المشاركات

كرسيّ

صورة
"أريد أن ازرع فيك ولو جزءا بسيطا من إيماني الكبير بأننا سننجح في أن نبتكر شيئا يمكن له أن يدوم ويستمرّ". كتب فان غوخ هذه الكلمات إلى صديقه غوغان قبل ثلاثة أسابيع من انتقال الاثنين للعيش معا في المنزل الأصفر في آرل. في لوحتَي فان غوخ المشهورتين والتي رسم في كلّ منهما كرسيّا، نرى بوضوح رؤيته عن نفسه وعن صديقه غوغان كما تعكسها قطعة من القماش رسم عليها أثاثا ساكنا. وقد رسم كرسيّه مواجها اليمين، بينما رسم كرسيّ غوغان مواجها اليسار. وبالتالي، عندما توضع هاتان اللوحتان معا فإنهما تُحدثان تأثيرا متناغما. وبرؤية كلا الكرسيين معا، نستطيع أن نتبيّن بوضوح ما الذي كان يقصده فان غوخ عندما رسمهما. صحيح أن الاثنين يُعتبران اليوم رسّامَين مشهورين. إلا أنهما اكتشفا فرقا هائلا في طريقة تعامل كلّ منهما مع الرسم. النقاشات الساخنة التي كانت تجري بينهما ترسم صورة لشخصين يائسين لم يجدا أبدا أرضية للتفاهم والوئام. وكان ذلك يثير فيهما التعب والإحساس بالمرارة. ومع ذلك كانت خلافاتهما ومشاكلهما الصاخبة تتلاشى أحيانا لتظهر الرابطة الروحية الكامنة بينهما. وفي احد الأوقات، بدا أن النار التي كانت تشتعل بالقر...

رحلة على طريق الحرير

صورة
هناك من العبارات ما يستدعي للذهن عوالم كاملة من صور ورحلات وذكريات، سواءً كانت حقيقية أو متخيّلة. وطريق الحرير هو إحدى هذه العبارات. مجرّد ذكر اسمه يستحضر مناظر لقوافل تمرّ عبر صحارٍ وواحات خالدة، وجِمالٍ محمّلة بنفائس الحرير، ورجالٍ تشعّ أعينهم بالبريق، يرتدون العمائم ويحملون الياقوت واللآليء والتمور والزعفران والفستق من بلاد فارس، والزجاج من مصر، والصِبر وخشب الصندل وشتّى أنواع العطور من الجزيرة العربية. طريق الحرير، أيضا، ما أن يُذكر اسمه حتى تتوارد إلى الذهن إيحاءات وأفكار عن التسامح وامتزاج الحضارات. أصبحت هاتان المفردتان نوعا من مصطلحات العصر الجديد وباتت دلالتهما تخترق كلّ شيء، من الموسيقى العالمية إلى كتب الطبخ النباتي. صورتنا الذهنية عن طريق الحرير قد تكون تشكّلت، إلى حدّ كبير، من خلال مكتشفين جغرافيين من أمثال اوريل ستين وسفن هيدين اللذين أعادا اكتشاف كنوز المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. تلك القصص المثيرة ألهمت فيما بعد سلسلة المغامرات التي يقوم ببطولتها علماء آثار أسطوريون من قبيل ما عرضه فيلم انديانا جونز لـ ستيفن سبيلبيرغ. الرومانسية...

