يوميات ماليزية/2
وفي نهاية الرحلة التي تستغرق ساعتين عادة، كان بإمكاننا رؤية قوارب حرس السواحل وهي تجوب الشاطئ المواجه، فيما لاحت على البعد معالم جزيرة تايلندية وسط البحر.
وأهل لنكاوي ريفيون في الغالب ويتّسمون بالبساطة والطيبة والكرم. وأماكن الجذب السياحية هنا كثيرة ومتعدّدة، لكن أهمّها منطقة زوّدت بكافة المرافق والتسهيلات اللازمة، من بينها رحلة بالتليفريك (الكيبل كار) تأخذ السائح إلى قمّة الجبل ليطلّ من ذلك العلوّ الشاهق على المدينة وشواطئها وغاباتها وجبالها الخضراء.
وقد لاحظنا حرص الماليزيين الكبير على "بيع" بلدهم للعالم الخارجي والترويج لما يصنعونه من سلع وأعمال فنية ومصنوعات يدوية. وفي لنكاوي العديد من أماكن التسوّق التي تعرض احدث ما في السوق العالمية من سلع ومنتجات وابتكارات.
ولنكاوي تعني في لغة الملايو "النسر"، وهناك في وسط المدينة تمثال من البرونز لنسر ضخم يشرف على الميناء مرفرفا بجناحيه وموّجها بصره نحو الأفق الشمالي. وقد رأينا أثناء جولتنا البحرية بالقارب جزءا من الغابة اتّخذت منه النسور مكانا لأعشاشها وتكاثرها.
الملايو يشكّلون كما أسلفت غالبية سكّان لنكاوي، وهم بطبيعتهم محافظون، لكن هناك أقلية من الصينيين والهنود يعيشون بوئام ومحبّة مع الملاويين. ورغم التحذيرات التي سمعناها قبل قدومنا من مغبّة التعامل بثقة زائدة مع ذوي الأصول الصينية، فإننا لم نجد من هؤلاء سوى الصدق والأمانة والإخلاص.
وفي كافّة المحلات والمتاجر التي زرناها، سواءً في لنكاوي أو في غيرها من مدن ماليزيا، لاحظنا إقبال أصحاب تلك المتاجر والباعة العاملين فيها على القراءة والاطلاع. دخلنا إحدى المحلات وكانت البائعة منهمكة في قراءة كتاب "شفرة دافنشي".
ولما كنت قد قرأت هذا الكتاب من قبل، سألتها: هل فهمت منه شيئا؟ قالت: لغة الكتاب صعبة إلى حدّ ما، كما أن أحداثه غامضة ويظهر انه كُتب لفئة معيّنة من القرّاء".
كانت آخر محطّة لنا في لنكاوي محميّة الأفاعي التي تضمّ خليطا عجيبا من الحيّات والزواحف الخطرة التي يقوم على خدمتها عمّال مهرة يوفّرون لها البيئة الصالحة للعيش والتكاثر. وأكثر ما لفت أنظارنا هو ثعبان البايثون بضخامته وطوله المفزع وألوانه التي هي مزيج من الأسود والأبيض والرصاصي.
والبايثون كما علمنا لا يعضّ ولا يلدغ بل يلتفّ حول ضحيته، سواءً كان إنسانا أو حيوانا، ولا يتركه إلا بعد أن يسحق عظامه ويزهق أنفاسه قبل أن يبدأ في التهامه. والغابات الماليزية مليئة بمثل هذا النوع من الزواحف القاتلة. لكن البايثون الذي رأيناه كان من النوع المستأنس، ومع ذلك تردّدنا كثيرا قبل أن نتجرّأ على حمله ونطوّق به رقابنا والتقاط صور للذكرى.
وعرفنا أنه يأكل خمس دجاجات في الأسبوع تجلب إليه وهي حيّة!
❉ ❉ ❉
وانتهى الكاتب إلى أن على أهل الملايو أن يغيّروا أسلوب تفكيرهم وأن يتبنّوا التفكير النقدي الذي يبصّرهم بنقائصهم لكي يتغلّبوا على واقعهم ويؤسّسوا لأنفسهم وجودا في عالم المستقبل. وهذه الأيّام يثار الحديث مرّة أخرى عن ذلك الكتاب وعن الجدل الذي صاحبه. وقد دعا بعض الكتّاب إلى إعادة الاعتبار لمؤلّفه الذي اتهم وقتها بالتنكّر لقومه والإمعان في جلد الذات.
