المشاركات

عرض المشاركات من 2008

خواطر في الأدب والفن

صورة
دالي واكتشاف أمريكا في إحدى مراحل حياته الفنّية، شعر سلفادور دالي بالملل من تكرار مواضيع لوحاته وقرّر أن الوقت قد حان لرسم لوحة تترجم مشاعره الوطنية وتتحدّث عن تاريخ بلده اسبانيا. وقد اختار لهذا اللوحة موضوعا غريبا بعض الشيء، وهو اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد أو القارّة الأمريكية. ومبعث الغرابة هو أن جنسية كولومبوس نفسه كانت وما تزال موضع جدل واسع. فبعض المؤرّخين يعتبرونه ايطاليّا. والبعض الآخر يذهبون إلى انه كان في الأصل اسبانيّا وأن عائلته نُفيت من اسبانيا في احد الأوقات واتخذت من ايطاليا وطنا جديدا. ومع ذلك يقال أن كولومبوس لم يكتب أبدا بالايطالية وأن كلّ كتاباته، بما فيها مذكّراته عن وقائع اكتشافه لأمريكا، كانت باللغة الاسبانية. دالي في اللوحة يرسم اكتشاف كولومبوس لـ أمريكا. وكولومبوس يحمل ملامح دالي نفسه ويظهر إلى يسار المنظر وهو يقود إحدى سفنه بعد رسوّها على شواطئ العالم الجديد، بينما يمسك في يده اليمنى بعصا تعلوها صورة ضخمة لزوجة دالي وملهمته غالا. وإلى يمين كولومبوس شخص يمسك بسارية. وإلى جانبه مباشرة، أي في الزاوية اليمنى إلى أسفل، شخص آخر يغطّي رأسه برداء...

محطّات

صورة
رحيل الفراشات dir="rtl" align="right"> الرسّام لا يحتاج فقط للمهارة الفنّية وإنما للثقافة وسعة الخيال أيضا. والثقافة لا تتأتّى إلا من خلال القراءة والملاحظة المستمرّة، كما في حالة الرسّام السوريالي الروسي فلاديمير كوش. يلزمك لفهم صور هذا الرسّام أن تكون على إلمام بالأساطير والفولكلور والأديان. ومن أجمل لوحاته واحدة بعنوان "رحيل السفينة المجنّحة". وهي تصوّر سفينة في وسط البحر تزيّن أشرعتها عدد من الفراشات الملوّنة بينما يقف على الشاطئ بضعة رجال منهمكين في صيد الفراشات. هذه اللوحة تثير في النفس شعورا بالبهجة والارتياح. فالرسّام يصوّر جمال العالم في عيني الإنسان عندما ينوي الرحيل إلى أماكن بعيدة ونائية. ولن يكتمل فهمك للصورة إلا عندما تفهم دلالة الفراشة في التراث وفي الثقافات العالمية. فصُوَر الفراشة في اليابان، مثلا، ترتبط بحفلات الزواج وهي كانت مصدر إلهام للعديد من الفنّانين هناك منذ مئات السنين. والفراشات مرتبطة أيضا بأفضل اللحظات في حياة الإنسان. ومن الأشياء التي قد لا يعرفها الكثيرون أن الفراشات، برغم كونها مخلوقات ضعيفة وسريعة العطب، ...

قراءة هادئة في مشهد عنيف

صورة
قد يكون من نافلة القول أن المنظر الذي تصوّره اللوحتان "فوق" مزعج وغير مريح بالمرّة. فالعنف فيهما واضح والقسوة صارخة بما لا يُحتمل. ويقال إن لوحة كارافاجيو هي اللوحة الأعنف في تاريخ الفن التشكيلي العالميّ. وكارافاجيو ايطالي وكذلك الرسّامة ارتيميشيا جينتيليسكي. ولوحتاهما هنا تعالجان موضوعا واحدا بطلته امرأة يهودية اسمها جوديث. وهي نموذج للمرأة التي تقتل العدوّ كي يحيا شعبها. وسلاحها في ذلك جمالها وجاذبيّتها الطاغية. والقصّة تعود إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، وقد ورد ذكرها في الإنجيل. وفي تفاصيلها أن الملك البابلي نبوخذ نصّر أرسل قائد جيشه هولوفيرنس على رأس كتيبة ضخمة لتأديب الشعوب المجاورة التي لم تساند حكمه. وقد فرض هولوفيرنس خلال تلك الحملة حصارا على أهالي مدينة تسمّى بيتوليا. ومن تلك المدينة خرجت جوديث التي ستقتل القائد البابلي وتنهي الحصار المفروض على قومها. وقد مُثّلت القصّة كثيرا في الفن، ورسمها ميكيل انجيلو في سقف كنيسة سيستين في ثلاثة مشاهد متسلسلة. وجوديث نموذج آخر لنساء يهوديات كثيرات فعلن شيئا مثل هذا. دليلة، مثلا، سلّمت شمشون الجبّار إل...

