المشاركات

نافذة على عالم ماغريت – 3 من 4

صورة
اثر اندلاع الحرب العالمية الأولى، عمّ الناس شعور بالخوف واليأس جرّاء اكتشافهم بأن العالم مكان غير آمن وأبعد ما يكون عن الكمال الذي كانوا يتصوّرونه. وفي ظل هذا المناخ المشوّش والسوداوي ظهرت السوريالية. وكان روّادها الأوائل يجاهرون بأن هدفهم هو تغيير الواقع من خلال إطاحة النظام القديم واستنباط قيم وأخلاقيات جديدة يستعيد من خلالها الإنسان قواه الروحية الأصيلة التي تضمن له الحرّية والخلاص من القيود التي تكبّله وتعيق تطوّره. وكان اندريه بريتون، مؤسّس السوريالية ومنظّرها الأوّل، يرى أن بنية عقل الإنسان تعكس بطريقة ما عقل الكون نفسه، وأن عالم اللاوعي هو الذي يشكّل الطبيعة الحقيقية للإنسان لأنه النقطة التي لا تتناقض عندها الحياة مع الموت ولا الخير مع الشرّ ولا العدل مع الظلم ولا الماضي مع المستقبل ولا الواقع مع الخيال ولا الحقيقة مع الزيف.. إلى آخره. ولهذا السبب كان بعض السورياليين لا يخفون تعاطفهم، بل وإعجابهم أحيانا، بالمجرمين والخارجين على القانون لأنهم برأيهم أشخاص أذكياء وجريئون و"مبدعون" في انتهاك القوانين والأعراف المتوارثة. بل إن بريتون نفسه لم يكن يرى في الإنسان المجنون مج...

نافذة على عالم ماغريت – 2 من 4

صورة
يقال أن ماغريت لم يكن يختلف كثيرا عن شخصيات لوحاته. فقد كان شديد الاهتمام بمظهره حريصا دائما على ضبط أفعاله وتصرّفاته الشخصية. ويبدو أن حبّه لباريس وأضوائها وصخبها لم ينسِه حبّه الأول لبلده بلجيكا التي كان يرى أنها اهدأ من باريس وأكثر تواضعا. وقد عرف عنه نفوره من أسلوب حياة زملائه السورياليين الذين كان أكثرهم منغمسا في حياة الترف والمجون. وفي ما بعد تطوّر الأمر بينه وبينهم إلى قطيعة شبه كاملة عندما رأوا في لوحاته خروجا على النسَق الذي ميّزوا به أنفسهم. وعلى الجانب الشخصي كان ماغريت حريصا على أن تبقى حياته العائلية طيّ الكتمان. كما كان وفيّا لزوجته جيورجيت بيرجيه التي ظلّ معها 45 عاما والى حين وفاته. ويقال انه تأثّر في بداياته بالرسّام الميتافيزيقي دي تشيريكو Giorgio de Chirico وخاصّة لوحته المشهورة أغنية الحب The Song of Love التي كان ماغريت يرى فيها نموذجا لسموّ الشعر وتفوّقه على الرسم. ولا بدّ وأن روح بلدته طبعت فنّه وأضفت عليه تلك المسحة من الغموض التي تميّز لوحاته. فقد ولد ماغريت في بلدة بلجيكية عُرف عنها سماؤها المعتمة وأجواؤها الضبابية الباردة. ولأن السماء عنده تمثل المطلق ...

