المشاركات

دراما منزلية

صورة
عُرف الرسّام الفرنسي إدوار فويار بمشاهده التي تحكي عن الحياة الخاصّة والحميمة داخل البيوت. عندما تنظر إلى بعض لوحاته، يمكنك أن تشعر كم أن الجدران فيها ضيّقة وخانقة وكيف أن الناظر يمكن أن يتحوّل دون وعي منه إلى متلصّص يتابع ما يجري داخل الغرف وخلف الأبواب الموصدة. كان فويار جزءا من مجموعة فنّية تُدعى "نابي" وهي كلمة مشتقّة على الأرجح من مفردة "نبيّ" العربية. وبخلاف الانطباعيين الذين كانوا يركّزون على إظهار التأثيرات المتغيّرة للضوء والظلّ في الطبيعة خارج البيوت، كان فويار وزملاؤه يستخدمون الرسم لإيصال المشاعر والانفعالات داخل البيوت. وقد رسم فويار لوحات يمكن أن توصف بأيّ شيء إلا أن تكون هادئة أو مريحة. كان يعيش في بيئة مُحبّة، ومع ذلك عمد إلى رسم أفراد عائلته بطريقة مزعجة. ترى لماذا فعل ذلك؟ هل تشي تلك اللوحات بشيء من الكراهية في أوساط العائلة؟ هل كان تلاعبه بصورة شقيقته مزحة ثقيلة أو قاسية؟ هل تكشف هذه اللوحات عن شيء ما أعمق من قبيل إحساس الفنان بعدم الأمان؟ فويار رسم لوحات لا تخلو من التعقيد وروح الابتكار. وهو لم يكن فقط يرسم ما يراه أمامه، بل كان يخلق ما يرسمه. كا...

يوميّات صوفيا تولستوي

صورة
بالنسبة إلى ليو تولستوي وعائلته الكبيرة، كانت كتابة اليوميّات شيئا عاديّا ومألوفا. كان كلّ منهم يعبّر عن أفكاره ومشاعره من خلال الكتابة. الرجل العظيم نفسه، أي تولستوي، كان يحتفظ بمجلّدات من اليوميّات، واستمرّ يدوّن يوميّاته حتى يوم وفاته تقريبا. طبيبه وسكرتيره وأطفاله وزوجته كانوا جميعا يحتفظون بيوميّات. ومن بين كلّ هؤلاء، كانت زوجته صوفيا هي الشخصية الأكثر أهميّة. بدأت صوفيا تكتب يوميّاتها وهي في سنّ مبكّرة. ثم استمرّت تفعل ذلك، وبنشاط أكبر، بعد زواجها من تولستوي. ولم تتوقّف أبدا عن الكتابة حتى وفاتها في العام 1919، عندما هدّدت الثورة البلشفية باجتياح ضيعة باسنايا بوليانا حيث عاشت هي وزوجها الروائي لأكثر من نصف قرن. في إحدى تدويناتها الأخيرة تكتب صوفيا تولستوي قائلة: اجتمعنا كي نناقش أفضل الطرق للدفاع عن باسنايا بوليانا والحيلولة دون تعرّضها للنهب. لا شيء تقرّر بعد. العربات والثيران والناس يأخذون طريقهم الآن باتجاه تُولا". كان التاريخ يهدّد بتدمير كل شيء كانت تحبّه. تولستوي كان ينحدر من عائلة من النبلاء. وكان يملك منزلا كبيرا بالإضافة إلى كونه كاتبا مرموقا. وقد عُرف بأسفاره...

