باخ: موسيقى للإنسان/1
يمكن أن يكون أفضل مدخل للحديث عن يوهان سيباستيان باخ ومحاولة استكشاف عالمه الموسيقي الثري هو الحديث عن البورتريه الذي رسمه له "إي جي هاوسمان" قبل سنوات قليلة من وفاة الموسيقي، أي قبل أكثر من مائتين وخمسين عاما.
في البورتريه، يظهر باخ بهيئة رجل مُسنّ يرتدي باروكة شعر بيضاء ضخمة ويمسك بيده نوتة موسيقية. في ذلك الزمان كانت الباروكة مهمّة لأيّ شخص قريب من البلاط. وباخ عاش في القرن الثامن عشر، أي في حقبة ازدهار طبقة الملوك والنبلاء في أوربّا، عندما كانت الأدوار الاجتماعية محدّدة بصرامة والمكانة الاجتماعية للشخص تفرض عليه ما يجب وما لا يجب فعله.
هذا هو البورتريه الذي يعرفه أكثر الناس لـ باخ، وفيه يبدو وقورا وجادّا. والذي يتمعّن قليلا في الصورة سيدرك أننا أمام شخصية خاصّة ومتميّزة. لكن المفارقة، بحسب بعض النقّاد، هي أن هذا البورتريه أصبح عاملا أسهم بطريقة غير منصفة في إبعاد أجيال عديدة من الموسيقيين الشباب عن باخ وعن موسيقاه.
وهناك عامل آخر لا يقلّ أهميّة كان له نفس التأثير، ويتمثّل في حقيقة أن باخ لم يغادر ألمانيا أبدا، وكانت حياته الشخصية والعائلية هادئة ومستقرّة، بل ورتيبة إلى حدّ ما ولم يكن فيها ما يثير اهتمام الناس أو فضولهم.
لكن من ينظر إلى هذا البورتريه محاولا قراءته من منظور ما تثيره موسيقى باخ في النفس من مشاعر وانطباعات، فإن باخ سيبدو له إنسانا طيّب النفس وسمحا ومتواضعا في غير ما تكلّف أو تصنّع. كما يبدو موفور الحواسّ ومشغول المخيّلة ودائم التطلّع إلى المثالية والكمال. انه واقف بوقار كما لو انه في محراب للصلاة.
ورغم ما تكشف عنه تعابيره من هواجس رمادية مردّها، ربّما، التقدّم في العمر والتفكير في ما تخبّؤه الأيام، فإنه ما يزال ذا نفَس إنساني رحب وإحساس متيقّظ ونفس صافية حدّ التجرّد والتصوّف.
لم تكن لـ باخ جاذبية موزارت الذي كتب نشيده الجنائزي وهو على سرير الموت، ما أدّى إلى ازدياد شعبيته وجماهيريته. كما لم تكن له رومانسية بيتهوفن الذي ازداد تعاطف الناس معه أكثر بعد أن أُصيب بالصمم.
لكن هذا "الظلم" أو التجاهل خدم باخ كثيرا، لأنه يوحي بأن شعبيته نابعة من عبقريته الموسيقية فحسب، وليست مرتبطة بأيّ أسباب أخرى تتعلّق بشخصه أو بحياته الخاصّة.
وهناك بورتريه آخر لـ باخ أقلّ شهرة ويظهر فيه شابّا وسيما ومفعما بحبّ الحياة. رسم البورتريه يوهان رينتش عندما كان باخ في سنّ الثلاثين أو نحوها، أي في الفترة التي ألّف خلالها أكثر أعماله الموسيقية شعبيةً، مثل كونشيرتوهات راندنبيرغ ومجموعة سوناتات التشيللو والكمان.
موسيقى باخ عبارة عن سلسلة من التأمّلات التي تأخذنا من إحساس لآخر. وأنت تستمع لها يساورك شعور بأنها تأخذك إلى أماكن لم تزُرها أو تألفها من قبل. ويقال إن من يسمعه لبضعة أيّام سرعان ما يتعوّد عليه ويدمن سماعه. ومهما استمعت إليه فلن تتعب أو تملّ من موسيقاه، بل ستحبّها أكثر وتسعى إلى استكشافها بقيّة حياتك.
