المشاركات

أصداء من الماضي

صورة
"أصبحت اعتقد أن العالم كلّه ما هو إلا عبارة عن لغز. وقد تحوّل هذا اللغز إلى شيء مخيف بفضل محاولاتنا المجنونة لأن نفسّره كما لو انه ينطوي على حقيقة ما". - امبيرتو إيكو تحكي رواية "جزيرة اليوم السابق" للكاتب الايطالي امبيرتو إيكو عن قصّة روبيرتو ديلا غريفا النبيل الايطالي الشابّ وأسفاره حول العالم. عندما كان مراهقا، اشترك روبيرتو في عملية حصار، الأمر الذي غيّر نظرته إلى الحياة. والده مات في ذلك الحصار، وفي ما بعد يقرّر روبيرتو أن يغادر ارض أبيه وينتقل إلى مكان آخر. ويستقرّ في باريس مع نخبة المثقفين الذين كانوا يعيشون في تلك الفترة، أي منتصف القرن السابع عشر. المشهد الباريسي الذي يرسمه امبيرتو إيكو ملوّن جدّا ويضمّ العديد من الشخصيات الخيالية والحقيقية مثل الكاردينال ريشيليو والكاردينال مازارين، بالإضافة إلى شابّ في السابعة عشرة من عمره يعكف على تصميم آلة حاسبة. تبدأ القصّة عندما يكتشف روبيرتو انه الناجي الوحيد من حادث غرق سفينة وأنه أصبح على متن سفينة أخرى. لكن الغريب أن هذه السفينة الأخيرة مهجورة وهي تبدو كما لو أن طاقمها هربوا من شيء ما بشع، تاركين وراءهم كل...

فنّ الحداثة وانتهاك الجمال

صورة
يتحدّث الفيلسوف البريطاني روجر سكروتون في هذا الكتاب عن الجمال كفلسفة وكقيمة أخلاقية وروحية. ويقارن بين مفهوم الجمال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وما أصبح عليه حال الأدب والفنّ والموسيقى منذ بدايات القرن العشرين. يقول المؤلّف: الجمال هو الغاية النهائية لأيّ منتج فنّي أو شعري أو موسيقيّ. ويضيف: بعد الحداثة تغيّر كلّ شيء. أصبحت غاية الفنّ بشكل متزايد هو أن يزعج وأن يخرّب وأن ينتهك المسلّمات والقوانين الأخلاقية. لذا ثمّة الآن حاجة ماسّة لإنقاذ الفنّ والأدب الحديث من الإدمان على القبح. ويتحدّث سكروتون في كتابه عن ما يصفه بحزب تدنيس الجمال الذي تزعّمه الأدباء والكتّاب الفرنسيون الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية مثل جورج باتاي وجان جينيه وجان بول سارتر. ويشير إلى أن هناك فنّانين عظاما حاولوا إنقاذ الجمال من تخريب المجتمع الحديث مثل الشاعر تي اس اليوت ومثل عدد من الكتاب والأدباء الأمريكيين الذين رفضوا أن ينظروا إلى العالم المعاصر وكأن لا شيء فيه سوى القبح والدمامة. ويضيف: كان كلّ من الرسّام ادوارد هوبر والموسيقيّ سامويل باربر يعتبران أن التجاوز المصحوب بالتباهي كان مجرّد وسيل...

