المشاركات

من أحاديث زوربا

صورة
كانت السماء صافية تماما والنجوم تبدو كبيرة متدلية من السماء ككرات من نار، بينما بدا الليل مثل وحش اسود كبير يجثم على الشاطئ. وازدحمت الكنيسة الدافئة بالقرويين. فوقف الرجال في المقدّمة أمام النساء، وعقد الجميع أيديهم فوق صدورهم. بينما اخذ الأب ستيفانوس، بقامته الطويلة وثوبه الموشّى بالذهب ووجهه الشاحب بعد صيام أربعين يوما، يروح ويغدو بخطى واسعة ويترنّم بأعلى صوته وبسرعة لكي يعود على عجل إلى بيته حيث تنتظره مائدة مثقلة بالحساء والشواء وسائر الأطعمة الشهيّة . ولو لم تقل الكتب المقدّسة أن النور ولد في مثل هذه الليلة لما نشأت الأسطورة وملأت الدنيا، ولمرّ الحادث كأيّ ظاهرة طبيعية عادية دون أن يلهب الأخيلة. لكن النور الذي ولد في صميم الشتاء أصبح طفلا والطفل أصبح إلها دانت له النفوس والأرواح عشرين قرنا. كنت سعيدا وقلت لنفسي: هذه هي السعادة الحقيقية. أن يعيش الإنسان بلا مطامع ويعمل ويكدّ كأنّ له ألف مطمع. وأن يحبّ الناس ويعمل لخيرهم دون أن يكون في حاجة إليهم. وأن يأكل ويشرب ويشترك في أعياد الميلاد دون أن يتورّط في المتاعب أو يقع في الفخاخ. وأن يسير على الشاطئ والنجوم فوقه والبحر إلى يمينه...

محطّات

صورة
أفرغ كأسك قرأت بالأمس قصّة جميلة وذات مغزى عن حدود المعرفة وعن قابلية الإنسان لاستيعاب أفكار وتصوّرات جديدة. تقول القصّة إن شابّا وصل إلى درجة من العلم بحيث تمكّن من قراءة معظم كتب المعرفة والحكمة القديمة، وزاد على ذلك بأن حصل على ارفع الشهادات الأكاديمية الحديثة. وقد سمع الشابّ عن معلّم عظيم يسكن الجبال ويقصده الناس لطلب الحكمة والمعرفة بأحوال وأمور الدنيا. وفي احد الأيّام قرّر الشابّ الذهاب إلى ذلك المعلّم في صومعته البعيدة كي يُجري معه نقاشا وليلتمس لنفسه منه بعض الحكمة. وعندما وصل إلى مكان المعلّم بدأ يحدّثه عن العلوم والمعارف والشهادات التي حصل عليها وعن الكتب التي قرأها في مسيرته لطلب العلم. وبينما كان الشابّ منهمكا في الحديث عن نفسه وصل الشاي. وأخذ المعلّم يصبّ الشاي في كأس حتى فاض الكأس عن آخره. لكنّه استمرّ يسكب الشاي في الكأس إلى أن تدفّق على الطاولة ومن ثمّ على الأرض. وهنا قطع الشابّ حديثه عن نفسه وقال منبّها المعلّم: لقد فاض الكأس عن آخره. ولا يمكنه أن يستوعب المزيد". فابتسم المعلم وقال: إنك تبدو مثل هذا الكأس تماما. كيف يمكنني أن أعلّمك الحكمة ما لم تفرغ ...