الصين الجميلة

صورة
هناك الكثير من الأشياء التي تتبادر إلى الذهن عندما يرد ذكر اسم بيجين عاصمة الصين: المدينة المحرّمة، تجديد المراكز الحضرية، كثافة حركة المرور وارتفاع نسبة التلوّث. وعلى الأرجح لن يكون الفنّ الحديث احد تلك الأشياء. لكن على الرغم من ذلك، فإن بيجين تشهد الآن حركة فنون نشطة ومزدهرة. كما أنها أصبحت مركزا كبيرا للفنّ الطليعي، بالإضافة لاحتضانها العديد من الورش والغاليريهات الفنّية. مشهد الفنّ الصيني المعاصر تطوّر بسرعة خلال العشر سنوات الماضية. وكان لحرّية السوق وتوظيف التكنولوجيا الحديثة وازدياد هامش حرّية التعبير دور مهم في ازدهار الفنّ في البلاد. وفي السنوات الأخيرة أصبح الفنّ الصيني المعاصر يحظى بشعبية واسعة في الغرب. في الصين نفسها اشتهر اسم ضاحية داشانزي شرق العاصمة بكونها منطقة جذب للفنّانين والتجّار وأصبحت مكانا مزدحما يعجّ، ليس بالفنّ فقط، وإنما بالمقاهي العصرية ومتاجر التحف القديمة والملاهي الليلية الغريبة.     وداشانزي تواجه اليوم آلام النموّ ومشاكل البحث عن هويّة، شأنها شأن مناطق مماثلة من العالم. وهناك الآن من ينتقد المنطقة لأنها استسلمت لاستشراء النزعة التجاري...

نافذة على عالم بول كْلِي

صورة
تمتلئ لوحات بول كْلي بالرموز الخفيّة التي قد تبدو للوهلة الأولى معقّدة أو خالية من أيّ معنى. لكن عندما نقترب من تلك الرموز محاولين تفسيرها في سياق الأسلوب الذي كان الفنّان يستخدمه في لوحاته، فإن فهم فنّه يصبح مهمّة سهلة وبسيطة. جينيفر شيبون تتحدّث في المقال المترجم التالي عن الزمن والأسماك والمربّعات السحرية في فنّ الرسّام السويسري المشهور. لكي نفهم لوحات بول كْلِي والمعاني والرموز الكامنة في صوره، علينا أوّلا أن نعرف شيئا عن حياته وشخصيّته. كان كْلِي رسّاما تعبيريا سويسريا عاش من عام 1879 إلى عام 1941م. وقد نشأ في كنف عائلة تهتمّ بالموسيقى وكان يعزف الكمان في شبابه. في الجامعة لقي كْلِي صعوبة في الاختيار بين أن يتخصّص في الموسيقى أو الفنّ. لكنّه في النهاية قرّر أن يختار الفنّ. ولهذا السبب كان يميل إلى وصف لوحاته بتعابير ومفردات موسيقية. كما كان، بوعي، يرسم لوحاته بطريقة تثير شعورا بالأنغام والإيقاعات الموسيقية. وقد مات بول كْلِي في عام 1940، أي عند بداية الحرب العالمية الثانية متأثّرا بمضاعفات إصابته بمرض تيبّس الجلد الذي عانى منه طويلا وشوّه ملامحه وشلّ أطرافه. وفنّه يحتوي على ...

دردشة مع فرناندو بوتيرو

صورة
الرسّام الكولومبي فرناندو بوتيرو شخص مثير للجدل. النقّاد لا يستسيغونه كثيرا. بينما يتنافس جامعو الأعمال الفنية على شراء واقتناء لوحاته. شهرته في بلده كولومبيا لا تختلف عن شهرة مواطنه الروائي غارسيا ماركيز. ورغم ارتباطه الكبير بوطنه، إلا انه لا يقضي فيه أكثر من شهر واحد في السنة لأسباب أمنية. وفي كلّ الأحوال، لا ينام بوتيرو في بيته إلا بصحبة شخصين أو ثلاثة، كما يستخدم في تنقّلاته اليومية سيّارة مضادّة للرصاص. بوتيرو حلّ مؤخّرا في لندن، وكانت تلك مناسبة للحديث معه وسماع بعض الحكايات منه عن الاختطاف والفساد وسرّ حبّه للنساء البدينات. بوتيرو رجل غاضب غالبا. وقد أتى إلى لندن لحضور أوّل معرض يقام للوحاته في المملكة المتّحدة منذ 26 عاما. "لا أحد دعاني إلى هنا. وإحساسي أن هذا الأمر قد يكون مجرّد مصادفة". غير أن بوتيرو يعتقد انه محظور. "لقد ظلّ النقّاد يكتبون عنّي طوال حياتي بغضب وحنق". لوحات بوتيرو، التي يصوّر فيها جنرالات كولومبيا وصالات الرقص ومحلات الدعارة والرهبان والأساقفة وأفراد الطغمة العسكرية الحاكمة، معروفة في جميع أنحاء العالم. بعض نقّاد الفنّ المعاصر يصفون...