في البورتريه، يظهر باخ بهيئة رجل مُسنّ يرتدي باروكة شعر بيضاء ضخمة ويمسك بيده نوتة موسيقية. في ذلك الزمان كانت الباروكة مهمّة لأيّ شخص قريب من البلاط. وباخ عاش في القرن الثامن عشر، أي في حقبة ازدهار طبقة الملوك والنبلاء في أوربّا، عندما كانت الأدوار الاجتماعية محدّدة بصرامة والمكانة الاجتماعية للشخص تفرض عليه ما يجب وما لا يجب فعله.
هذا هو البورتريه الذي يعرفه أكثر الناس لـ باخ، وفيه يبدو وقورا وجادّا. والذي يتمعّن قليلا في الصورة سيدرك أننا أمام شخصية خاصّة ومتميّزة. لكن المفارقة، بحسب بعض النقّاد، هي أن هذا البورتريه أصبح عاملا أسهم بطريقة غير منصفة في إبعاد أجيال عديدة من الموسيقيين الشباب عن باخ وعن موسيقاه.
وهناك عامل آخر لا يقلّ أهميّة كان له نفس التأثير، ويتمثّل في حقيقة أن باخ لم يغادر ألمانيا أبدا، وكانت حياته الشخصية والعائلية هادئة ومستقرّة، بل ورتيبة إلى حدّ ما ولم يكن فيها ما يثير اهتمام الناس أو فضولهم.
لكن من ينظر إلى هذا البورتريه محاولا قراءته من منظور ما تثيره موسيقى باخ في النفس من مشاعر وانطباعات، فإن باخ سيبدو له إنسانا طيّب النفس وسمحا ومتواضعا في غير ما تكلّف أو تصنّع. كما يبدو موفور الحواسّ ومشغول المخيّلة ودائم التطلّع إلى المثالية والكمال. انه واقف بوقار كما لو انه في محراب للصلاة.
ورغم ما تكشف عنه تعابيره من هواجس رمادية مردّها، ربّما، التقدّم في العمر والتفكير في ما تخبّؤه الأيام، فإنه ما يزال ذا نفَس إنساني رحب وإحساس متيقّظ ونفس صافية حدّ التجرّد والتصوّف.
لم تكن لـ باخ جاذبية موزارت الذي كتب نشيده الجنائزي وهو على سرير الموت، ما أدّى إلى ازدياد شعبيته وجماهيريته. كما لم تكن له رومانسية بيتهوفن الذي ازداد تعاطف الناس معه أكثر بعد أن أُصيب بالصمم.
لكن هذا "الظلم" أو التجاهل خدم باخ كثيرا، لأنه يوحي بأن شعبيته نابعة من عبقريته الموسيقية فحسب، وليست مرتبطة بأيّ أسباب أخرى تتعلّق بشخصه أو بحياته الخاصّة.
وهناك بورتريه آخر لـ باخ أقلّ شهرة ويظهر فيه شابّا وسيما ومفعما بحبّ الحياة. رسم البورتريه يوهان رينتش عندما كان باخ في سنّ الثلاثين أو نحوها، أي في الفترة التي ألّف خلالها أكثر أعماله الموسيقية شعبيةً، مثل كونشيرتوهات راندنبيرغ ومجموعة سوناتات التشيللو والكمان.
موسيقى باخ عبارة عن سلسلة من التأمّلات التي تأخذنا من إحساس لآخر. وأنت تستمع لها يساورك شعور بأنها تأخذك إلى أماكن لم تزُرها أو تألفها من قبل. ويقال إن من يسمعه لبضعة أيّام سرعان ما يتعوّد عليه ويدمن سماعه. ومهما استمعت إليه فلن تتعب أو تملّ من موسيقاه، بل ستحبّها أكثر وتسعى إلى استكشافها بقيّة حياتك.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
وهذه الموسيقى ليست للترفيه أو التسلية بالمعنى التقليدي. إنها تنعش العقل بتأثيرها الطهراني وتدفعك لان تفكّر في الأسس والبدايات. إنها معنية أولا بالتطوّر الجمالي وبالغوص في أعماق التجربة الإنسانية. ومجالها الذي تتحرّك ضمنه هو العواطف الإنسانية على إطلاقها من حياة وحبّ وتضحية وتوق وخلود وموت ونحو ذلك.