نافذة على عالم ماغريت – 1 من 4

صورة
على الرغم من مرور أكثر من أربعين عاما على وفاته، ما يزال يُنظر إلى رينيه ماغريت باعتباره احد أكثر رسّامي القرن العشرين نفوذا وتأثيرا وبوصفه جزءا لا يتجزّأ من المشهد الثقافي لعصر ما بعد الحداثة. وفي السنوات الأخيرة اكتسبت لوحاته اهتماما متزايدا من الناس والنقاد على حدّ سواء وأصبح بعضها ايقونات وعناصر ثابتة في الثقافة الشعبية ووسائطها المختلفة. في الموسيقى، تروق مناظر ماغريت كثيرا لمطربي البوب الذين يزيّنون بها أغلفة موسيقاهم. وفي السينما، ظهرت لوحته المشهورة ابن الإنسان التي تصوّر رجلا تحجب وجهه تفاحة خضراء في أكثر من فيلم سينمائي. ووظفت لوحته الأخرى إمبراطورية النور في تصميم الملصق الدعائي للفيلم المشهور The Exorcist أو طارد الأرواح. وفي احد الأوقات ألف ميشيل فوكو، الفيلسوف والناقد الفرنسي، كتابا استوحى عنوانه من لوحة ماغريت "خيانة الصور: هذا ليس غليونا" ناقش فيه دلالات وإسقاطات اللوحة من منظور لغوي وتاريخي وابستيمولوجي وبصري. وحتى وقت قريب كانت الخطوط الجوية البلجيكية "سابينا" تضع لوحته المسمّاة طائر السماء Sky Bird شعارا لطائراتها. ولزمن طويل ظلت الطبيعة الغا...

القطّ في ثقافات الشعوب

صورة
كان القط وما يزال رفيق الإنسان منذ القدم. ولا بدّ وأن لكلّ واحد منا ذكرياته الخاصّة عن القطط منذ أيام الطفولة، خاصّة إن كان قد نشأ في بيئة فلاحية. شخصيا انقطعت علاقتي بالقطط منذ أن رحلت عن قريتنا. ففي المدينة الكبيرة يندر أن ترى القطط، اللهم إلا إذا لمحت أحدها وهو يعدو مسرعا في أحد الأزقة أو ممدّدا على ناصية أحد الشوارع بفعل سيّارة مسرعة. مؤخّرا قرأت دراسة طريفة عن القطط وعن حظوظها التي ظلت في حال صعود وهبوط على مرّ العصور. كانت القطط المنزلية في مصر الفرعونية وروما تعتبر في عداد الآلهة! وكان كلّ من يقتل قطا في مصر القديمة ُيحكم عليه بالموت حتى وإن ثبت أن القط مات لسبب عارض. أما في روما فقد كان القط يمثل آلهة الحرّية (!) وكان جنود روما يحملون صوره على دروعهم وأعلامهم. وعندما انتشرت المسيحية هبطت حظوظ القطط فجأة. وقام بودوان الثالث كونت الفرنجة بالتخلص من القطط "المقدّسة" وغيرها من "الآلهة المنزلية" ليثبت انه تخلى عن الوثنية. ولسوء الحظ ألقى بودوان المذكور بقططه من نافذة قصره وبدأ تقليدا سنويا لتعذيب القطط اسماه "مهرجان القطط"! وخلال القرون الوسطى كانت...

مائدة، كرسي، طبق فاكهة وآلة كمَان

صورة
لماذا إذا تهيّأت للنوم يأتي الكمان؟! فأصغي آتياً من مكان بعيد فتصمت همهمة الريح خلف الشبابيك نبض الوسادة في أذني تتراجع دقّات قلبي وأرحل في مدن لم أزرها شوارعها فضّة وبناياتها من خيوط الأشعّة ألقى التي واعدتني على ضفّة النهر واقفة وعلى كتفيها يحطّ اليمام الغريب أمـل دنقـل عندما يتعلّق الأمر بالموسيقى، لا صوت يطرب ويثير المخيّلة كامتزاج أنغام آلتي الكمان والبيانو. لكنْ لو كان لي أن اختار آلة مفردة لما تردّدت في اختيار الكمان، لأنني مع من يقول إن الكمان هو الرمز الأسمى لأناقة الموسيقى وجمال الطبيعة معا. الكمان قريب جدّا من المشاعر. وهو اقرب الآلات الموسيقية شبها بصوت الإنسان. وقد قرأت ذات مرّة أن بدايات ظهور هذه الآلة تعود إلى القرن التاسع الميلادي. ويقال إنه أتى من آسيا وأن الأتراك والمغول قد يكونون أوّل من عرف الكمان في التاريخ، وكانوا يصنعون أوتاره من شعر ذيل الحصان. ثم ما لبث الكمان أن انتشر إلى الصين والهند وبلدان الشرق الأوسط. وطبعا كان شكل الآلة آنذاك بدائيا وبسيطا. وقد استغرق الأمر خمسة قرون كاملة قبل أن تصل هذه الآلة إلى شكلها الحالي والمتعارف عليه. ال...

