كوخ الناسك
في بداية القرن الثالث عشر، ألّف كامو نو تشومي كتابه "هوجوكي" أو "كوخ صغير في الغابة"، الذي تناول فيه أحداثا درامية جرت في عصره، ووصف فيه قراره بترك المجتمع والذهاب الى الجبال.
وقد تزامن عيش تشومي في عاصمة اليابان مع فترة مضطربة في تاريخ ذلك البلد. وهو يروي، بشعور يشبه نهاية العالم، تفاصيل حرائق كيوتو والجفاف والمجاعة والطاعون وسلسلة الزلازل المدمّرة التي أعقبت ذلك. وليس من المستغرب أن يقرّر الكاتب أن التركيز على العالم الآخر قد يكون أفضل من القلق بشأن الدنيا.
كان تشومي قد عَرف منذ فترة طويلة أن هذا العالم مجرّد إلهاء. لذا رغب بشدّة في إيجاد بديل لحياته آنذاك. يقول: الثروة تجلب القلق، بينما الفقر يجلب الضغينة. الاعتماد على الآخرين يجعلك تحت رحمتهم، بينما الاهتمام بهم سيوقعك في فخّ التعلّقات الدنيوية. اتّبع القواعد الاجتماعية وستقيّدك؛ وإلا ستُعتبر مجنونا. أين يمكن للمرء أن يذهب وماذا يفعل ليجد ملاذا آمنا من هذا العالم وقليلا من راحة البال"؟
وعلى الرغم من قصَر كتاب تشومي، إلا أنه يعدّ نصّا آسرا وقويّا. وما تزال كلماته تتردّد عبر القرون، محذّرةً القارئ من المبالغة في الامتلاك وأن يعيد النظر في حياته من وقت لآخر. ومع ذلك، فإن نظرة سريعة خلف الستار تُظهر أن الأمر ليس كما يبدو. فقرار الكاتب بالتخلّي عن الدنيا لم يكن نابعا من التقوى فحسب، بل أيضا من طموحات مُحبَطة.
لم يكن كامو نو تشومي بالشخصية المهمّة، لكنه شهد حقبة فوضوية وعنيفة في تاريخ اليابان، ووظّف بصيرته في كتابه على فهم عصره. وقد حوّلته البوذية إلى شخص ذي حسّ مأساوي وإلى شاعر متأمّل. وتضرب العبارات الافتتاحية للكتاب على هذا الوتر ببراعة. يقول: جريان النهر لا ينقطع وماؤه لا يتكرّر. الفقاعات التي تطفو في البِرَك تارةً تتلاشى وتارةً تتشكّل، لا تدوم طويلا، وكذا عالم البشر ومساكنهم".
في سنّ الخمسين، بعد أن فقد منزل أجداده ومصدر رزقه، أصبح تشومي راهبا متنسّكا وزاهدا في الدنيا. "لأنني لم أكن أملك عائلة، لم تكن لديّ روابط تجعل هجران الدنيا صعبا. لم أكن أملك رتبة أو راتبا. فماذا بقي لي لأتمسّك به!؟"
وبعد عشر سنوات، بنى كوخه الجديد بسقف من القش. "أضفتُ مظلّة في الجهة الجنوبية وشرفة من الخيزران. وعلى طول الجدار الغربي، بنيتُ حوضا للماء المقدّس. وعلى الجدار المواجه للشمال، خصّصت رفّا صغيرا أحتفظ فيه بثلاث أو أربع سلال جلدية سوداء تحتوي على كتب شعر وموسيقى ومقتطفات من الكتب المقدّسة".
كان سرير تشومي عبارة عن حصير من القشّ وأوراق السرخس. وكانت هناك أيضا نافذة ومكتب وموقد. وخارج الكوخ، توجد حديقة مسيّجة وبركة صخرية مزوّدة بأنبوب من الخيزران لتصريف المياه. وكانت الغابة على مرمى البصر، ما وفّر كمّية كافية من الحطب. وإلى الغرب كانت هناك فسحة خلف بساتين الكروم والوديان المتفرّعة.
في ذلك الملاذ الغابي، شهد تشومي علامات تغيّر الفصول: أزهار الويستاريا في الربيع وطيور الوقواق في الصيف وزقزقة الحشرات في الخريف وتساقط الثلوج في الشتاء". هنا لا زوّار، بل راحة وهدوء. وعندما لا يكون الكاتب في صلاة أو قراءة، فإنه يتأمّل الأماكن القديمة التي زارها أو يعزف على الناي.