إيماءات بعيدة

صورة
"دون دليل أو ضوء غير تلك النار التي كانت تضطرم في أعماق قلبي قادتني النار إلى فوق كان لمعانها اشدّ من وهج شمس منتصف النهار وصلت إلى حيث كان ما يزال ينتظر كان مكانا لا يستطيع أحد آخر أن يبلغه".. مستحيل أن تسمع هذه الأغنية دون أن تؤثر فيك أو تحرّك مشاعرك أو تثير في نفسك بعض الأفكار والأسئلة. صوت لورينا ماكينيت مذهل، يأخذ الأنفاس، يصهر المشاعر ويتسلل إلى الزوايا العميقة والمعتمة من الروح. وهي سبق وأن غنت أشعارا لـ شكسبير و ييتس و تينيسون، لكنها في هذه الأغنية ترتفع بالشعر إلى أعلى الذرى من خلال الصور التي يستحضرها صوتها من توق، حنين، رهبة وإحساس غامض بالأزلية. كلمات أغنية ليل الروح المعتم The Dark Night of the Soul تعتمد على نصّ من قصيدة للشاعر الصوفي الاسباني القدّيس جون اوف ذي كروس الذي عاش في القرن السادس عشر الميلادي. إنها أغنية عن حبّ الإنسان لله، عن النقاء الروحي وعن التأمّلات والخطرات الصوفية. ورغم أن عنوان الأغنية يثير إحساسا بالانقباض والتشاؤم، فإن جوّها رومانسي إلى حدّ ما كما أن كلماتها توحي بأننا إزاء قصّة عشق أرضي. بل إن المقطع الأوّل من الأغنية يحتوي على صورة لا تخل...

باخ: موسيقى للإنسان/2

صورة
عندما سافر مكوك فويجر إلى الفضاء عام 1977، وضع العلماء على متنه صندوقا يحتوي على مجموعة من الأصوات والصور المختارة التي تمثّل ما يمكن اعتباره سجلّا عن أفضل ما أبدعته حضارة أهل الأرض. وكان في ذهن أولئك العلماء احتمال أن تعثر على الصندوق كائنات من الكواكب البعيدة فتتعرّف على حضارة كوكبنا وتطّلع على أفضل ما توصّل إليه سكّان الأرض من معارف وإبداعات وابتكارات. وكانت أوّل قطعة صوتية اُختيرت هي الحركة الثانية من تنويعات براندنبيرغ ، أحد أشهر مؤلّفات باخ، والتي استُخدمت في ما بعد في العديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية أشهرها سلسلة X-Files أو الملفات السرّية. وفي عام 1950، أنجز عازف البيانو غلين غولد تسجيله المشهور لـ تنويعات براندنبيرغ فتضاعف نجاحه واشتهر أكثر. ولم يكن الناس وقتها مندهشين من براعة العازف الكندي، بل من موسيقى باخ التي لم يكن الكثيرون قد سمعوا بها من قبل. وقد تحدّث المهتمّون بالموسيقى مطوّلا عن الأنماط الرياضية المتضمّنة في هذه التنويعات وعن المتعة الفكرية فيها وتأثيرها الانفعالي الكبير وكأنها تتحدّث إلى أرواحنا. ويقال إن التنويعات تعكس معرفة باخ الواسعة وا...

باخ: موسيقى للإنسان/1

صورة
يمكن أن يكون أفضل مدخل للحديث عن يوهان سيباستيان باخ ومحاولة استكشاف عالمه الموسيقي الثري هو الحديث عن البورتريه الذي رسمه له "إي جي هاوسمان" قبل سنوات قليلة من وفاة الموسيقي، أي قبل أكثر من مائتين وخمسين عاما. في البورتريه، يظهر باخ بهيئة رجل مُسنّ يرتدي باروكة شعر بيضاء ضخمة ويمسك بيده نوتة موسيقية. في ذلك الزمان كانت الباروكة مهمّة لأيّ شخص قريب من البلاط. وباخ عاش في القرن الثامن عشر، أي في حقبة ازدهار طبقة الملوك والنبلاء في أوربّا، عندما كانت الأدوار الاجتماعية محدّدة بصرامة والمكانة الاجتماعية للشخص تفرض عليه ما يجب وما لا يجب فعله. هذا هو البورتريه الذي يعرفه أكثر الناس لـ باخ، وفيه يبدو وقورا وجادّا. والذي يتمعّن قليلا في الصورة سيدرك أننا أمام شخصية خاصّة ومتميّزة. لكن المفارقة، بحسب بعض النقّاد، هي أن هذا البورتريه أصبح عاملا أسهم بطريقة غير منصفة في إبعاد أجيال عديدة من الموسيقيين الشباب عن باخ وعن موسيقاه. وهناك عامل آخر لا يقلّ أهميّة كان له نفس التأثير، ويتمثّل في حقيقة أن باخ لم يغادر ألمانيا أبدا، وكانت حياته الشخصية والعائلية هادئة ومستقرّة، بل ...

