المشاركات

ربّات الإلهام

صورة
لمئات السنين، كان وجود الملهمات ضروريا لخلق الفنّ والإبداع. وجه هيلين أميرة طروادة أطلق ألف سفينة حربية وأشعل حربا دامت عشر سنوات. ساسكيا ألهمت رمبراندت رسم الكثير من تحفه الخالدة. هوميروس استدعى ملهمة وهو يخطّ أولى كلمات الإلياذة. في الأزمنة القديمة كانت الملهمات آلهة. كنّ بنات كبير الإلهة زيوس وزوجته منيموزين. في البداية، كانت هناك ثلاث ملهمات فقط. الشاعر هيسيود زاد عددهنّ إلى تسع. كان الرومان البيروقراطيون هم الذين حدّدوا وظيفة وتخصّصا معيّنا لكلّ منهن. واحدة للرقص وأخرى للشعر وثالثة للكوميديا .. وهكذا. في اليونان القديمة، كانت الملهمات يقصدن كلّ شاعر واعد ويمنحنه ثلاث هدايا: غصن غار وصولجانا وصوتا جميلا يغنّي به قصائده. غير أنهنّ كنّ قاسيات مع من يتحدّاهن. في إحدى المرّات طلب شاعر منافستهنّ فأصبنه بالعمى والبكم. وتقول أسطورة أخرى إن السيرانات، وهي مخلوقات خرافية برأس امرأة وجسم طائر، حاولن أن يتنافسن مع الملهمات فهزمنهن. ونتيجة لذلك فقدن أجنحتهنّ وسقطن في البحر. ملهمة بيكاسو، ميري تيريز والتر، كانت وراء فكرة لوحته الحلم وغيرها من اللوحات. اوفيد في بداية كتاب "التحو...

مناظر من أركاديا

صورة
استوحى نيكولا بُوسان لوحاته عن أركاديا من الأدب الكلاسيكي وأودع فيها صورا لجمال مثالي وخالد يظهر فيه الشخوص بهيئات نبيلة وبملامح تشبه شكل التماثيل القديمة. وعندما تتأمّل صوره عن الطبيعة الرعوية، سرعان ما تكتشف سحرها وقوّتها التعبيرية الكبيرة والمزاج الشعري والحالم الذي تصوّره. ويُعزى الفضل لـ بُوسان في إضفاء مسحة كلاسيكية على الرسم في فرنسا. ومن أجل تلك الغاية، ذهب إلى روما وأقام فيها سنوات طوالا. هناك، وضع رسم الباروك في قلب العالم القديم. لكنه اظهر الجانب المظلم من أركاديا عندما شكّك في التصوّرات القديمة عن بساطة الحياة الرعوية والريفية في اليونان القديمة. كان يرى العالم القديم عالما متخيّلا وكان ينظر إلى أركاديا كمكان ساذج أكثر من كونه مكانا مثاليّا. الطبيعة كانت وسيلة بُوسان المفضّلة للتعبير عن أفكاره وقناعاته. وكان يرسمها ليؤكّد على إحساسه بالمكان. وتكثر في صوره مشاهد الرعاة والبحيرات والجبال والأشجار والأوراق التي تذرها الرياح. وفي لوحاته، كلّ عنصر له وظيفة. حتى الظلال لها شخصيّتها المستقلّة داخل البناء العام للوحة. كما أن كلّ شيء يبدو في حالة حركة. فالطبيعة عند الرسّا...