وحسب كلّ موسم، يقطف الفاكهة أو المكسّرات أو الخضراوات ويجمع قشور الأرز أو الزهور، أو يقوم برحلة نهارية إلى الجبال أو الى معبد قديم أو مقبرة مشهورة. يقول: أحيانا، كما هي عادة كبار السنّ، أستيقظ في منتصف الليل. أنفخ الجمر المدفون تحت الرماد وأجعله رفيقي في الوحدة. بمعرفتي لنفسي وللعالم، لا طموحات لي ولا أختلط بأحد. لا أبحث إلا عن السكينة وأفرح بغياب الحزن".
وقد سبق كامو نو تشومي ديفيد ثورو في الإشادة بجمال الحياة في الغابات بأكثر من خمسمائة عام. وقد دافع الإثنان عن نموذج في الوجود مندمجٍ مع الطبيعة ودوراتها، كاندماج الشِعر في الحياة. وفي هذا النموذج، لم تعد هناك ساعات ولا أشهر، بل نور وليل ونجوم وأزهار وأغانٍ وثلج ذائب وموسيقى للخلق لا تنقطع.
في بلد اعتاد على الكوارث المميتة، كانت أواخر القرن الثاني عشر وبداية الثالث عشر قاسية للغاية في اليابان. فقد تواترت الزلازل والحرائق المدمّرة والعواصف والمجاعات المروّعة. وراقب تشومي العاصمة كيوتو عندما ضربتها هزّة أرضية هائلة، حيث "انهارت الجبال وفاضت الأنهار وغمرت أمواج البحر الأرض وتكسّرت الصخور وسقطت في الأودية وتقاذفت الأمواج السفن في البحر".
ويضيف: في محيط هييان، تضرّرت المعابد والأضرحة والأبراج بشدّة وانقلب بعضها الآخر رأسا على عقب وتصاعد الغبار والرماد كالدّخان. كان صوت حركة الأرض وتهشّم البيوت يشبه هزيم الرعد. وكلّ من كان في داخل البيوت سُحق على الفور، ومن فرّ إلى الخارج انطمرَ في شقوق الأرض. ولأن الناس لم تكن لهم أجنحة ليطيروا إلى السماء أو ليمتطوا السحاب كالتنانين، لا يسعنا إلا أن نتخيّل بؤسهم".
وقد تزامن عيش تشومي في عاصمة اليابان مع فترة مضطربة في تاريخ ذلك البلد. وهو يروي، بشعور يشبه نهاية العالم، تفاصيل حرائق كيوتو والجفاف والمجاعة والطاعون وسلسلة الزلازل المدمّرة التي أعقبت ذلك. وليس من المستغرب أن يقرّر الكاتب أن التركيز على العالم الآخر قد يكون أفضل من القلق بشأن الدنيا.
كان تشومي قد عَرف منذ فترة طويلة أن هذا العالم مجرّد إلهاء. لذا رغب بشدّة في إيجاد بديل لحياته آنذاك. يقول: الثروة تجلب القلق، بينما الفقر يجلب الضغينة. الاعتماد على الآخرين يجعلك تحت رحمتهم، بينما الاهتمام بهم سيوقعك في فخّ التعلّقات الدنيوية. اتّبع القواعد الاجتماعية وستقيّدك؛ وإلا ستُعتبر مجنونا. أين يمكن للمرء أن يذهب وماذا يفعل ليجد ملاذا آمنا من هذا العالم وقليلا من راحة البال"؟
وعلى الرغم من قصَر كتاب تشومي، إلا أنه يعدّ نصّا آسرا وقويّا. وما تزال كلماته تتردّد عبر القرون، محذّرةً القارئ من المبالغة في الامتلاك وأن يعيد النظر في حياته من وقت لآخر. ومع ذلك، فإن نظرة سريعة خلف الستار تُظهر أن الأمر ليس كما يبدو. فقرار الكاتب بالتخلّي عن الدنيا لم يكن نابعا من التقوى فحسب، بل أيضا من طموحات مُحبَطة.