الفصول الأربعة

صورة
لو كان انتونيو فيفالدي ما يزال حيّا لكان عمره اليوم 330 عاما. ورغم أن هذا مجرّد افتراض بعيد الوقوع، فإن الأمر المؤكد هو أن فيفالدي ما يزال حيّا بالفعل من خلال موسيقى كونشيرتو الفصول الأربعة الذي ما يزال يعزف إلى اليوم ويستمتع به الناس ويتحدّثون عنه بعد كلّ هذه السنوات الطويلة. وهناك شبه إجماع في أوساط المهتمّين بالموسيقى بأن هذا الكونشيرتو الذي كتبه فيفالدي وعمره لا يتجاوز الخامسة والعشرين هو أشهر عمل موسيقي كلاسيكي، بل وأكثر الأعمال الموسيقية رواجا وشعبية على مرّ العصور. انه حتى أكثر شعبية وانتشارا من السيمفونية الخامسة لـ بيتهوفن أو السيمفونية الأربعين لـ موزارت أو موسيقى الماء لـ هاندل ومن وترية بــاخ ومن كارمن لـ جورج بيزيه ومن كونشيرتو البيانو لـ تشايكوفسكي ومن مارش كلارك ومن تأمّل شومان الصامت ومن شهرزاد كورساكوف .. لكن كيف تحقق ذلك؟ كيف أمكن لبضع نوتات موسيقية كتبت على ورقة صغيرة قبل ثلاثة قرون أن تعيش طوال هذه السنوات بل وأن تصبح برأي بعض النقاد احد أشهر معالم الألفية الماضية دون أن يخفت بريقها أو يخبو سحرها أو يتوقف الناس عن سماعها. قد يكون احد الأسباب – بالإضافة طب...

نافذة على عالم ماغريت – 4 من 4

صورة
كان رينيه ماغريت، من بين كافّة الرسّامين السورياليين، ينفرد بكونه الوحيد الذي كان يرسم بواقعية ويوظف في أعماله أشكالا وأشياءً من صميم الحياة قبل أن يضعها في سياقات غريبة وغير مألوفة. وعندما نتأمّل عالمه عن قرب والأفكار الفلسفية التي يبثّها في لوحاته سرعان ما نتذكّر بعض التصوّرات التي تنهض عليها الفلسفة البوذية. تفترض البوذية مثلا أن النفس الإنسانية سجينة لنزواتها ورغباتها وما يطرأ عليها من مشاعر سلبية كالكراهية والكبر والغرور وحبّ الأنا والأثرة. هذه المشاعر من شانها أن تقيّد معرفة الإنسان وتحدّ من قدرته على التعرّف على الطبيعة الحقيقية للأشياء وللعالم من حوله. وهذا الجهل سبب أساسي للمعاناة والألم. وهنا يثور سؤال: هل قرأ ماغريت شيئا عن البوذية؟ وهل كان متأثرا ببعض تصوّراتها التي تركّز على أسرار العقل وحالات الذهن بالإضافة إلى قولها بعدم إمكانية تجزئة العالم وإنما النظر إليه باعتباره كلا واحدا لا يتجزّأ؟ إن في مضامين بعض لوحات ماغريت ما يمكن أن يشي بوجود علاقة ما. وليس من المستغرب أن بعض منظري البوذية ورموزها المعاصرين كثيرا ما يتوقفون عند لوحتيه "خيانة الصور" و "المرآة...