على العشاء مع ليوناردو

صورة
"العشاء الأخير" لوحة مشهورة ومألوفة كثيرا. وقد تناول النقّاد هذا العمل بالشرح والتحليل من أكثر من زاوية ومنظور. عمر اللوحة أكثر من خمسمائة عام. وبسبب عوامل التقادم وكثرة عمليات الترميم، فقدت اللوحة جزءا كبيرا من تفاصيلها وألوانها. بعض أصحاب الخيال الواسع حاولوا إعادة بناء اللوحة من خلال البرامج الرسومية وافترضوا أن هذه كانت صورتها الأصلية عندما فرغ ليوناردو من رسمها. والبعض الآخر أضافوا إليها عنصرا طريفا أو خلعوا عليها حلّة عصرية. في المقال المترجم التالي يتحدّث "جون فاريانو" عن اللوحة من منظور مختلف. "العشاء الأخير" تصوّر أشهر مائدة في التاريخ. ومع ذلك، قد لا يلاحظ الكثيرون طبيعة الطعام وأصناف الغذاء الموضوعة فوق المائدة أمام المسيح وحواريّيه. كان رسّامو عصر النهضة يهتمّون برسم الأحداث التاريخية التي تتضمّنها النصوص المقدّسة. وكانوا أحيانا يضمّنون لوحاتهم عناصر من عندهم ولغايات فنية قد لا يكون لها علاقة بما تذكره النصوص الدينية. وبعض الرسّامين كانوا يضعون القصّة في سياق زماني معاصر، كأن يُلبسوا الشخصيات ثيابا حديثة تعكس عادات وثقافة عصرهم. ليوناردو ...

ورق سولوفان

صورة
منذ أيّام، سمعت القصّة التالية من عامل كهربائي يشتغل بأحد محلات السباكة والكهرباء. قال: جاءني في المحلّ قبل يومين شخص طلب منّي أن اذهب معه لإصلاح عطل هاتفي في منزل كفيله. وفعلا ذهبت مع الرجل إلى المكان الذي وصفه. وفي الطريق حدّثني عن عمّه فقال انه من أعيان المجتمع وأن الله آتاه رزقا وافرا وانه ينفق من ثروته على بناء المساجد داخل البلاد وخارجها. وأضاف انه لا يكاد يمرّ شهر دون أن تنشر الصحف خبرا عن بناء مسجد أو جامع جديد في هذا البلد أو ذاك على نفقة ذلك الرجل التقيّ الورع. كنت اسمع هذا الكلام بكثير من الارتياح والفرح. وقلت في نفسي: جزى الله هذا الرجل الصالح خيرا على غيرته على الدين وحرصه على إعلاء كلمة الله في كلّ الأماكن والأصقاع. المهم، بعد مسيرة نصف ساعة وصلنا إلى المنزل الذي كانت هيئته تشي بمكانة الرجل وأهميّته وقيمته الاجتماعية العالية. وأخذني العامل إلى حيث يجب أن أباشر إصلاح الخلل. وبعد حوالي ساعتين من الجهد المضني الذي تطلّب تفكيك "السويتش بورد" وترتيب المفاتيح والخطوط والوصلات والأسلاك لإعادتها إلى وضعها الصحيح، اصطحبني العامل إلى الشيخ كي يعطيني أجري. وعندما رآني قال:...

اللوحة الكاملة

صورة
هذه اللوحة تختصر كلّ معاني الكمال. "امرأة شابّة مع إبريق ماء" هي نموذج للوحة الكاملة، بتوليفها المحكم وتنفيذها البديع والرائع. حتى أفضل النسخ منها لا يمكن أن تنقل لنا الإيقاع الدقيق لضوئها الأزرق والأبيض الجميل. بل وحتى أكثر الكلمات المختارة بعناية لا يمكن أن تصف جمال هذه اللوحة الصامت والمدهش. ومن الواضح أن قوّة اللوحة لا تتناسب مع حجمها. إذ لا توجد قطعة قماش مغطّاة بالأصباغ وعلى هذا النحو من الصغر يمكن أن تكون أكثر إثارة للإعجاب من هذه اللوحة. الكلام هنا لا لزوم له. فما الذي يمكن أن يقال عن شيء هو كامل في ذاته؟ أتذكّر عبارة قالها نيتشه في كتابه "أفول الأصنام" عن أيّ شخص يحاول الكتابة عن الفنّ العظيم. قال: أيّا تكن الكلمات التي عندنا، فإن الواقع يتجاوزها". في لوحة فيرمير نرى كيف أن الاعتيادي والمألوف يسمو إلى درجة الشِعر بما يتجاوز الكلمات. ثمّة جمال وغموض هنا لا نستطيع أن نلمسه. الصيغة البلاغية القديمة صحيحة: الكلمات تفشل. وهي حالة غير مريحة للشخص الذي ينوي الكتابة عن الرسم. عندما نواجه المطلق أو اللانهائي يمكن أن نستسلم للصمت أو نصاب بالجنون. الأمران...