الانطباعية الزُخْرفية

صورة
في بدايات القرن الماضي، تحوّلت قرية جيفرني الفرنسية إلى قبلة للرسّامين الذين قصدوا القرية بحثا عن فرص الرسم في الهواء الطلق والحياة الاجتماعية. وكان هناك عامل إضافي اجتذبهم إلى ذلك المكان وتمثّل في وجود كلود مونيه رائد الانطباعية الذي استقرّ في جيفرني منذ مطلع العام 1883م. ورغم أن مونيه لم يشجّع الآخرين على أن يقتفوا أثره إلى القرية التي أقام فيها ابتداءً من عام 1883، إلا أن جيفرني أصبحت بسرعة حاضنة للرسّامين من جميع أرجاء العالم. وكان من بين من قصدوها مجموعة من الرسّامين الأمريكيين الذين عبّروا عن رؤيتهم الفريدة عن الطبيعة الفرنسية من خلال أسلوب جديد في الرسم سُمّي في ما بعد بالانطباعية الزخرفية. ويرجع الفضل في صياغة مصطلح "الانطباعية الزخرفية" للكاتب كريستيان برينتون الذي استخدمه لأوّل مرّة عام 1911. وقد اختاره برينتون عنوانا لمقال كتبه عن مواطنه الرسّام الأمريكي فريدريك كارل فريسيكا احد أعضاء مستعمرة جيفرني المشهورة للانطباعيين الأمريكيين. ومع ذلك، فقد تمّ إحياء استخدام هذا المصطلح في العقود الأخيرة من قبل مؤّرخ الفنّ وليام غيرتس ليصف به اللوحات التي تصوّر أشخاصا والت...

نوبل ونموذج فارغاس يوسا

صورة
بالنسبة للمعجبين بكتابات ماريو فارغاس يوسا، فإن فوزه الأسبوع الماضي بجائزة نوبل للأدب أعاد شيئا من المكانة والاعتبار لجائزة ظلّت تتجاهل دائما المرشّحين الأكثر استحقاقا كـ غراهام غرين وخورخي لويس بورخيس، على سبيل المثال لا الحصر. وقد بدا الآن أن تلك الحفنة من الرجال الطاعنين في السنّ والقابعين في ستوكهولم تمكّنت أخيرا من اتخاذ قرار صائب. وعلى النقيض من الصيني ليو شياوبو الذي فاز بجائزة نوبل للسلام هذا العام والذي انفجر باكيا في زنزانته الصينية عند سماعه خبر فوزه، ضحك الأديب البيروفي السبعيني ماريو فارغاس يوسا عندما علم الأسبوع الماضي بنبأ فوزه بجائزة نوبل للأدب لهذا العام. الالتزام العميق لـ يوسا بالأدب وكذلك حياته الشخصية المثيرة للجدل قد لا يناسبان، حسب قوله، النموذج المتوقّع لحائز على الجائزة في القرن الحادي والعشرين. ومن المؤكّد أن نموذجه الخاصّ هو فلوبير الذي بنى مكانته بألم عظيم وبالكثير من الصبر والعمل والعناد والاقتناع. في فيلم وثائقي اُخرج عنه عام 1990، يقول ماريو فارغاس يوسا: بالنسبة إليّ، الأدب يعني ما كان يعنيه للكثير من كتّاب القرن التاسع عشر. انه ليس التخصّص وليس ال...