نافذة على عالم ماغريت – 3 من 4

صورة
اثر اندلاع الحرب العالمية الأولى، عمّ الناس شعور بالخوف واليأس جرّاء اكتشافهم بأن العالم مكان غير آمن وأبعد ما يكون عن الكمال الذي كانوا يتصوّرونه. وفي ظل هذا المناخ المشوّش والسوداوي ظهرت السوريالية. وكان روّادها الأوائل يجاهرون بأن هدفهم هو تغيير الواقع من خلال إطاحة النظام القديم واستنباط قيم وأخلاقيات جديدة يستعيد من خلالها الإنسان قواه الروحية الأصيلة التي تضمن له الحرّية والخلاص من القيود التي تكبّله وتعيق تطوّره. وكان اندريه بريتون، مؤسّس السوريالية ومنظّرها الأوّل، يرى أن بنية عقل الإنسان تعكس بطريقة ما عقل الكون نفسه، وأن عالم اللاوعي هو الذي يشكّل الطبيعة الحقيقية للإنسان لأنه النقطة التي لا تتناقض عندها الحياة مع الموت ولا الخير مع الشرّ ولا العدل مع الظلم ولا الماضي مع المستقبل ولا الواقع مع الخيال ولا الحقيقة مع الزيف.. إلى آخره. ولهذا السبب كان بعض السورياليين لا يخفون تعاطفهم، بل وإعجابهم أحيانا، بالمجرمين والخارجين على القانون لأنهم برأيهم أشخاص أذكياء وجريئون و"مبدعون" في انتهاك القوانين والأعراف المتوارثة. بل إن بريتون نفسه لم يكن يرى في الإنسان المجنون مج...

نافذة على عالم ماغريت – 2 من 4

صورة
يقال أن ماغريت لم يكن يختلف كثيرا عن شخصيات لوحاته. فقد كان شديد الاهتمام بمظهره حريصا دائما على ضبط أفعاله وتصرّفاته الشخصية. ويبدو أن حبّه لباريس وأضوائها وصخبها لم ينسِه حبّه الأول لبلده بلجيكا التي كان يرى أنها اهدأ من باريس وأكثر تواضعا. وقد عرف عنه نفوره من أسلوب حياة زملائه السورياليين الذين كان أكثرهم منغمسا في حياة الترف والمجون. وفي ما بعد تطوّر الأمر بينه وبينهم إلى قطيعة شبه كاملة عندما رأوا في لوحاته خروجا على النسَق الذي ميّزوا به أنفسهم. وعلى الجانب الشخصي كان ماغريت حريصا على أن تبقى حياته العائلية طيّ الكتمان. كما كان وفيّا لزوجته جيورجيت بيرجيه التي ظلّ معها 45 عاما والى حين وفاته. ويقال انه تأثّر في بداياته بالرسّام الميتافيزيقي دي تشيريكو Giorgio de Chirico وخاصّة لوحته المشهورة أغنية الحب The Song of Love التي كان ماغريت يرى فيها نموذجا لسموّ الشعر وتفوّقه على الرسم. ولا بدّ وأن روح بلدته طبعت فنّه وأضفت عليه تلك المسحة من الغموض التي تميّز لوحاته. فقد ولد ماغريت في بلدة بلجيكية عُرف عنها سماؤها المعتمة وأجواؤها الضبابية الباردة. ولأن السماء عنده تمثل المطلق ...

نافذة على عالم ماغريت – 1 من 4

صورة
على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على وفاته، ما يزال يُنظر إلى رينيه ماغريت باعتباره احد أكثر رسّامي القرن العشرين نفوذا وتأثيرا وبوصفه جزءا لا يتجزّأ من المشهد الثقافي لعصر ما بعد الحداثة. وفي السنوات الأخيرة اكتسبت لوحاته اهتماما متزايدا من الناس والنقاد على حدّ سواء وأصبح بعضها ايقونات وعناصر ثابتة في الثقافة الشعبية ووسائطها المختلفة. في الموسيقى، تروق مناظر ماغريت كثيرا لمطربي البوب الذين يزيّنون بها أغلفة موسيقاهم. وفي السينما، ظهرت لوحته المشهورة ابن الإنسان التي تصوّر رجلا تحجب وجهه تفاحة خضراء في أكثر من فيلم سينمائي. ووظفت لوحته الأخرى إمبراطورية النور في تصميم الملصق الدعائي للفيلم المشهور The Exorcist أو طارد الأرواح. وفي احد الأوقات ألف ميشيل فوكو، الفيلسوف والناقد الفرنسي، كتابا استوحى عنوانه من لوحة ماغريت "خيانة الصور: هذا ليس غليونا" ناقش فيه دلالات وإسقاطات اللوحة من منظور لغوي وتاريخي وابستيمولوجي وبصري. وحتى وقت قريب كانت الخطوط الجوية البلجيكية "سابينا" تضع لوحته المسمّاة طائر السماء Sky Bird شعارا لطائراتها. ولزمن طويل ظلت الطبيعة الغا...