المشاركات

مكان الإنسان في المنظر الطبيعي

صورة
ما هو دور الإنسان في المنظر الطبيعي؟ غينسبورو لم يكن يساوره شكّ في أن وظيفة الإنسان هي أن يملأ الفراغ في المنظر أو أن ينشئ عملا بسيطا يمكن أن يصرف انتباه العين عن الأشجار للحظات قبل أن تعود للتركيز عليها مجدّدا. أي أن وجود الشخص في المنظر الطبيعي هو وجود إضافي أو كمالي وليس أساسيّا. لوحات المناظر الطبيعية هي موضوع بيئي، لأنها تصوّر العلاقة بين الطبيعة والبشر، بين الأرض وساكنيها. وبعض الرسّامين طبّقوا شعار وليام بليك الذي يقول: حيث لا يوجد إنسان، تصبح الطبيعة قاحلة". وبالنسبة لهم، فإن العالم الأخضر ليس سوى مكان أو خلفية تجري عليها القصص والأحداث الإنسانية. لكنْ بالنسبة لآخرين مثل غينسبورو فإن العكس هو الصحيح. فالأشجار هي العنصر الأهمّ. أما العنصر الإنساني فليس سوى علامة أو رقم لا وظيفة له سوى سدّ أو ملء الفراغ في اللوحة. لكنّ هناك نوعا من المناظر الطبيعية التي تكون فيها علاقة الإنسان بالطبيعة أشدّ تعقيدا وأكثر دراماتيكية. تأمّل، مثلا، هذه اللوحة للرسّام الفرنسي كلود لورين. عُرف هذا الفنّان بمناظره المتوهّجة ذات الألوان الزرقاء والبنيّة والخضراء والتي تثير شعورا بالسكينة ...

نساء خطِرات

صورة
في الكتب الدينية القديمة، يرد ذكر امرأتين هما جوديث وسالومي كانتا موضوعين مهمّين في لوحات رسّامي القرنين السادس عشر والسابع عشر. اقتران سيرة حياة هاتين المرأتين بالقصص المخيفة عن قطع رؤوس رجال أقوياء جعل منهما ما يشبه الأسطورة التي فتنت أجيالا متعدّدة من الأدباء والفنّانين. وعندما يفكّر المرء في النساء الخطيرات يتذكّر سوزانا وحتى مريم المجدلية وزوجة الفرعون. والقائمة يمكن أن تطول أكثر من ذلك. وما يثير الانتباه بشكل خاصّ هو وجود أوجه شبه مهمّة بين شخصيّتي سالومي وجوديث. جوديث، مثلا، هي بطلة من العهد القديم قامت بإغراء هولوفيرنس الذي كان جنرالا عُرف باضطهاده لليهود. وتذكر القصّة أن المرأة تسلّلت إلى معسكر الجنرال واستطاعت أن تسيطر على مشاعره وتأسر قلبه. وفي إحدى الليالي أكثرت له الشراب إلى أن فقد وعيه، ثم قامت بقطع رأسه ولفّته في قطعة قماش وحملته بصحبة خادمتها إلى قومها. من جهة أخرى، سالومي هي شخصيّة من العهد الجديد، وقد رقصت لزوج أمّها الملك الآشوري هيرود الذي وقع تحت تأثير جمالها. وتحت إلحاح أمّها طالبت برأس يوحنا المعمدان كمكافأة. وفي تفاصيل هذه القصّة أن هيرود كان قد قام بسجن...