تاركوفيسكي: نحت في الذاكرة

صورة
كتب المخرج السينمائي الروسي اندريه تاركوفيسكي مطوّلا عن رسّاميه المفضّلين في كتابه النحت في الزمن. ليوناردو دافنشي كان أكثر الرسّامين الذين أشار إليهم في كتابه وأفلامه، ويأتي بعده مباشرة بيتر بريغل الأب. كان تاركوفيسكي مفتونا، على وجه الخصوص، بما يمكن أن يُسمّى "الخاصّية السينمائية" للوحات بريغل. في لوحات هذا الرسّام، تبدو الحركة المتباينة للأشياء كما لو أنها تسير باتجاه قدرها النهائي والمحتوم. وهو كان ميّالا لملء لوحاته بعشرات الناس المنهمكين في أعمالهم وأنشطتهم اليومية ويبدون كما لو أنهم لا يعرفون شيئا ولا يكترثون بشيء. في فيلم سولاريس، يركّز تاركوفيسكي على مضمون المكتبة على متن المحطّة الفضائية المعلّقة فوق محيط لا متناه وزاخر بالمخلوقات الغريبة. البشر الذين يكافحون كي يبقوا عقلاء، فيما بحر سولاريس يعبث بذكرياتهم وبوعيهم، ينظرون إلى لوحة بيتر بريغل "صيّادون على الثلج" المثبّتة على حائط مكتبتهم الخشبية. هذه الصورة الدافئة والمريحة تصوّر صيّادين يعودون خاليي الوفاض وهم يهبطون إحدى التلال مع كلابهم المتعبة، بينما يلهو الفلاحون على برك المياه المثلجة أسفل منهم. مك...

الجِندر في فنّ عصر النهضة

صورة
خلال عصر النهضة الإيطالي، كان على المرأة التي تريد أن تصبح مبدعة أن تكون مولودة لعائلة غنيّة. والكثير من نساء ذلك العصر كنّ أمّيات أو لم يتح لهنّ سوى قدر يسير من التعليم. وبناءً عليه، كان الزواج وتأسيس عائلة هو الخيار الوحيد المتاح. وهذا كلّه يبدو متناقضا تماما مع الأسلوب التي تُصوّر به الحياة في عصر النهضة الذي اتّسم بتطوّر الفنون وكثرة الاكتشافات والانجازات التي أعقبت عصور الظلام. القصّة الحقيقية هي أن الرجال وحدهم هم الذين كانوا يحتكرون الإبداع ويستمتعون بأوقاتهم بأساليب مبتكرة، في حين تُركت النساء في البيوت ليقمن بما يسمّى بالأعمال الوضيعة. صِيغ مصطلح "رجل النهضة" خلال عصر النهضة الذي امتدّ ما بين عامي 1300 و1500 م. وما يزال هذا المصطلح، أي رجل النهضة، مستخدما إلى اليوم، حيث يُطلق على الشخص المبدع سواءً كان فنّانا أو موسيقيا أو أديبا. لكن من المهمّ أن نلاحظ أن رجال النهضة، وليس نساء النهضة، هم الذين اعتُبروا فنّانين عظاما وعباقرة مبدعين. وقد قيل إن كبار شخصيات عصر النهضة مثل ليوناردو دافنشي ومايكل انجيلو وكارافاجيو جعلوا من الصعب على نساء ذلك العصر أن يظهرن أو يلمعن. و...

أصداء من الماضي

صورة
"أصبحت اعتقد أن العالم كلّه ما هو إلا عبارة عن لغز. وقد تحوّل هذا اللغز إلى شيء مخيف بفضل محاولاتنا المجنونة لأن نفسّره كما لو انه ينطوي على حقيقة ما". - امبيرتو إيكو تحكي رواية "جزيرة اليوم السابق" للكاتب الايطالي امبيرتو إيكو عن قصّة روبيرتو ديلا غريفا النبيل الايطالي الشابّ وأسفاره حول العالم. عندما كان مراهقا، اشترك روبيرتو في عملية حصار، الأمر الذي غيّر نظرته إلى الحياة. والده مات في ذلك الحصار، وفي ما بعد يقرّر روبيرتو أن يغادر ارض أبيه وينتقل إلى مكان آخر. ويستقرّ في باريس مع نخبة المثقفين الذين كانوا يعيشون في تلك الفترة، أي منتصف القرن السابع عشر. المشهد الباريسي الذي يرسمه امبيرتو إيكو ملوّن جدّا ويضمّ العديد من الشخصيات الخيالية والحقيقية مثل الكاردينال ريشيليو والكاردينال مازارين، بالإضافة إلى شابّ في السابعة عشرة من عمره يعكف على تصميم آلة حاسبة. تبدأ القصّة عندما يكتشف روبيرتو انه الناجي الوحيد من حادث غرق سفينة وأنه أصبح على متن سفينة أخرى. لكن الغريب أن هذه السفينة الأخيرة مهجورة وهي تبدو كما لو أن طاقمها هربوا من شيء ما بشع، تاركين وراءهم كل...

