المشاركات

عرض المشاركات من فبراير 22, 2026

خواطر في الأدب والفن

صورة
بحسب عبد السلام غاسينوف، عند الحديث عن تولستوي المفكّر وإرثه الفلسفي، يجب مراعاة أمر هام. فلم يكن الرجل فيلسوفا بالمعنى السائد اليوم، ولم يكن جزءا من تلك البيئة التي سكنها "المشرّعون"، مثل أفلاطون وأرسطو وتوما الأكويني وديكارت وهيغل وراسل وهايديغر. كانت بيئته مختلفة، إذ ضمّت كونفوشيوس ولاو تزو وبوذا والسيّد المسيح ومحمّد (ص) وفرانسيس الأسيزي ولوثر وثورو. هؤلاء هم الذين، بتعاليمهم ونشاطهم، قدّموا فهما جديدا للحياة. وبصفته ناقدا لكلّ أشكال الوثنية وفاضحاً لا يكلّ ولا يملّ لأكاذيب المجتمع، اقترحَ تولستوي أنه بدلا من "مملكة الإنسان"، ينبغي لنا أن نسعى إلى تحقيق "مملكة الربّ". وفي ملاحمه السردية، يبدو أن القدَر هو من يوجّه مجرى الأحداث وحياة الأبطال. فالحقيقة لا تحتاج إلى اختراع، بل إلى إعادة اكتشاف. وبأسلوب تعليمي يكشف لنا تولستوي الطريق الذي يجب أن نسلكه: إنه طريق الحياة البسيطة واللاعنف والمحبّة، الذي يقود إلى تحقيق ملكوت الربّ. لكن هذا الجانب الأخير من شخصية تولستوي، أي تولستوي الواعظ، هو ما يرفضه منتقدوه. فنهجه الدوغماتي المتعالي ونزعته المطل...

خواطر في الأدب والفن

صورة
كانت أجواء أرض البخور مثقلة بالتقاليد والروائح الثمينة. وانتشرت حكايات التجّار وقصصهم عن مخاطر جسيمة، وأحيانا مُميتة، تنتظر من يدخلون عوالم العطور. كانت بلاد البخور في نظر العالم القديم أرضا ساحرة، وفي الوقت نفسه موحشة ومحرّمة. وكان سحرها محسوسا حتى من بعيد. يقول هيرودوت: إن بلاد الجزيرة العربية بأكملها تفوح منها رائحة التوابل، وتنبعث منها رائحة حلوة ورائعة". ويصرّح ديودوروس أنه حتى قبل أن يرى البحّار سواحل هذه الأرض، تظهر له مباهجها في البحر. وقد حملتْ إليه نسائم الربيع عبير الأشجار ومتعةً تفوق ما وجده في أيّ مكان آخر، فهذه ليست روائح قديمة مخزّنة، بل هي عبير زهور متفتّحة حديثاً. وكان بليني الأكبر متشكّكا في هذا الكلام، لكنه أعاد سرد القصّة بتفصيل أكبر. يقول إنه تحت أشعّة شمس الظهيرة، تفوح من شبه الجزيرة بأكملها رائحة عطر لا توصف، مزيج من روائح آسرة. وعندما كان أسطول الإسكندر لا يزال بعيدا، علم أنه يقترب من شواطئ الجزيرة العربية. انتشرت روائح البخور العطرة في مدن وقرى سبأ، وأحاطت بعاصمتها الشامخة. كانت أرضيّات المنازل مصنوعة من أخشاب عطرة، وكانت حِزَم الّلبان وأعواد...

قصّة من زمن اللعبة الكبرى

صورة
الأراضي الواقعة بين صحاري تركستان وسهول الهند، وبين الهضبة الفارسية والصين، هي الأكثر وعورةً على وجه الأرض. وفي مطلع القرن التاسع عشر، كانت هذه المنطقة الشاسعة وغير المستكشفة إلى حدّ كبير، جزءا ممّا عُرف بـ "اللعبة الكبرى" التي دارت رحاها آنذاك بين بريطانيا وروسيا والصين للسيطرة على آسيا الوسطى والجنوبية، حيث أرسلت هذه الدول مغامرين ومستكشفين وجواسيس لرسم خرائط المنطقة وجمع المعلومات الاستخباراتية. وتضمّ هذه الأراضي أعلى جبال في العالم، وهي سلسلة جبال شاهقة مكسوّة بالثلوج، تتخلّلها مرتفعات جليدية وبحيرات ووديان عميقة ووعرة. وفي المنطقة دروب قديمة ومتباعدة كانت تُستخدم كطرق للقوافل منذ عهد الإسكندر الأكبر. وأحدها، وربّما أشهرها، يمتدّ من كشمير عبر نهر السند وممرّ كاراكورام إلى خوتان وياركند. ويبلغ ارتفاع هذا الممر أكثر من 18 ألف قدم، وهو الأعلى في العالم، ولا يزال يُستخدم الى اليوم كطريق للتجارة. هذه المرتفعات البرّية ليست المكان المناسب للرحلات السريعة. فالبلاد وعرة للغاية، وسكّانها قليلون، وتبدو حياة الإنسان فيها ضئيلة أمام الجليد الأبدي. ومع ذلك، حدثت في تلك الأ...

قراءات

صورة
على الرغم من أن المشاهد المعمارية في أفلام اندريه تاركوفسكي قد تبدو للوهلة الأولى هياكل جامدة بسبب طابعها غير الجمالي، إلا أنها كيانات بالغة التعقيد وذات دلالة بصرية ومفاهيمية عميقة، وهو ما يتماشى مع مقولة المخرج الروسي بأن "الصورة الفنّية لا يمكن أن تكون أحادية الجانب، ولكي توصف بالصدق يجب أن تجمع في جوهرها ظواهر متناقضة جدليّا". أفلام تاركوفسكي تندرج ضمن فئة السينما الفكرية التي ابتدعها آيزنشتاين قبل عقود عديدة، حيث يشكّل المحتوى كما تعبّر عنه البُنى البصرية الحسّية، وليس السرد، السمة الأساسية للفيلم. في أعمال تاركوفسكي عناصر معمارية أقلّ عددا وأكثر تقشّفا، معظمها بقايا ثقافات وعصور. ووجود البشر هو القوّة الوحيدة التي تُبقي المكان المتهالك متماسكا. وعلاوة على ذلك، تتألّف معظم اللقطات من صور مقرّبة تكشف أجزاءً من الجدران كخلفية، ما يُلغي أيّ نقطة مرجعية. ويتعزّز غياب وجهة نظر ثابتة من خلال هذه اللمحات لهياكل وأسطح قابلة للتمييز، بحيث ينغمس المُشاهد في السرد محاولا تحديد موقعه المكاني. وهذا يضخّم شعور "المتاهة" والضياع الحسّي وعدم اليقين، ومعه توتّر اليأ...