خواطر في الأدب والفنّ

صورة
استعادة الليل منقذ. وكثيرا ما يفعل. الليل يخفي بسحره الأخطار الكامنة والألم والهواجس العميقة. النهار يأتي بمفاجئاته المخيفة، بالصراع والتهيّج وعدم الارتياح. النهار يذكّرنا بالانضباط وبالسلوك الذي يتعارض عموما مع التفكير. النهار يجعلنا خاضعين للرغبة والسلطة والطموح. لكن الليل مسألة مختلفة. إنه يأتي من كوكب آخر، من عالم مختلف. الليل يجلب الرياح والظلام وستارة بلا اسم. الليل مختلف، لأنه ينقذنا من مزيد من الآلام والجراح. الليل يعيدنا إلى حالتنا الأصلية. يحمينا من المزيد من الأسئلة ويتركنا في سلام. الليل سبب طبيعي لأن نحيا من بين أسباب كثيرة لأن نموت. في الليل، نحن بعيدون عن الجموع، عن الأصدقاء، وعن التملّق بما فيه تملّقنا نحن. وإذا كان الليل متملّقا أيضا، فهو متملّق أمين. الليل لا يقدّر بثمن، لأنه يمنحنا المرآة التي نرى فيها أنفسنا وتكشف عن رغباتنا الدفينة التي هي أصدق أفكارنا. الليل يمنحنا تلك الكآبة اللذيذة ويوفّر لنا ملاذا من الجنون المتسارع للنهار، من الوجوه الرطبة لضوء النهار. الليل يسمح لنا بإغراق أنفسنا في مياه الأحلام العميقة وفي سيكولوجيا العقل الباطن. الليل عا...

أجواء روسيّة

صورة
أوّل مرّة سمعت فيها موسيقى موديست موسوريسكي "ليلة على الجبل الأجرد" كانت منذ سنوات في احد برامج الدراما أو لعله كان برنامجا وثائقيا. والحقيقة أن هذه القطعة بالذات ليست من تلك النوعية من الموسيقى التي يتمنّى الإنسان أن يسمعها في كلّ حين. فهي موسيقى متوتّرة، مظلمة بل وعنيفة إلى حدّ ما. لكنها مشهورة جدّا، وقد عرفها الناس أكثر بعد أن وظفت في الفيلم المشهور اوديسّا الفضاء. والمقطوعة تذكّرنا أجواؤها إلى حدّ كبير بالموسيقى المسماة طيران الفالكيري لـ ريتشارد فاغنر، وبموسيقى ريتشارد شتراوس هكذا تحدّث زرادشت Thus Spoke Zarathustra المستوحاة من عنوان رواية لـ فريدريك نيتشه. موسوريسكي استلهم هو الآخر معزوفته من قصّة قصيرة للكاتب الروسي غوغول يمزج فيها بين حكايات الجان والقوى الغريبة بأسلوب فلسفي وتأمّلي. وتزدحم القصّة بمشاهد الغربان والساحرات والأرواح والأشباح والليل والظلام وأجراس الكنائس. إلى آخره. والانطباع الذي تثيره هذه الموسيقى في النفس هو مزيج من الخوف والترقّب. وما يكثف هذا الإحساس في نفس السامع بدايتها الدراماتيكية الصاخبة التي تصوّر لحظة وصول الآلهة السوداء إلى الجبل الأجرد. ث...

تأمّل من أوبرا ثاييس

صورة
هذه المقطوعة الكلاسيكية المشهورة تنتمي إلى ذلك النوع من الموسيقى التي تسمعها مرّة إثر مرّة دون أن تملّ سماعها. كتب جول ماسينيه Jules Massenet المعزوفة كجزء من أوبرا ثاييس التي ألفها الأديب الفرنسي اناتول فرانس، وفيها يتحدّث عن إحدى محظيّات البلاط في مصر واسمها ثاييس. عاشت هذه المرأة في القرن الرابع الميلادي واعتنقت المسيحية على يد راهب كان يعيش في الصحراء اسمه اثاناييل. وفي ما بعد، وعلى غرار ما يحدث في قصص مشابهة، تحوّلت المرأة إلى قدّيسة. تقول القصّة إن الراهب كان يعرف ثاييس منذ أن كانت طفلة، وقد ساءه أن تصبح إحدى نساء البلاط. ورأى أن من واجبه أن يذهب إليها لينقذها من ذلك المكان الذي كان يعتبره مرادفا للتهتّك والرذيلة. وبعد عدّة محاولات، استطاع الراهب إقناع المرأة بأن "تهب نفسها للربّ" وبأن تعود معه ليعيشا في ديره في الصحراء. لكن لأن ثاييس كانت تتمتع بجمال لا يقاوم، وهو أمر فاجأ الراهب الذي رآها أخيرا وهي ترقص في إحدى حفلات القصر، فقد وجد الرجل نفسه واقعا في حبّها. وأصبح هو أيضا بحاجة إلى من ينقذه من ذلك الشعور الذي كان يدفعه لاشتهاء امرأة طالما سعى لإنقاذها وانتشالها ...

