اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً
اللوحات العنيفة والمظلمة في تاريخ الفنّ كثيرة. وبعض لوحات بيتر بريغل وإيغون شيلا وتجيسلاف بيشينسكي وجون هنري فوزيلي، مثلا، جديرة بأن تحتلّ مكانا بارزا في قائمة تتناول مثل هذا النوع من الأعمال الفنّية.
في هذا المقال المترجم، يستعرض آرثر ويندرمير اللوحات العشر الأكثر ظلمةً ورعباً في تاريخ الرسم العالمي.
❉ ❉ ❉
ومن أشهر رسومات بليك التي وضعها للإنجيل السلسلة المسمّاة التنّين الأحمر العظيم. وفي إحداها، واسمها التنّين الأحمر ووحش البحر، رسم بليك تنّينا بملامح إنسان له جناحان هائلان منقوش عليهما نجوم، ربّما في إشارة إلى القوّة الكونية للشرّ.
التنّين الضخم ذو الرؤوس المتعدّدة التي يبرز منها قرون ينظر إلى أسفل، حيث يظهر وحش آخر في البحر ممسكا بيد سيفا وبالأخرى ما يشبه الصولجان. هذا الوحش له، أيضا، رؤوس كثيرة لكن هيئته اقلّ بشرية من هيئة التنّين.
من أكثر تلك اللوحات إثارة للخوف والرهبة اللوحة المسمّاة "الفارس والموت والشيطان". فارس ديورر يمتطي حصانا شاحبا ويمرّ من أمام الموت الذي يأخذ شكل مخلوق مشوّه يمسك بساعة رملية، في إشارة إلى تسرّب وقصَر الحياة.
في اللوحة أيضا أشجار ميّتة، وعلى طول الطريق مجموعة من الأهوال والعقبات التي تحاول إعاقة الفارس وإخراجه عن مساره. الشيطان يتربّص وراء الرجل متّخذا هيئة مخلوق مشوّه، هو الآخر، له قرن طويل ويحمل رمحا ويبتسم ابتسامة ماكرة.
وهناك أيضا في اللوحة جمجمة، وسحلية تسير في الاتجاه المعاكس للفارس. معاصرو ديورر ذهبوا إلى انه كان يحاول في اللوحة تصوير فكرة الراهب ايراسموس روتردام عن الفارس المسيحي الذي يجب ألا يكتفي بتأدية الطقوس الدينية، بل أن يلتزم أيضا بقيم الدين وأخلاقيّاته.
كانت هناك أمعاء وأحشاء كثيرة، قطع من الشحوم البيضاء والصفراء، أطراف في كلّ مكان. كان الجنود يتنافسون بضراوة على الظفر بالأجزاء الداخلية، وكانت هناك أسراب كثيرة من الذباب تحوم حول المكان.
كانت تلك بعض الفظاعات الجديدة التي أتت بها الحرب. في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، حاول الفنّانون والمثقفون أن يعثروا على وسيلة للتعامل مع صدمة الحرب. وظهرت نتيجة لذلك الفلسفة الوجودية التي حاولت أن تجد للبشر مكانا في "هذا الكون العبثي".
إحدى أكثر لوحات بيكون المذهلة هي اللوحة المسماة "شخص مع لحم"، والتي يستعير فيها بورتريه الرسّام الاسباني فيلاسكيز عن البابا اينوسنت العاشر. البابا في لوحة بيكون يتخلّى عن عرشه المجيد وعن ملابسه المخملية الحمراء التي خلعها عليه فيلاسكيز.
وهو هنا يظهر جالسا على كرسيّ من الخشب وبعينين فارغتين وفتحات مشوّهة وجلد متعفّن وفم يصرخ، بينما تبدو خلفه قطعتان كبيرتان من اللحم النيئ.
أكثر لوحات بريسدن ذات طابع بشع ومظلم. لوحته "كوميديا الموت" اعتُبرت تتويجا لانجازاته الفنّية. وفيها يرسم ناسكا جالسا على باب كهفه ومنشغلا بالصلاة والتأمّل. وعلى طرف المستنقع القريب منه، يظهر رجل آخر يبدو في حالة احتضار.
الطبيعة في اللوحة تأخذ شكل شياطين وأشباح وطيور. وكلّ تفصيل فيها تكتنفه الأهوال والكوابيس: جماجم، عظام متناثرة وهياكل عظمية في أفرع أغصان الأشجار الملتوية. وفوق المشهد إلى اليسار، يظهر شخص طافيا في الهواء، وغير بعيد منه تظهر طيور لها رؤوس أشبه ما تكون برؤوس الفئران.
الروائي الفرنسي شارل ماري هويسمان استوحى لوحة بريسدن هذه في روايته "ضدّ الطبيعة" ووصفها بقوله: اللوحة تشبه عمل شخص بدائي، كما أن فيها بعضا من البريشت ديورر. ولا بدّ وأن الفنان رسمها تحت تأثير الأفيون".
في "دانتي وفرجيل في الجحيم"، يرسم بوغرو هذه الحادثة بأدقّ تفاصيل يمكن تخيّلها. السماء القرمزية للجحيم تتوهّج في الخلفية، بينما يبدو رجلان عاريان في مقدّمة اللوحة وهما مشتبكان في قتال شرّير، فيما يقضم أحدهما رقبة الآخر كما يفعل مصّاصو الدماء.