لم يكن كامو نو تشومي بالشخصية المهمّة، لكنه شهد حقبة فوضوية وعنيفة في تاريخ اليابان، ووظّف بصيرته في كتابه على فهم عصره. وقد حوّلته البوذية إلى شخص ذي حسّ مأساوي وإلى شاعر متأمّل. وتضرب العبارات الافتتاحية للكتاب على هذا الوتر ببراعة. يقول: جريان النهر لا ينقطع وماؤه لا يتكرّر. الفقاعات التي تطفو في البِرَك تارةً تتلاشى وتارةً تتشكّل، لا تدوم طويلا، وكذا عالم البشر ومساكنهم".
في سنّ الخمسين، بعد أن فقد منزل أجداده ومصدر رزقه، أصبح تشومي راهبا متنسّكا وزاهدا في الدنيا. "لأنني لم أكن أملك عائلة، لم تكن لديّ روابط تجعل هجران الدنيا صعبا. لم أكن أملك رتبة أو راتبا. فماذا بقي لي لأتمسّك به!؟"
وبعد عشر سنوات، بنى كوخه الجديد بسقف من القش. "أضفتُ مظلّة في الجهة الجنوبية وشرفة من الخيزران. وعلى طول الجدار الغربي، بنيتُ حوضا للماء المقدّس. وعلى الجدار المواجه للشمال، خصّصت رفّا صغيرا أحتفظ فيه بثلاث أو أربع سلال جلدية سوداء تحتوي على كتب شعر وموسيقى ومقتطفات من الكتب المقدّسة".
كان سرير تشومي عبارة عن حصير من القشّ وأوراق السرخس. وكانت هناك أيضا نافذة ومكتب وموقد. وخارج الكوخ، توجد حديقة مسيّجة وبركة صخرية مزوّدة بأنبوب من الخيزران لتصريف المياه. وكانت الغابة على مرمى البصر، ما وفّر كمّية كافية من الحطب. وإلى الغرب كانت هناك فسحة خلف بساتين الكروم والوديان المتفرّعة.
في ذلك الملاذ الغابي، شهد تشومي علامات تغيّر الفصول: أزهار الويستاريا في الربيع وطيور الوقواق في الصيف وزقزقة الحشرات في الخريف وتساقط الثلوج في الشتاء". هنا لا زوّار، بل راحة وهدوء. وعندما لا يكون الكاتب في صلاة أو قراءة، فإنه يتأمّل الأماكن القديمة التي زارها أو يعزف على الناي.
وحسب كلّ موسم، يقطف الفاكهة أو المكسّرات أو الخضراوات ويجمع قشور الأرز أو الزهور، أو يقوم برحلة نهارية إلى الجبال أو الى معبد قديم أو مقبرة مشهورة. يقول: أحيانا، كما هي عادة كبار السنّ، أستيقظ في منتصف الليل. أنفخ الجمر المدفون تحت الرماد وأجعله رفيقي في الوحدة. بمعرفتي لنفسي وللعالم، لا طموحات لي ولا أختلط بأحد. لا أبحث إلا عن السكينة وأفرح بغياب الحزن".
وقد سبق كامو نو تشومي ديفيد ثورو في الإشادة بجمال الحياة في الغابات بأكثر من خمسمائة عام. وقد دافع الإثنان عن نموذج في الوجود مندمجٍ مع الطبيعة ودوراتها، كاندماج الشِعر في الحياة. وفي هذا النموذج، لم تعد هناك ساعات ولا أشهر، بل نور وليل ونجوم وأزهار وأغانٍ وثلج ذائب وموسيقى للخلق لا تنقطع.
في بلد اعتاد على الكوارث المميتة، كانت أواخر القرن الثاني عشر وبداية الثالث عشر قاسية للغاية في اليابان. فقد تواترت الزلازل والحرائق المدمّرة والعواصف والمجاعات المروّعة. وراقب تشومي العاصمة كيوتو عندما ضربتها هزّة أرضية هائلة، حيث "انهارت الجبال وفاضت الأنهار وغمرت أمواج البحر الأرض وتكسّرت الصخور وسقطت في الأودية وتقاذفت الأمواج السفن في البحر".
ويضيف: في محيط هييان، تضرّرت المعابد والأضرحة والأبراج بشدّة وانقلب بعضها الآخر رأسا على عقب وتصاعد الغبار والرماد كالدّخان. كان صوت حركة الأرض وتهشّم البيوت يشبه هزيم الرعد. وكلّ من كان في داخل البيوت سُحق على الفور، ومن فرّ إلى الخارج انطمرَ في شقوق الأرض. ولأن الناس لم تكن لهم أجنحة ليطيروا إلى السماء أو ليمتطوا السحاب كالتنانين، لا يسعنا إلا أن نتخيّل بؤسهم".