المعروف أن باخ كان من أتباع مارتن لوثر. وكانت أفكاره متساوقة مع أفكار لوثر عن الدين والموسيقى. صحيح أن باخ كان مسيحيا تقيّاً وأنه بدأ حياته كموسيقيّ في الكنيسة. لكن ليس شرطا أن تكون إنسانا متديّنا حتى تحرّك موسيقى باخ مشاعرك وتترك في نفسك أثرا. فجاذبيته الموسيقية تتجاوز حدود الأديان والثقافات والجغرافيا. وباخ نفسه لم يكن يقيم فاصلا بين الموسيقى الدينية والدنيوية.
كان يرى أن الموسيقى نوع من الممارسة الروحية. ورغم أن المستمع أو العازف قد لا يشاركه قناعاته الدينية، فإن من الصعب أن تستمع إلى موسيقاه دون أن يعتريك إحساس قويّ بأنك مدعوّ لأن تغيّر من حياتك وتتطهّر من التوتّرات والمخاوف وتحصّن نفسك ضدّ الملل والكآبة وتتسلّح بالتفاؤل والأمل.
والدراما جزء لا ينفصل عن موسيقى باخ، ولا تخلو حتى المقاطع الصغيرة من هذه السمة. كما أن موسيقاه مليئة بالجمل المتداخلة والمعقّدة. وكلّما اعتدت سماع الموسيقى استطعتَ التمييز أكثر فأكثر بين السطور والمقاطع.
وباخ كثيرا ما يترك في موسيقاه لمحات أو إشارات في بداية كلّ معزوفة تخبرك أين وكيف ستنتهي هذه المعزوفة أو تلك. وغالبا ما تبدأ الموسيقى بحركة بطيئة جدّا، ثم يتنامى الإيقاع بهدوء وسلاسة، إلى أن يتحوّل إلى موسيقى ممتعة ومبهجة.
ومعظم أعماله تستدعي التأمّل، لكنها لا تدعوك إلى الاسترخاء أو الراحة، بل تحفّزك لأن تشارك فيها وتكون جزءا من جوّها.
كان باخ شخصية لامعة مملوءة بالحماس والنشاط. وهناك من يقول إن مكانته في الموسيقى لا تقلّ عن مكانة نيوتن في العلم أو شكسبير في الأدب. وقد أحسّ بحزن عميق عندما توفّيت زوجته وعدد من أطفاله. ولم يجد السلوان إلا بعد أن تزوّج آنا ماغدالينا التي أنجبت له 12 طفلا.
ومن أجمل معزوفاته القطعة المسمّاة موسيقى للفرح والتي كتبها بشكل عابر وأهداها لـ ماغدالينا. وأصبحت منذ ذلك الوقت أشهر معزوفة موسيقية تُعزف في حفلات الزواج حول العالم وتحوّلت إلى أغنية على لسان أكثر من مغنّ.
في هذه الموسيقى يتجلّى شيء من عبقرية باخ وصيغه الموسيقية ذات البُنى الرياضية المركّبة. تبدأ الموسيقى بخط رئيسي يتّسع شيئا فشيئا ثم يلتحم تدريجيا ليندمج مع الخطوط الأخرى، مولّدا في النهاية كيانا نغميّا متكاملا له حياة وروح.
وموسيقى باخ تشبه في تأثيرها الأكسجين. تسمعها فتحسّ أن القلب يغنّي والروح في حالة انتشاء. كما أنها تبعث إحساسا بالنظام وبعالم اقلّ شكّاً وأكثر يقينا. وهذه الموسيقى تصبح أكثر أهميّة عندما يكون هناك الكثير من الفوضى والاضطراب في عالمنا. ولهذا السبب تروق جاذبية موسيقى باخ كثيرا للفنّانين والعازفين المعاصرين.