فانغيليس: عرّاب موسيقى العصر الجديد

صورة
تسمع موسيقى فانغيليس فتجذبك الفراغات المفتوحة والمساحات الواسعة فيها وكثرة أنغامها وألوانها وتأثيراتها الانفعالية (من إحساس موغل بالحزن إلى شعور غامر بالفرح إلى إحساس عميق بالعزلة أو الكآبة في بعض الأحيان)، بالإضافة إلى ثراء وتنوّع عناصرها الصوتية والسردية وحتى الفلسفية. وتحتشد في موسيقى فانغيليس "الذي يعني اسمه باليونانية الملاك الطيّب" أصوات وأصداء وظلال وأضواء وقطرات مطر وهالات وعواصف وأجراس وكواكب وغابات.. إلى آخره. وفي إحدى مقطوعاته التي استوحاها من رواية الطاعون لالبير كاميه نلمس شعورا عميقا بآلام الإنسان ومعاناته في صراعه مع القدر ومع الطبيعة. وربّما كان من أهم ما يميّز موسيقى فانغيليس فخامتها وطابع بعضها الملحمي. لكنْ حتى المقطوعات التي تتسم بقوّتها وملحميّتها لا تخلو أحيانا من بعض المقاطع التي تبعث شعورا بالعاطفة والرّقة. ومن الواضح انه يعتمد في موسيقاه إلى حدّ كبير على المؤثّرات الصوتية التي تنتجها الأجهزة الاليكترونية الحديثة. لكنه يتميّز عن غيره في كونه فنانا مثقفا وذا رؤية وعلى اطلاع واسع على الموسيقى الكلاسيكية وعلى موسيقى العالم بشكل عام. وطوال الخمس عشرة سن...

محطّات

صورة
عندنا وعندهم منذ أيّام بثّت إذاعة البي بي سي حديثا مع مواطن عربيّ يعيش في بريطانيا قال فيه: أنا أعيش في هذه البلاد منذ ثلاثين عاما، وطوال هذه الفترة لم يسألني أحد من سكّان هذا البلد عن ديني على الإطلاق ولا عن مذهبي أو أصلي و فصلي! وفي مسجد "ريجنت بارك" ما أكاد أتعرّف على أحد من إخوتي المسلمين هناك حتى يسألني إن كنت سنّيا أو شيعيا، وهو يتّخذ موقفه منّي بحسب إجابتي عن سؤاله! وأضاف: ابني الذي يدرس في المدرسة الإنجليزية وعمره سبع سنوات تصادف أن قدّموا له مع زملائه طعاما يحتوي على لحم الخنزير لكنه رفض أن يأكل. فبادرت المعلّمة إلى الإلحاح عليه أن يتناول طعامه كبقيّة زملائه دون أن تعرف دينه، لكنه رفض وبكى! وفي اليوم التالي وبعد أن تبيّن للمدرّسة خطؤها أرسلوا اليّ في البيت خطابا من إدارة المدرسة يعتذرون فيها عن سوء الفهم الذي حدث ويؤكّدون على احترامهم للقوانين الإسلامية ويتعهّدون بعدم حدوث ذلك مرّة أخرى. انتهى كلام المواطن المسلم الذي يعيش في "بلاد الكفر". والسؤال: ترى كم يلزمنا من السنوات كي تصل مجتمعاتنا إلى بعض ما وصلت إليه مجتمعات الآخرين من تحضّر وتسامح ...