فنّ الحداثة وانتهاك الجمال

صورة
يتحدّث الفيلسوف البريطاني روجر سكروتون في هذا الكتاب عن الجمال كفلسفة وكقيمة أخلاقية وروحية. ويقارن بين مفهوم الجمال في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وما أصبح عليه حال الأدب والفنّ والموسيقى منذ بدايات القرن العشرين. يقول المؤلّف: الجمال هو الغاية النهائية لأيّ منتج فنّي أو شعري أو موسيقيّ. ويضيف: بعد الحداثة تغيّر كلّ شيء. أصبحت غاية الفنّ بشكل متزايد هو أن يزعج وأن يخرّب وأن ينتهك المسلّمات والقوانين الأخلاقية. لذا ثمّة الآن حاجة ماسّة لإنقاذ الفنّ والأدب الحديث من الإدمان على القبح. ويتحدّث سكروتون في كتابه عن ما يصفه بحزب تدنيس الجمال الذي تزعّمه الأدباء والكتّاب الفرنسيون الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية مثل جورج باتاي وجان جينيه وجان بول سارتر. ويشير إلى أن هناك فنّانين عظاما حاولوا إنقاذ الجمال من تخريب المجتمع الحديث مثل الشاعر تي اس اليوت ومثل عدد من الكتاب والأدباء الأمريكيين الذين رفضوا أن ينظروا إلى العالم المعاصر وكأن لا شيء فيه سوى القبح والدمامة. ويضيف: كان كلّ من الرسّام ادوارد هوبر والموسيقيّ سامويل باربر يعتبران أن التجاوز المصحوب بالتباهي كان مجرّد وسيل...

لعنة الصبيّ الباكي

صورة
ترى ما الذي يمكن أن يجذب الإنسان إلى هذه اللوحة؟ هل هو جمال الصبيّ؟ أم عيناه الدامعتان وملامحه الحزينة التي تستدرّ الرحمة والشفقة؟ هذه اللوحة تحوّلت مع مرور الأيّام إلى ما يشبه الأسطورة وأصبحت أكثر شهرة من الفنّان الذي رسمها والذي بقي اسمه إلى اليوم محلّ خلاف وجدل. وجزء مهمّ من أسباب شهرة اللوحة يعود إلى حقيقة أنها أصبحت مرتبطة بقصص الفلكلور وبالثقافة الشعبية التي تميل إلى ربط بعض الصور بظواهر السحر والأشباح والحظ السيئ، إلى غير ذلك من الظواهر الميتافيزيقية والغامضة. بداية القصّة تعود إلى العام 1985م الذي شهد اندلاع سلسلة من الحرائق المفاجئة والغامضة في بعض أرجاء بريطانيا. الأمر المحيّر هو انه بعد كلّ حادث حريق، يتبيّن أن الشيء الوحيد الذي لم تلتهمه النيران هو لوحة تصوّر صبيّا صغيرا دامع العينين. هل يمكن أن تكون هذه مصادفة؟ في كلّ حالة من هذه الحالات، كانت النار تلتهم كلّ موجودات البيت باستثناء لوحة الصبيّ الباكي التي لم يظهر عليها أيّ علامة تدلّ على أنها تأثّرت بالحريق. إحدى صحف التابلويد البريطانية بدأت تستقبل اتصالات هاتفية من العديد من الناس الذين كانوا ينقلون قصصا مماثلة. احد ال...