لعنة الصبيّ الباكي

صورة
ترى ما الذي يمكن أن يجذب الإنسان إلى هذه اللوحة؟ هل هو جمال الصبيّ؟ أم عيناه الدامعتان وملامحه الحزينة التي تستدرّ الرحمة والشفقة؟ هذه اللوحة تحوّلت مع مرور الأيّام إلى ما يشبه الأسطورة وأصبحت أكثر شهرة من الفنّان الذي رسمها والذي بقي اسمه إلى اليوم محلّ خلاف وجدل. وجزء مهمّ من أسباب شهرة اللوحة يعود إلى حقيقة أنها أصبحت مرتبطة بقصص الفلكلور وبالثقافة الشعبية التي تميل إلى ربط بعض الصور بظواهر السحر والأشباح والحظ السيئ، إلى غير ذلك من الظواهر الميتافيزيقية والغامضة. بداية القصّة تعود إلى العام 1985م الذي شهد اندلاع سلسلة من الحرائق المفاجئة والغامضة في بعض أرجاء بريطانيا. الأمر المحيّر هو انه بعد كلّ حادث حريق، يتبيّن أن الشيء الوحيد الذي لم تلتهمه النيران هو لوحة تصوّر صبيّا صغيرا دامع العينين. هل يمكن أن تكون هذه مصادفة؟ في كلّ حالة من هذه الحالات، كانت النار تلتهم كلّ موجودات البيت باستثناء لوحة الصبيّ الباكي التي لم يظهر عليها أيّ علامة تدلّ على أنها تأثّرت بالحريق. إحدى صحف التابلويد البريطانية بدأت تستقبل اتصالات هاتفية من العديد من الناس الذين كانوا ينقلون قصصا مماثلة. احد ال...

المدن والذاكرة

صورة
إن كنت تبحث عن رواية تتضمّن حبكة أو خيوطا تُنسج حولها الأحداث فستُصاب على الأرجح بالإحباط وأنت تقرأ رواية "مدن الخيال" للكاتب الايطالي ايتالو كالفينو. أما إن كنت ممّن يستمتعون بوصف المَشاهد والأفكار غير العاديّة المنسوجة بالكلمات، فلا بدّ وأن تأسرك هذه الرواية وتثير اهتمامك. محاولات تصنيف رواية كالفينو غير مجدية. لكن يمكن القول إنها رواية سوريالية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة. والرواية بأكملها هي نوع من قصص الفلكلور المبنيّة على سلسلة من المغامرات المثيرة والمشوّقة. يتألّف الكتاب من خمسة وخمسين وصفا لمدن مختلفة ضمن حوار فكري متخيّل بين كلّ من الرحّالة الايطالي ماركوبولو والإمبراطور المغولي قبلاي خان. وليس من الواضح ما إذا كانت هذه المدن حقيقية أم أنها مجرّد أوهام في عقل كلّ من الرجلين. والرواية لا تختلف عن أعمال أدبية رومانسية عديدة في كونها تصف قوّة الذاكرة والحنين إلى أماكن وأحداث تلاشت واختفت بفعل الزمن. وأنت تقرأ هذه الرواية، ربّما يتعيّن عليك أن تتوقّف بعد كل قصّة وأن تفكّر وتتأمّل الأسلوب الجميل للكاتب الذي يمزج في سرده بين الشعر والنثر الرفيع. والحقيقة أن الكثير ...

زمن البراءة

صورة
بعض الأعمال التشكيلية المعروفة وجدت طريقها إلى عدد من الأفلام السينمائية المشهورة. أحيانا تكون شهرة اللوحة أو قيمتها الإبداعية أو السعر الباهظ الذي بيعت به سببا يدفع بعض المخرجين إلى توظيفها في المشاهد الفخمة لأفلامهم. وفي بعض الأحيان، تضفي اللوحة جوّا من البذخ أو الرفاهية على قصّة الفيلم. وفي بعض الحالات، تصبح اللوحة عنصرا رئيسيا في العمل السينمائي، إمّا للتأكيد على فكرة أو رسالة ما أو لتعميق الجانب التعبيري للفيلم. ومن أبرز الرسّامين الذين وُظفت لوحاتهم في أفلام سينمائية مشهورة كلّ من ليوناردو دافنشي وبيتر بريغل وفان غوخ وغوستاف كليمت وغيرهم. في الموضوع التالي تتحدّث مون سويونغ عن لوحة للرسّام الرمزي البلجيكي فيرناند كينوبف ظهرت مؤخّرا في فيلم زمن البراءة. كما تحاول الكاتبة فهم الدلالات الاجتماعية والسيكولوجية والفنّية والانثروبولوجية للوحة ضمن سياق قصّة الفيلم. ❉ ❉ ❉ نيولاند آرتشر محام وسيم ووريث عائلة من الطبقة الثريّة في نيويورك أواخر القرن التاسع عشر. كان آرتشر يأمل بالزواج من شابّة جميلة من عائلة مكافئة لعائلته من حيث الوجاهة والثراء اسم...