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
رُوّع تشومي بمعاناة هذا العالم المحطّم، فقرّر مغادرة العاصمة وبدء حياة تأمّل في الجبال. وكما كان أدباء وحكماء الصين العظماء قبله يفعلون عندما تشتدّ الأمور، اتّجه هو أيضا إلى الجبال.
وفي كتابه، سيشعر القرّاء وكأنهم يرافقون تشومي أثناء تركه حياته في العاصمة وبنائه كوخه البسيط في أعماق الجبال. وعلى عكس سلسلة الكوارث التي تملأ صفحات الجزء الأوّل من كتابه، يفصّل الجزء الثاني متعته الكبيرة وهو يستقرّ في منزله الجديد. "في الربيع، تُزهر براعم الويستاريا مثل السحب الأرجوانية في الغرب. وفي الصيف، ترشدني طيور الوقواق الثرثارة نحو ممرّ الموت الجبلي. وفي أمسيات الخريف، يملأ أذني صراخ السيكادا وهي ترثي هذه القشرة الفارغة من العالم. وعندما يأتي الشتاء، يغطّي الثلج الأرض".
تخلّى تشومي عن كلّ شيء ليصبح راهبا منعزلا في الجبال. وهناك، في كوخه الصغير، أدرك أن كلّ شيء في هذا العالم مردّه الى الحالة الذهنية للإنسان. "القصور وكلّ هذه الكنوز الدنيوية لا تجلب أيّ متعة إن لم يطمئن القلب. أحيانا أذهب إلى العاصمة فأدرك أنني أبدو كراهب متسوّل. لكن عندما أعود، أشفق على من يبحثون عن نفايات الدنيا".
ثم يقول: إن كنت تشكّ في كلامي، فتأمّل الأسماك والطيور. الأسماك لا تكره الماء، لكن لا أحد يعرف سعادة السمكة إلا إذا كان سمكة. والطيور تحبّ الغابة، وإن لم تكن طائرا، فلن تعرف هذه الحقيقة. الحياة الهادئة نفسها، كيف يعرفها أحد دون أن يعيشها؟ وأنا أحبّ مسكني الوحيد، هذا الكوخ البسيط المكوّن من غرفة واحدة".
ويضيف: مع أن مجرى النهر لا ينقطع، إلا أن مرور الماء لحظة بلحظة لا يتكرّر. فحيث تتجمّع المياه، تتشكّل فقاعات على السطح، تنفجّر وتختفي بينما ترتفع أخرى لتحلّ محلّها، ولا تدوم طويلا. في هذا العالم، الناس ومساكنهم كذلك، يتغيّرون باستمرار. في الأماكن التي ربّما عرفتُ فيها عشرين أو ثلاثين شخصا في شبابي، قد لا أتعرّف الآن إلا على واحد أو اثنين. يموت البعض في الصباح، ويولد آخرون في المساء".
ثم يقول: هكذا هي الحال مع أهل هذا العالم، إنهم مثل تلك الفقاعات التي تطفو على الماء. وغير واضح لي أيضا، عندما يولد الناس ويموتون، من أين يأتون وإلى أين يذهبون. ولا اعرف السبب الذي يدفعهم، وهم يعرفون انهم زائلون من هذا العالم، لبذل كلّ هذه العناء ليجعلوا منازلهم بهجة للعين. يتنافس كلّ من المسكن وصاحبه في زوالهما. كلاهما سيهلك مثل البراعم التي تموت في ندى الصباح".
وفي مكان آخر يكتب: عندما يشعر قلبي بالوحدة في المساء، أنظر إلى القمر من نافذة الكوخ، وأفكّر في الأصدقاء القدامى وأسمع أصوات الطيور، فتنهمر دموعي بغزارة. وعند الفجر، أحبّ سماع المطر وهو يطوّح بأوراق الأشجار كعاصفة. وعندما أسمع زقزقة طيور الجبال الباكية، أتذكّر الأطفال وهم ينادون آباءهم وأمّهاتهم. وعندما أرى غزال الجبل يقترب من القمّة دون خوف، أدرك كم كنت منفصلا عن المجتمع. هذه التجاويف الجبلية ليست مخيفة، وصوت البوم لا يثير الخوف بل له سحر حزين".