وقال بعض الكتّاب إن المؤلّف استخدم أسلوب جلد الذات لتنبيه أهل الملايو لكي يصحوا من غفلتهم ويغيّروا واقعهم ويلتمسوا لأنفسهم مكانا افضل يليق بثقافتهم وتاريخهم. اليوم وبعد ستّ وثلاثين سنة على نشر ذلك الكتاب، لا بدّ وأن الملاويين يشعرون بالكثير من الرضا والفخر بعد كل هذه التحوّلات السياسية والحضارية التي حقّقوها لبلدهم طوال العقود الثلاثة الماضية.
فهناك نخبة سياسية مستنيرة وواعية قادت البلاد باتجاه قدر معقول من الديمقراطية والحداثة وحافظت على وحدة البلد واستطاعت صوغ علاقات من الاخوّة والتسامح مع بقية الأطياف التي تشكّل النسيج الاجتماعي والإثني والثقافي لماليزيا.
كان بروز مهاتير محمّد أحد مظاهر التغيير الذي طرأ على العقلية الملاوية. كما أن رئيس الوزراء الحالي عبدالله بدوي هو أيضا أحد تجلّيات هذا التحوّل الكبير في حياة أهل الملايو. وقد تبنّى بدوي فور تولّيه منصبه برنامجا اسماه الإسلام الحضاري، أو Hadhari Islam)) كما يسمّونه هنا. والبرنامج يؤكّد على مبادئ محدّدة أهمّها التسامح والتنوّع والتعدّدية واستيعاب الآخر المختلف.
ومن تنكو عبدالرحمن أوّل رئيس للوزراء بعد الاستقلال (1957) إلى تون عبدالرزاق ومرورا بمهاتير وعبدالله بدوي، استطاع شعب الملايو بالتعاون مع القوميات الأخرى تحقيق ما يشبه المعجزة في هذا البلد الذي يضمّ مزيجا من الأجناس والأديان واللغات والتقاليد. وعاش الجميع ولقرون طويلة في مناخ معقول من التسامح والوفاق والابتعاد ما امكن عن التناحر والصراعات.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
في شارع فوكيت بيتالينغ المزدحم عادةً بالمارّة والمتسوّقين، خرج علينا من أحد المطاعم شابّ سوري مرحّبا، وأقسم علينا بتناول القهوة في مطعمه. وحكى لنا عن مشوار الغربة الطويل الذي قاده في البداية إلى بلدان أمريكا اللاتينية ثم إلى الشرق الأوسط مرةً أخرى، إلى أن حطّت به الرحال أخيرا في كوالالمبور التي بدأ فيها حياة جديدة. تناولنا القهوة عنده وحلفت عليه بأخذ الأجرة فوافق بعد تمنّع.
وفي مكان آخر من نفس الشارع التقينا شابّين يمنيين دعيانا لزيارة محلّ العطورات الذي يملكانه، فشكرناهما على كرمهما ووعدناهما بزيارة أخرى لم تتحقّق. ثم قابلنا في أحد محلات السوبرماركت شخصا أفغانيا لفتتنا أناقته الواضحة. قال انه يملك ذلك المحلّ وأنه يعيش في ماليزيا منذ خمسة عشر عاما. ثم فوجئت به ودون سابق إنذار يشنّ هجوما عنيفا على كرازاي واصفا إياه بالدمية والعنصري!
❉ ❉ ❉
صمت قليلا ثم قال: ولماذا نشعر بالغيرة؟ كلّ إنسان ميسّر لما خُلق له، وهم أناس اجتهدوا وعملوا وكافحوا واستحقّوا أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه. أنا لا أحسدهم على الإطلاق وان كنت أتمنى أن أحقّق بعض ما حقّقوه. ثم لا تنسَ أن ما أصابوه من نجاح انعكس إيجابا على تقدّم البلد وتنميته".
في المساء أخذَنا سائق صينيّ في جولة مسائية إلى المتحف الوطني والحيّ الصيني والمعبد البوذيّ الكبير في وسط العاصمة. ووجدتها فرصة لكي اسأله عن رأي الصينيين بأهل الملايو فقال: الغيرة موجودة وإن كانت حدّتها قد خفّت كثيرا عن السابق.