قصص ملوّنة

صورة
فجوة في الجدار كلّ ممنوع مرغوب. والنار تحرق أكثر إذا لم تُطفأ في الوقت المناسب. تضع أذنها لصق الجدار. تصيخ السمع باهتمام. تتابع كلّ كلمة تأتيها من خلال الفجوة المحفورة في الحائط. هو على الطرف الآخر منهمك في بثّ حبّه وشوقه لها. هكذا هما دائما. منشغلان ببعضهما آناء الليل والنهار. أصبحا قريبين من بعضهما بحكم الجوار. ومع الأيّام تطوّرت العلاقة إلى حبّ عميق وجارف. لكنّ ذلك الحبّ لم يكن مقيّضا له أن يسير إلى نهايته. فقد اصطدم بعناد والديهما اللذين رفضا زواجهما برغم المحاولات الكثيرة والمتكرّرة. غير أن الرفض لم يطفئ جذوة الحبّ في قلبي العاشقين، بل زادها توهّجا واشتعالا. لذا هما يقضيان ليلهما ونهارهما إلى جوار الجدار.. يتهامسان ويتناجيان. اسمه بيراموس. كان أكثر الشباب وسامة في أرض بابل. واسمها تيسبي. كانت أجمل الفتيات فيها. حدثت قصّتهما أثناء حكم الملكة سميراميس. مرّت الأيّام وهما على تلك الحال. الزواج غير ممكن. وكلّ محاولات الإقناع لم تفلح في ثني الأبوين عن رأيهما. وذات يوم، ومثل ما يحدث عادة في هذا النوع من القصص، قرّرا الهرب. كانا قد تواعدا على اللقاء في غابة تقوم على أطرافها شجرة توت ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
دالي واكتشاف أمريكا في إحدى مراحل حياته الفنّية، شعر سلفادور دالي بالملل من تكرار مواضيع لوحاته وقرّر أن الوقت قد حان لرسم لوحة تترجم مشاعره الوطنية وتتحدّث عن تاريخ بلده اسبانيا. وقد اختار لهذا اللوحة موضوعا غريبا بعض الشيء، وهو اكتشاف كولومبوس للعالم الجديد أو القارّة الأمريكية. ومبعث الغرابة هو أن جنسية كولومبوس نفسه كانت وما تزال موضع جدل واسع. فبعض المؤرّخين يعتبرونه ايطاليّا. والبعض الآخر يذهبون إلى انه كان في الأصل اسبانيّا وأن عائلته نُفيت من اسبانيا في احد الأوقات واتخذت من ايطاليا وطنا جديدا. ومع ذلك يقال أن كولومبوس لم يكتب أبدا بالايطالية وأن كلّ كتاباته، بما فيها مذكّراته عن وقائع اكتشافه لأمريكا، كانت باللغة الاسبانية. دالي في اللوحة يرسم اكتشاف كولومبوس لـ أمريكا. وكولومبوس يحمل ملامح دالي نفسه ويظهر إلى يسار المنظر وهو يقود إحدى سفنه بعد رسوّها على شواطئ العالم الجديد، بينما يمسك في يده اليمنى بعصا تعلوها صورة ضخمة لزوجة دالي وملهمته غالا. وإلى يمين كولومبوس شخص يمسك بسارية. وإلى جانبه مباشرة، أي في الزاوية اليمنى إلى أسفل، شخص آخر يغطّي رأسه برداء...