ويضيف: عندما أتيت إلى هنا، توقّعت أن أعيش في هذا المكان لفترة قصيرة، إلا أن خمس سنوات قد مرّت. لقد اعتدت على هذا السكن المؤقّت، إذ تراكمت الأوراق الميّتة على عتبات الكوخ ونمت الطحالب على أرضه. وبما أنه لا ينبغي التعلّق بأيّ شيء في هذا العالم، فإنني أشعر الآن أن حبّي لهذا الكوخ بهذا القدر جريمة. ربّما تصبح هذه الحياة عائقا أمام الخلاص أيضا. لماذا أضيّع وقتي بالحديث عن هذه السعادة الفارغة مع قلّة الوقت المتبقّي لي؟ ليس هذا ما يجب فعله".
براحة بال واكتمال، يتأرجح تشومي في أبديّته الهشّة في كوخه الذي يحميه كما تحمي الصَدفة سرطان البحر: منذ أن تركت العالم واخترت طريق الزهد، أشعر بالتحرّر من كلّ كراهية وكلّ خوف. أُسْلم مصيري للقدر، لا أتمنّى أن أعيش طويلا ولا أن أموت سريعا. أشبّه حياتي بسحابة متقلّبة لا أعلّق عليها أيّ أمل ولا أشعر بأيّ حزن. منذ أن بدأت خلوتي، اختفى خوفي واستيائي من الآخرين. ولأن الحياة لا تدار إلا من السماء، فلا يهمّني طول عمري ولا قِصره. لا أقلق من موت مبكّر، فأنا أشعر مثل السحابة التي تحلّق دون شكوى. وسعادة حياتي تتلخّص في قيلولة هادئة وأمل برؤية جمال الفصول الأربعة في الغابة".
هكذا عاش تشومي، يصقل روحه حتى وفاته. لا يُعرف على وجه الدقّة متى حدث ذلك، مع أن كتّاب سيرته يرجّحون أنه توفّي في منتصف عام ١٢١٦. في إحدى ليالي حياته الأخيرة، دوّن بعض الأبيات التي يمكن اعتبارها رثاءه لنفسه: يضيء القمر، ولكن من المحزن أن نراه يختفي خلف الجبال. نسأل الله أن نرى النور الأبدي!"
وفي كتابه، سيشعر القرّاء وكأنهم يرافقون تشومي أثناء تركه حياته في العاصمة وبنائه كوخه البسيط في أعماق الجبال. وعلى عكس سلسلة الكوارث التي تملأ صفحات الجزء الأوّل من كتابه، يفصّل الجزء الثاني متعته الكبيرة وهو يستقرّ في منزله الجديد. "في الربيع، تُزهر براعم الويستاريا مثل السحب الأرجوانية في الغرب. وفي الصيف، ترشدني طيور الوقواق الثرثارة نحو ممرّ الموت الجبلي. وفي أمسيات الخريف، يملأ أذني صراخ السيكادا وهي ترثي هذه القشرة الفارغة من العالم. وعندما يأتي الشتاء، يغطّي الثلج الأرض".
تخلّى تشومي عن كلّ شيء ليصبح راهبا منعزلا في الجبال. وهناك، في كوخه الصغير، أدرك أن كلّ شيء في هذا العالم مردّه الى الحالة الذهنية للإنسان. "القصور وكلّ هذه الكنوز الدنيوية لا تجلب أيّ متعة إن لم يطمئن القلب. أحيانا أذهب إلى العاصمة فأدرك أنني أبدو كراهب متسوّل. لكن عندما أعود، أشفق على من يبحثون عن نفايات الدنيا".
ثم يقول: إن كنت تشكّ في كلامي، فتأمّل الأسماك والطيور. الأسماك لا تكره الماء، لكن لا أحد يعرف سعادة السمكة إلا إذا كان سمكة. والطيور تحبّ الغابة، وإن لم تكن طائرا، فلن تعرف هذه الحقيقة. الحياة الهادئة نفسها، كيف يعرفها أحد دون أن يعيشها؟ وأنا أحبّ مسكني الوحيد، هذا الكوخ البسيط المكوّن من غرفة واحدة".