قصص ما قبل النوم

صورة
بعض الأعمال الموسيقية العظيمة لا تحتاج سوى إلى ومضات سريعة من الإلهام والخيال حتى تتجسّد وتكتمل. وشهرزاد هي مثال على هذا. فقد كتبها نيكولاي ريمسكي كورساكوف في فترة لا تربو على الثلاثة أشهر. ومع ذلك انتشرت بسرعة واشتهرت على نطاق واسع وأصبحت اليوم من بين أفضل الأعمال الكلاسيكية التي تُعزف بانتظام. وقد اعتمد كورساكوف في تأليفها على حكايات ألف ليلة وليلة. وكلّ مقطع في شهرزاد يعبّر عن صورة ما أو عن مزاج معيّن في تلك الحكايات. وقد اختار الموسيقيّ أن يطلق على كلّ حركة من الحركات الأربع عنوانا وصفيا خاّصا به. فالحركة الأولى اسمها البحر وسفينة السندباد. والحركة الثانية تصوّر حكاية الأمير كالندار الذي يتخفّى في الحكاية بقناع ساحر أو مهرّج. والحركة الثالثة تصوّر قصّة الحبّ بين الأميرة بدور والأمير قمر الزمان. والحركة الرابعة تصوّر سلسلة مشاهد تبدأ بالمهرجان في بغداد ثمّ مشهد البحر فتحطّم السفينة. على أن أهمّ سمة في هذا العمل الموسيقي الجميل هي صوت الكمان المنفرد الذي يُسمع في كافّة أجزائه. أنغام الكمان السائلة في شهرزاد تولّد إحساسا رومانسيا عميقا تتخلّله بين وقت وآخر لحظات تأمّل وحزن وشجن...

لغة الطيور

صورة
هل سمعت عن لغة الطيور؟ وابتداءً، هل للطيور لغة؟ الفلاسفة القدماء تحدّثوا كثيرا عن لغة الطيور وأسرارها وعلاقتها بالبشر وبالطبيعة. قبل أيّام كنت أشاهد على التلفزيون لقاءً شيّقا مع عالم قال انه درس لغة الطيور وأصبح يفهم الكثير من أسرار تلك اللغة ورموزها. كان واضحا أن الرجل ملمّ بتخصّصه وبارع فيه. وقد قال إن أصحاب الطيور كثيرا ما يستعينون به في معالجة الحالات التي تعتري سلوكيات بعض الطيور اعتمادا على تحليل أصواتها ونبراتها ومن ثمّ ربطها بالأنماط السلوكية والحالة السيكولوجية للطائر. كلام ذلك العالم وجدته مثيرا للاهتمام ودفعني لأن اقرأ أكثر لأعرف المزيد عن هذه اللغة الغريبة، فكان هذا الموضوع الذي يعتمد في جانب منه على بعض ما كتبه هارولد بيلي في كتابه بعنوان اللغة الضائعة للرموز . القرآن الكريم فيه أكثر من آية تتحدّث عن لغة الطير. إحدى الآيات تشير إلى سليمان الحكيم الذي تعلّم لغة الطيور وأوتي خيرا كثيرا. كان يفهم لغة الطيور وله قصص كثيرة مع الجنّ والحيوانات والطيور. هذه اللغة تسمّى أحيانا اللغة الخضراء. وفهمها من شأنه أن يعزّز علاقة الإنسان بالطبيعة ويعمّق فهمه لها. الملك سليمان لم يكن...

خطوط وألوان

صورة
بيير اوغست رينوار، على شاطئ البحر، 1883 كان شاطئ فرنسا الشمالي قبلة الرسّامين الانطباعيين. وقد تحوّل الشاطئ بسرعة من كونه مكانا يؤوي الأسر الفقيرة التي تعيش على الأسماك والملاحة ليصبح قبلة لهواة قضاء العطلات من السيّاح والزوّار الذين كانوا يؤمّون المكان ابتداءً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر. في صيف عام 1883 قضى رينوار حوالي شهر في بقعة ما من ذلك الشاطئ كان يراقب خلاله الصخور والمنحدرات الجبلية وأمواج البحر. وأثناء إقامته هناك رسم خمس عشرة صورة من أشهرها هذه اللوحة التي يصوّر فيها ألين شاريغو عشيقته وزوجته المستقبلية. وقد رسمها بحاجبين داكنين ووجه متورّد وجميل، وهي سمة مألوفة ومتكرّرة في لوحات رينوار. كانت ألين ترافق رينوار في تلك الرحلة. وهي كانت موديله المفضّل، وقد رسمها في العديد من لوحاته. كان رينوار وقتها يمرّ بأزمة فنّية. إذ كان ما يزال يحاول التوفيق بين العناصر المرغوبة في الانطباعية من ضوء وظلّ وما كان يعتبره أوجه نقص فيها. هذه المعركة الجمالية التي خاضها رينوار بالإمكان رؤيتها في بعض مشاهده في تلك الفترة ومن بينها هذه اللوحة. لاحظ مثلا كيف انه اعتمد أسلوبا كلاسيكيا في ر...