والى يسار المنظر يبدو كلّ من دانتي وشبح الشاعر فرجيل وهما يتفرّجان على المتصارعَين وقد علت وجهيهما علامات تأفّف ورعب. وتحت السماء الحمراء في الخلفية يبدو شيطان مجنّح قبيح الملامح ومهلك النظرات وهو يراقب ما يحدث بابتسامة راضية.
ويصعب الحديث عن لوحة معيّنة، فأعماله كلّها، تقريبا، عبارة عن صور غريبة وأحيانا مخيفة: عنكبوت يبتسم، وآخر يأخذ ملامح وجه إنسان، وأسنان تظهر على مجموعة من الكتب، وعين عملاقة تطلّ على منظر ريفي، وشجرة صبّار لها وجه، ونباتات بأغصان كرؤوس البشر.. وما الى ذلك.
لوحة الأشباح "ثاني لوحة فوق" تُعتبر واحدة من أعمال ريدون التي تثير الرهبة. وفيها تظهر امرأة ترتدي ملابس بيضاء وتقف في مكان يخيّم عليه ظلام حالك. وحول المرأة تظهر أرواح شيطانية وأفاعٍ وأقنعة تترصّد في الظلام.
ويُحتمل أن اللوحة تصوّر كابوسا، ويمكن أن تكون تصويرا لتوجّس الإنسان من الظلام وخوفه من المناطق الخفيّة والغامضة.
في إحدى لوحاته، واسمها "الظهور" أو التجلّي، يرسم مورو رأس يوحنّا المعمدان المقطوع وهو يتراءى لـ سالومي في قصر الملك هارود. الدم يتدفّق من عنق الضحيّة بينما تحدّق فيه سالومي بفم مفتوح ودموع منهمرة. بقع الدم تغطّي الأرضية، بينما يقف الجلاد إلى اليمين مستندا على سيفه. وسالومي، كما قد يتخيّل الإنسان، تقف وجلة مرعوبة.
الروائي جوريس هويسمان كتب باستفاضة عن هذه اللوحة في إحدى رواياته وقال واصفا إيّاها: في هذه الصورة الوحشية والمؤلمة، تمتزج البراءة بالخطر والايروتيكية بالرعب. كانت زهرة اللوتس الطويلة قد اختفت والإلهة قد تلاشت. والآن ثمّة كابوس رهيب يمسك بخناق المرأة بعد أن أصابها الرقص بالدوار وأقضّ مضجعها الرعب.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
وقد كُلف بعمل الرسوم الإيضاحية لكتاب ديني بعنوان "مرآة الشهداء" يحكي عن حياة الشهداء وتضحياتهم. بالنسبة لعقل لويكن التقيّ، وربّما المشوّش، كان هذا يعني وابلا من صور التعذيب والرعب وأحداث الموت الرهيبة التي عاناها الشهداء على مرّ التاريخ: رجل نصف مطبوخ يُقذف به إلى الحيوانات لتلتهمه، نار تأكل قدمي رجل، طعن بالرماح.. إلى آخره.
هذه المشاهد البغيضة والمليئة باللحم البشري المشوي الذي يتصبّب منه الدم، مع كثافة الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، تجعل من صور لويكن بعض أكثر اللوحات ترويعا وقسوة في تاريخ الفنّ.
وفي لوحته الأشهر حديقة المباهج الأرضية، يصوّر في يمين اللوحة تفاصيل من الجحيم يظهر في أحدها وحش له رأس طائر وهو يفترس إنسانا بينما يجلس على كرسي مرتفع.
صور بوش كانت دائما مصدر افتتان للكثيرين. وفي القرون المبكّرة، كان الناس ينظرون إلى أعماله على سبيل التسلية، بينما اسماه البعض رسّام الوحوش والغيلان. وفي القرن العشرين رأى بعض المؤرّخين والنقّاد في فنّه دلالات عميقة. والبعض يرى فيه رسّاما سورياليا حتى قبل ظهور السوريالية بصورتها الحديثة. وهناك اليوم محاولات كثيرة لتقصّي جذور ومعاني لوحاته الغريبة.
وقد أودع في لوحاته تلك العديد من مشاهد الشرّ والحروب وظواهر ما وراء الطبيعة. لوحته "الماعز" تصوّر مجموعة من الساحرات يتجمّعن حول شيطان اسود له رأس ماعز. لكن أشهر تلك اللوحات، والتي يمكن اعتبارها اللوحة الأكثر رعبا في تاريخ الرسم، هي صورته المسمّاة زُحل يفترس ابنه "أوّل لوحة فوق".
في الأسطورة، يبدأ زحل بافتراس جميع أطفاله مدفوعا بخوفه من أن يُخلع عن عرشه. هذا الفعل المزدوج، أي التهام الأطفال وأكل لحوم البشر، يصوّره غويا بأكثر الطرق ترويعا وعنفا. زحل العملاق بأطرافه العنكبوتية والبرونزية يقف في الظلام ممسكا بجسد ابنه.
وبإمكان المرء أن يرى أصابعه وهي تحفر في الجزء الخلفي من جسد الابن. وقد أكل للتوّ الرأس وأحد الذراعين. فم زحل مفتوح على اتساعه بينما يفترس الذراع الثانية. عيناه تلتمعان بالوحشية والجنون. هذه البدائية وهذا الرعب قد لا نجد لهما نظيرا في تاريخ الرسم كلّه.
Credits
archive.org
archive.org