دورا مار

صورة
قبل أن آتي إلى بريطانيا منذ أكثر من ثلاثين عاما، تخلّصت من معظم ما كنّا نحتفظ به في منزلنا من لوحات فنّية، وذلك إمّا بإهدائها إلى بعض معارفنا أو وضعها في عهدة آخرين لحفظها. وبعد سنوات، ندمت كثيرا على تفريطي في تلك اللوحات. إحداها ظلّت تؤرّقني دائما. كان قد أهداها لنا فنّان شابّ من غويانا. أتذكّر هدوء تلك اللوحة الغامض وألوان خلفيّتها الدافئة. الشخصيّة فيها ترتفع مثل أبي الهول من بين الأنقاض الزرقاء لجدار. وعندما عدت لأرض الوطن بعد سنوات، بحثت عن اللوحة إلى أن وجدتها في بيت عائلتنا القديم. فأعدتها معي إلى انجلترا. وأصبحت اللوحة شاهدا على قوّة الفنّ الذي يلاحقنا ويلتصق بنا ويغذّي أرواحنا. إن قدرة الفنان على تحويل ألوانه إلى أشكال ومشاعر كانت دائما تحيّرني وتدهشني. ولا يقلّ عن ذلك فتنةً ذلك التفاعل والعلاقة المتبادلة بين أشكال الفنّ المختلفة من شعر ونحت وموسيقى ورسم. غير أن العلاقة بين الرسم والشعر، على وجه الخصوص، تتسم بالعمق والقوّة. فالاثنان محصّلة لرغبتنا في أن نصنع من الاعتيادي والمألوف شيئا جديدا، وأن نلتقط تجربة أو خبرة معيّنة بطريقة حيّة ومركّزة. وكلا الاثنين، أي الشعر والرس...

آدامز: شاعر الطيف الرمادي

صورة
في بدايات عهدي بالانترنت، كان أوّل ما وقعت عليه عيناي آنذاك صور آنسل ادامز عن الطبيعة باللونين الأبيض والأسود. كانت تلك الصور مليئة بالحيوية والدراماتيكية وكان لها تأثيرها البصري والجمالي الخاصّ. كان ادامز يفضّل غالبا اللونين الأبيض والأسود، لأنه كان يعتقد بأنه يستطيع من خلالهما أن يرى الطبيعة بشكل أفضل دقة وتفصيلا ممّا يمكن للألوان الأخرى أن تحقّقه. كان ادامز احد أعظم فنّاني الطبيعة في القرن العشرين. وقد استطاع أن يحوّل التصوير الفوتوغرافي إلى شكل من أشكال الفنّ. وكان دائما مدافعا عن جمال الطبيعة والتنوّع البيئي. كان يقول: إن العالم بالنسبة لي كيان حيّ. وأنا لا استطيع أن انظر إلى عشبة صغيرة في الأرض دون أن اشعر بمعنى الحياة. إن كلّ مفردات الطبيعة أحسّ بها في داخلي. ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الجبل أو عن جزء من المحيط أو بقعة جميلة من غابة قديمة. إن كلّ شيء فعلته أو أحسست به كان بتأثير من جمال الطبيعة. كنت أراقب تحوّل الشفق إلى ليل وأتمعّن في اللمعان الغريب للنجوم والبريق الواهن للسماء قبيل الفجر. وكنت اتأمّل شروق الشمس على القمم والقباب من حولي وتلك الرياح الباردة المنعش...