حِوار الثلج والنار

صورة
على ضوء شمعة واهنة، كان يجلس طفل صغير يحتضن كوب حليبه الساخن قبل النوم ويحاول في الوقت نفسه اتقاء وهج النار المنبعثة من المدفأة إلى جواره. كلّ ما كان يسمعه كان عويل رياح الشتاء المتجمّدة وهي تبحث لها عن شقوق لتختبئ فيها. ومع انه كان يستطيع مشاهدة تساقط حبّات الثلج عبر النافذة، فإن عينيه كانتا تفضّلان متابعة ألسنة اللهب وهي ترتفع إلى فوق لأنها تذكّره بصور وأخيلة من الحكايات التي كانت تقصّها عليه أمّه. كلّنا نختزن في ذاكرتنا مثل هذه الصور عن ليالي الشتاء. لكنّها أصبحت نادرة هذه الأيام مع وجود التكنولوجيا الحديثة وتطوّر وسائل التدفئة وتوافر الأبواب والشبابيك التي تُغلق بإحكام لتوفّر أجواءً دافئة ومريحة داخل البيوت. قبل أكثر من مائة عام كانت هذه الصور شائعة جدّا، خاصّة بالنسبة لطفل فنلندي مثل جان سيبيليوس. ومع ذلك فقد وجد فيها فائدة غريبة. الفصول في فنلندا واضحة المعالم جدّا. فالربيع، مثلا، يبدأ فجأة في اللحظة التي تتصدّع فيها الأرض ليسيل الجليد ولتأخذ الأرض بعدها شكلها الأوّل. مثل هذه الأطوار المتغيّرة التي يمرّ بها الطقس تُعتبر مسألة مألوفة ما لم تمعن النظر جيّدا في التأثير ال...

افاتار بين الحقيقة والخيال

صورة
هناك الكثير مما قيل ويقال هذه الأيام عن فيلم افاتار ممّا يستحقّ المتابعة والاهتمام. وقد لفت انتباهي ردود الفعل الكثيرة والمتباينة حول الفيلم. الفاتيكان، مثلا، قال إن الفيلم عادي و"غير ضارّ". الصينيون مهتمّون بمعرفة طبيعة النباتات والأعشاب التي ظهرت في الفيلم. الأمريكيون يرون إن الفيلم يسيء إلى الجيش الأمريكي ويشوّه صورته. وهناك أيضا من رأى في الفيلم إشارات عنصرية بتركيزه على تفوّق الإنسان الأبيض الذي يلعب دور المنقذ والمخلّص. لكن ما حكاية هذا الفيلم؟ وما سرّ شعبيّته الكبيرة التي تزداد كلّ يوم؟ ولماذا يستأثر بكلّ هذا الاهتمام الذي نراه ونلمسه هذه الأيّام؟! للأسف لم أشاهد الفيلم بعد، لأنه ببساطة لا توجد عندنا سينما حتى إشعار آخر. قد أتمكّن من مشاهدته مستقبلا، فأكتب عنه، له أو عليه. لكنْ من واقع ما قرأته عنه عرفت، مثلا، انه فيلم فانتازي يستند إلى قصّة متخيّلة عن كوكب بعيد وناء يتعرّض لغزو سكّان الأرض الباحثين عن مصدر للطاقة بعد نفاد البترول من باطن الأرض. وفي التفاصيل أن الفيلم كسر أرقاما قياسية عديدة. فهو أعلى الأفلام تكلفة وأسرع فيلم يصل إلى حاجز البليون دولار في شبّاك التذا...