نساء الاوديسّا

صورة
في ملحمة الاوديسّا، يقدّم هوميروس نماذج متعدّدة ومختلفة للنساء وللكيفية التي كان ينظر بها المجتمع الأبويّ الإغريقي إلى المرأة. في ذلك الوقت لم تكن النساء يتمتّعن بالكثير من الحرّية. كما كان الهامش المتاح للمرأة في اختيار طريقة حياتها ومستقبلها ضئيلا. كانت المرأة المثالية عند الإغريق عموما هي تلك الوفيّة لبيتها والمطيعة لأوامر زوجها. لكن الاوديسّا تتضمّن أفكارا أخرى كثيرة. والملحمة نفسها تتمحور حول رحلة اوديسيوس التي يرصد هوميروس من خلالها مراحل التطوّر الفكري والروحي التي يمرّ بها البطل في رحلته. كما تتناول بعض القيم التي كانت سائدة زمن هوميروس مثل الوفاء والعزيمة وكرم الضيافة وما إلى ذلك. ❉ ❉ ❉ حدث ذات مرّة أن قذف الموج برجل في منتصف العمر على شاطئ جزيرة منعزلة. قبل 19 عاما، كان اوديسيوس قد بدأ رحلته من موطنه ليحارب في طروادة. لكن طروادة كانت قد سقطت قبل ذلك بـ 10 سنوات. والآن مضت تسع سنوات أخرى ولم يصل اوديسيوس بعد إلى موطنه إيثيكا، حيث تنتظره زوجته بينيلوبي وابنه تيليماكوس. الرحلة من طروادة تستغرق عادة ثلاثة أسابيع عبر بحر ايجه وصولا إلى ساحل الب...

الإنترنت والعقل النمَطي

صورة
حتى الآن لم أجد في الآيبودز أو الآيبادز أو الآيفون أو البلاك بيري وغيرها من ابتكارات التكنولوجيا الرقمية الجديدة ما يحفّزني على اقتناء أيّ منها، لا لأسباب مادّية بل لاعتبارات ذاتية أو موضوعية غالبا. وكثيرا ما أقول لنفسي إن الانترنت وحدها تكفي بل وتزيد عن الحاجة. فهذا السيل من الأخبار والمعلومات التي تنهمر علينا من شاشة الكمبيوتر كلّ ساعة بل كلّ دقيقة كفيل لوحده بتشويش الذهن وتشتيت الانتباه وصرف الأنظار عن أمور قد تكون أولى وأكثر نفعا. ناهيك عن أن كثيرا من الأشياء التي نستقبلها عبر الانترنت لا تعدو كونها ضربا من التسلية والبعض الآخر ينقصها التوثيق والمصداقية، كما أنها لا توفّر للإنسان ما يمكن أن يثري فكره أو يرتقي بوجدانه وذوقه. ويمكن أن يكون هذا أحد الأسباب في أنني لم أتحمّس لحدّ الآن لـ الفيس بوك أو التويتر أو النت لوغ وغيرها من الشبكات الاجتماعية. ورغم أنني سجّلت في بعض هذه المواقع من باب المواكبة وليس اقتناعا بمضمونها أو جدواها، إلا أنني لا ارتادها إلا مرّة أو مرّتين في الشهر على أحسن تقدير. وأحيانا أتعجّب من قدرة بعض الناس على التعامل مع كل هذه المنافذ بكثير من الحماسة والحرص وأتسا...