ويضيف: مع أن مجرى النهر لا ينقطع، إلا أن مرور الماء لحظة بلحظة لا يتكرّر. فحيث تتجمّع المياه، تتشكّل فقاعات على السطح، تنفجّر وتختفي بينما ترتفع أخرى لتحلّ محلّها، ولا تدوم طويلا. في هذا العالم، الناس ومساكنهم كذلك، يتغيّرون باستمرار. في الأماكن التي ربّما عرفتُ فيها عشرين أو ثلاثين شخصا في شبابي، قد لا أتعرّف الآن إلا على واحد أو اثنين. يموت البعض في الصباح، ويولد آخرون في المساء".
ثم يقول: هكذا هي الحال مع أهل هذا العالم، إنهم مثل تلك الفقاعات التي تطفو على الماء. وغير واضح لي أيضا، عندما يولد الناس ويموتون، من أين يأتون وإلى أين يذهبون. ولا اعرف السبب الذي يدفعهم، وهم يعرفون انهم زائلون من هذا العالم، لبذل كلّ هذه العناء ليجعلوا منازلهم بهجة للعين. يتنافس كلّ من المسكن وصاحبه في زوالهما. كلاهما سيهلك مثل البراعم التي تموت في ندى الصباح".
وفي مكان آخر يكتب: عندما يشعر قلبي بالوحدة في المساء، أنظر إلى القمر من نافذة الكوخ، وأفكّر في الأصدقاء القدامى وأسمع أصوات الطيور، فتنهمر دموعي بغزارة. وعند الفجر، أحبّ سماع المطر وهو يطوّح بأوراق الأشجار كعاصفة. وعندما أسمع زقزقة طيور الجبال الباكية، أتذكّر الأطفال وهم ينادون آباءهم وأمّهاتهم. وعندما أرى غزال الجبل يقترب من القمّة دون خوف، أدرك كم كنت منفصلا عن المجتمع. هذه التجاويف الجبلية ليست مخيفة، وصوت البوم لا يثير الخوف بل له سحر حزين".
ويضيف: عندما أتيت إلى هنا، توقّعت أن أعيش في هذا المكان لفترة قصيرة، إلا أن خمس سنوات قد مرّت. لقد اعتدت على هذا السكن المؤقّت، إذ تراكمت الأوراق الميّتة على عتبات الكوخ ونمت الطحالب على أرضه. وبما أنه لا ينبغي التعلّق بأيّ شيء في هذا العالم، فإنني أشعر الآن أن حبّي لهذا الكوخ بهذا القدر جريمة. ربّما تصبح هذه الحياة عائقا أمام الخلاص أيضا. لماذا أضيّع وقتي بالحديث عن هذه السعادة الفارغة مع قلّة الوقت المتبقّي لي؟ ليس هذا ما يجب فعله".
براحة بال واكتمال، يتأرجح تشومي في أبديّته الهشّة في كوخه الذي يحميه كما تحمي الصَدفة سرطان البحر: منذ أن تركت العالم واخترت طريق الزهد، أشعر بالتحرّر من كلّ كراهية وكلّ خوف. أُسْلم مصيري للقدر، لا أتمنّى أن أعيش طويلا ولا أن أموت سريعا. أشبّه حياتي بسحابة متقلّبة لا أعلّق عليها أيّ أمل ولا أشعر بأيّ حزن. منذ أن بدأت خلوتي، اختفى خوفي واستيائي من الآخرين. ولأن الحياة لا تدار إلا من السماء، فلا يهمّني طول عمري ولا قِصره. لا أقلق من موت مبكّر، فأنا أشعر مثل السحابة التي تحلّق دون شكوى. وسعادة حياتي تتلخّص في قيلولة هادئة وأمل برؤية جمال الفصول الأربعة في الغابة".
هكذا عاش تشومي، يصقل روحه حتى وفاته. لا يُعرف على وجه الدقّة متى حدث ذلك، مع أن كتّاب سيرته يرجّحون أنه توفّي في منتصف عام ١٢١٦. في إحدى ليالي حياته الأخيرة، دوّن بعض الأبيات التي يمكن اعتبارها رثاءه لنفسه: يضيء القمر، ولكن من المحزن أن نراه يختفي خلف الجبال. نسأل الله أن نرى النور الأبدي!"
Credits
washburn.edu
washburn.edu
