكون الكبير والكون الصغير. مجرّة درب التبّانة التي رُصدت منذ آلاف السنين كمجموعة كبيرة ومتمدّدة، هي في الحقيقة شيء صغير في الكون. إنها تشبه بركة صغيرة موحلة على الأرض.
    إن خلق سماء وأرض هي طريقة نحاول من خلالها أن نحدّد اتجاهاتنا. لكنّ الفضاء الكوني لا يفهم هذا. فكلّ شيء في هذا الكون نسبي. ما هو كبير يمكن في الحقيقة أن يكون صغيرا جدّا، وما هو أعلى يمكن أن يكون أسفل.
    العلماء وصفوا النجوم وأعطوها أسماءً وأرقاما، بل وربطوا فيما بينها بخطوط تشير إلى بعد النجم ولونه وحجمه وما الى ذلك. هذه هي السماء "العِلمية". لكنها بطبيعة الحال مجرّد وهم. كلّ المجرّات والأبراج هي أوهام وأشباح. إنها غير موجودة في الواقع المحسوس. الضوء الذي نراه اليوم انبعث منذ ملايين أو بلايين السنين. ومصادر الضوء ظلّت تتغيّر باستمرار وتتحرّك وتموت.
    هذه الأضواء التي نراها في السماء لا علاقة لها بواقعنا. نحن خائفون، لذا كان يتعيّن علينا أن نوجد معنى لهذا العالم. ولا نستطيع أن نتحمّل ألا يكون هناك سماء في عقولنا. لو أن هناك سماءً حقّا لوُجِدت خارج العلم والدِين.
    لذا فالعلماء يصنعون قبّة السماء الخاصّة بهم. يريدون أن يعثروا على سماء أيضا، لكن نجومهم دائما تتحرّك، ودائما تموت، وبعضها ينفجر مكوّنا نجوما جديدة.
    العلماء يشبِهون الفنّانين إلى حدّ كبير. نجومهم مثل تلك الأجزاء من الذاكرة التي تجد طريقها إلى لوحة. إنها تتوقّف فقط في اللحظة التي تثبّت عليها عينيك، ثم لا تلبث أن تغيّر المكان لترى بعد ذلك شيئا آخر مختلفا. آنسيلم كيفر

  • Credits
    suite101.com
    tretyakovgallery.ru

    المشاركات الشائعة من هذه المدونة

    مخطوطات قرآنية نادرة

    اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

    أساطير قديمة: العنقاء