المعروف أن باخ كان من أتباع مارتن لوثر. وكانت أفكاره متساوقة مع أفكار لوثر عن الدين والموسيقى. صحيح أن باخ كان مسيحيا تقيّاً وأنه بدأ حياته كموسيقيّ في الكنيسة. لكن ليس شرطا أن تكون إنسانا متديّنا حتى تحرّك موسيقى باخ مشاعرك وتترك في نفسك أثرا. فجاذبيته الموسيقية تتجاوز حدود الأديان والثقافات والجغرافيا. وباخ نفسه لم يكن يقيم فاصلا بين الموسيقى الدينية والدنيوية.
كان يرى أن الموسيقى نوع من الممارسة الروحية. ورغم أن المستمع أو العازف قد لا يشاركه قناعاته الدينية، فإن من الصعب أن تستمع إلى موسيقاه دون أن يعتريك إحساس قويّ بأنك مدعوّ لأن تغيّر من حياتك وتتطهّر من التوتّرات والمخاوف وتحصّن نفسك ضدّ الملل والكآبة وتتسلّح بالتفاؤل والأمل.
والدراما جزء لا ينفصل عن موسيقى باخ، ولا تخلو حتى المقاطع الصغيرة من هذه السمة. كما أن موسيقاه مليئة بالجمل المتداخلة والمعقّدة. وكلّما اعتدت سماع الموسيقى استطعتَ التمييز أكثر فأكثر بين السطور والمقاطع.
وباخ كثيرا ما يترك في موسيقاه لمحات أو إشارات في بداية كلّ معزوفة تخبرك أين وكيف ستنتهي هذه المعزوفة أو تلك. وغالبا ما تبدأ الموسيقى بحركة بطيئة جدّا، ثم يتنامى الإيقاع بهدوء وسلاسة، إلى أن يتحوّل إلى موسيقى ممتعة ومبهجة.
ومعظم أعماله تستدعي التأمّل، لكنها لا تدعوك إلى الاسترخاء أو الراحة، بل تحفّزك لأن تشارك فيها وتكون جزءا من جوّها.
كان باخ شخصية لامعة مملوءة بالحماس والنشاط. وهناك من يقول إن مكانته في الموسيقى لا تقلّ عن مكانة نيوتن في العلم أو شكسبير في الأدب. وقد أحسّ بحزن عميق عندما توفّيت زوجته وعدد من أطفاله. ولم يجد السلوان إلا بعد أن تزوّج آنا ماغدالينا التي أنجبت له 12 طفلا.
ومن أجمل معزوفاته القطعة المسمّاة موسيقى للفرح والتي كتبها بشكل عابر وأهداها لـ ماغدالينا. وأصبحت منذ ذلك الوقت أشهر معزوفة موسيقية تُعزف في حفلات الزواج حول العالم وتحوّلت إلى أغنية على لسان أكثر من مغنّ.
في هذه الموسيقى يتجلّى شيء من عبقرية باخ وصيغه الموسيقية ذات البُنى الرياضية المركّبة. تبدأ الموسيقى بخط رئيسي يتّسع شيئا فشيئا ثم يلتحم تدريجيا ليندمج مع الخطوط الأخرى، مولّدا في النهاية كيانا نغميّا متكاملا له حياة وروح.
وموسيقى باخ تشبه في تأثيرها الأكسجين. تسمعها فتحسّ أن القلب يغنّي والروح في حالة انتشاء. كما أنها تبعث إحساسا بالنظام وبعالم اقلّ شكّاً وأكثر يقينا. وهذه الموسيقى تصبح أكثر أهميّة عندما يكون هناك الكثير من الفوضى والاضطراب في عالمنا. ولهذا السبب تروق جاذبية موسيقى باخ كثيرا للفنّانين والعازفين المعاصرين.