واضاف: على امتداد سنوات التعايش الطويل فيما بيننا، لم يكن هناك سوى نقطة توتّر وحيدة حدثت العام 1969م. في ذلك الوقت وتحت تأثير الشعور بالغبن عند بعض إخواننا من أهل الملايو، قامت جماعات منهم بمهاجمة محلات ومتاجر الصينيين في بعض المدن وأضرموا فيها النار.
وأسفرت تلك الأعمال في النهاية عن مقتل بضعة ألوف من الجانبين، بالإضافة إلى الخسائر والأضرار الأخرى التي طالت ممتلكات الصينيين. لكن الحكومة تمكّنت في ظرف يومين من تطويق النزاع واخماد الفتنة. ومنذ ذلك الحين والجميع يعيشون في سلام ووئام بفضل السياسة الحكيمة التي تتبعها الحكومة تجاه جميع الماليزيين.
❉ ❉ ❉
واقع الحال انهم ليسوا جميعا كذلك، وليس كلّ أهل الملايو فقراء. لكن معروف عن الصينيين منذ القدم شطارتهم في التجارة وعقليتهم الاقتصادية الفذّة. وقد اكتشف البحّارة الصينيون في حقب مبكّرة أن أهميّة ماليزيا لا تكمن في كونها نقطة عبور استراتيجية فحسب، وإنما في أهميّتها التجارية أيضا، فكانوا يبادلون بضائعهم مع الملاويين بالذهب والبخور والتوابل.
حدث هذا حتى في ذروة نشاط القراصنة في البحر الهندي وبحر الصين الجنوبي اللذين تقع على مفرقهما شبه جزيرة الملايو. وترسّخت العلاقات اكثر بين الصينيين واهل الملايو عندما تزوّج سلطان ملقا من أميرة صينية.
وهذه الأيّام لا تدخل فندقا أو مطعما أو متجرا يملكه الصينيون في كوالالمبور إلا وتلمح عند بوابته السجّاد الأحمر وأواني الزهور التي نُسّقت بعناية وثبّتت في أطرافها أشرطة زاهية من قماش أحمر زيّنت حوّافه برسومات وموتيفات صينية صفراء ومذهبّة.
حتى تماثيل الأسود الرابضة في الزوايا نالها شيء من هذه الديكورات المبهجة والمظاهر المترفة التي تدلّ على مدى الذوق والرهافة التي يتميّز بها الصينيون. سألنا عن المناسبة فقيل لنا: إنها سنة الديك! السنة الصينية الجديدة. والديك عند خبراء الفلسفة الطاويّة وعلم الفلك الصيني يرمز، ابتداءً، للمتاعب والعقبات. لكن الديك يعدك بحظّ أوفر في المال والجاه والوظيفة إذا أحسنت التعامل مع تلك المشاكل وتحلّيت بالحكمة وتجنّبت الحلول الارتجالية.
❉ ❉ ❉
لكن الشيخ اشعري أصرّ على مزاعمه ووجد له بعض الاتباع والمريدين في أوساط البسطاء والجهّال. فقرّرت السلطات وضعه رهن الاعتقال المنزلي إلى أن يتوب عن آرائه الغريبة. وقبل أيّام رفعت عنه السلطات العقوبة واتضح انه أصيب أثناء فترة عزله المنزلي بمرض عصبي أدّى في النهاية إلى شلّ لسانه عن الكلام.
الوحيد الذي كان يفهم إشارات الشيخ ويترجمها للصحافيين كان صديقه وناشر كتبه. وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده بعد مغادرته منزله لاوّل مرّة منذ سنوات، تجنّب الشيخ الحديث عن قصّة النبوّة واكتفى بالقول انه ألّف أثناء فترة اعتقاله المنزلي عددا من الكتب في الفقه والشرائع بالإضافة الى كتاب عن السونامي الذي كان غضبا من الله على معاصي البشر.
هذه التطوّرات في قضية الشيخ اشعري تزامنت مع نشر مقال مطوّل للأكاديمي الماليزي والباحث في مجال حقوق الإنسان فارس نور، رسم فيه صورة قاتمة لمستقبل ماليزيا بسبب تنامي وتيرة التعصّب الديني في البلاد.
