المشاركات

فلسفة الأرق

صورة
يقول هيغل في كتابه "فلسفة الحقّ": مينيرفا تطير فقط في الليل". وكان يشير بذلك إلى نوبات الأرق. الإجهاد، التعب، احمرار العينين، كلّها علامات تذكّر بأن الأرق يهدّ الجسد والروح. الجيران المزعجون، بكاء الأطفال، العمل الزائد، الغذاء السيّئ، المرض، الألم، الحساسية، والزوّار الوقحون، كلّها عوامل تتسبّب في حرمان الإنسان من النوم. وكذلك الحال بالنسبة إلى الأفكار المجرّدة والكلمات التي ترتديها. الفلسفة في مسلمّاتها الهائلة لا تغفل شيئا. لذا كان هناك دائما فلاسفة للأرق. لقد فتن الأرق المفكّرين منذ القدم. وهو اهتمام ما يزال مستمرّا إلى اليوم، خاصّة في أوربّا. الفلسفة ليست صديقا للنوم. في كتابه "القوانين" يكتب أفلاطون: عندما يكون الإنسان نائما فإنه ليس بأفضل حالا مما لو كان ميّتا. والذين يحبّون الحياة والحكمة لا يحتاجون نوما أكثر ممّا هو ضروري لصحّتهم". كليمنت الاسكندري قال كلاما قريبا من هذا: لا فائدة من إنسان نائم، مثلما لا فائدة من إنسان ميّت. لكن أكثر الناس اهتماما بالحياة الحقيقية والمشاعر النبيلة يظلّون مستيقظين لأطول فترة ممكنة". ويضيف: الحاجة إلى النو...

محطّات

صورة
فتاة بومبي العمياء بعض الأعمال الفنّية لها خلفية درامية تنافس ما للعمل نفسه من إثارة وشهرة. وهذا الوصف يصدق على تمثال "نيديا" الذي نحته الفنّان الأمريكي راندولف روجرز حوالي منتصف القرن قبل الماضي. وروجرز ينحدر من عائلة كانت من أوائل العائلات التي استوطنت مقاطعة آن آربر. وقد غادر المنطقة وهو شابّ كي يكسب لقمة عيشه كفنّان في نيويورك. كانت مهارته الرائعة في خلق التماثيل من كتل الرخام مثار اهتمام الشخص الذي كان يعمل عنده في إحدى شركات الحفر. وتقديرا منه لموهبته، قام ذلك الرجل بإقراضه بعض المال ليسافر إلى فلورنسا كي يدرس النحت على يد النحّات الايطالي لورنزو بارتوليني. في فلورنسا، أحرز روجرز تقدّما سريعا في دراسته. ولم يمضِ طويل وقت حتى أقام له محترفا خاصّا هناك. وسرعان ما حقّق نجاحا تجاريّا واضحا وعبَر المحيط الأطلنطي مرّات عديدة كي ينجز أعمالا نحتية كلّفه بها زبائن أمريكيون وكنديون. وفي إحدى زياراته لعائلته في آن أربر، قابل روجرز البروفيسور هنري فريز الذي كان قد وصل إلى هناك حديثا وأصبح الاثنان صديقين. وفي وقت لاحق، زار فريز محترف روجرز في ايطاليا وعاد إلى ارض الوطن...

أسطورة كوكو شانيل

صورة
الحياة المثمرة والمفعمة بالنشاط لـ كوكو "غابريال" شانيل ونجاحها المبكّر كمصمّمة أزياء في باريس وفّرا لها كتابا اسود صغيرا يحسدها عليه الكثيرون ويزدحم بأسماء العديد من الأثرياء والمشاهير. بعض هؤلاء كانوا مجرّد زبائن. لكن العديد منهم كانوا عشّاقا والقليل منهم كانوا متزوّجين. وقد ربطتها أحوال عشق مع عدد من الرجال اللامعين. ومن بين هؤلاء يبرز اسمان مميّزان: الأوّل دوق ويستمنستر هوغ غروسفينور الذي فُتنت به ذات مرّة وتزوّجته. والثاني: رئيس وزراء بريطانيا الأسبق ونستون تشيرشل الذي يعود إليه الفضل في انه أنقذ حياتها من الأخطار والمشاكل أثناء الحرب العالمية الثانية. خلال الحرب، وكانت شانيل وقتها في أواخر الخمسينات من عمرها، كانت تربطها علاقة برجل كان على صلة بالنازيين. كان ذلك الرجل، واسمه هانز غونتر، يصغرها بثلاثة عشر عاما. وكان يعمل بأوامر مباشرة من وزارة الدعاية النازية ويستخدم من وظيفته كملحق صحفي في باريس غطاءً لأنشطته الجاسوسية. وقد راجت في ذلك الحين نظرية تقول انه كان عميلا مزدوجا وانه كان يعمل سرّا ضدّ النازيين. في باريس، بعد تحريرها من الاحتلال النازي، استُدعيت شانيل من قبل...

موراندي: رسّام الصمت

صورة
dir="rtl" aligen="right">الذين يتطلّعون للعب دور "الرسّام الشاعر" كثيرون. وجورجيو موراندي كان احد القلائل الذين ينطبق عليهم هذا الوصف بجدارة. وكلّ من تربطه بالرسم وشاعريّته الخاصّة علاقة حبّ، لا بدّ وأن يقع في هوى لوحات هذا الرسّام. فلوحاته ذات الطبيعة الصامتة جميلة. لكنّه ذلك النوع الخاصّ من الجمال الخفيّ والغامض، جمال الجذور والأشياء القديمة، جمال الأشياء التي ضاعت ثم استُعيدت لكي تضيع مرّة أخرى. تنظر إلى لوحات موراندي فتتذكّر غموض شخصيّته أو أسطورته، اعتمادا على ما تراه أو تسمعه. إنها حكاية رسّام ايطالي عاش حياته كلّها منعزلا في شقّة وحيدة. لم يكن يسافر كثيرا وبالكاد كان يعرف شيئا عن الناس والفنّ في محيطه. كان يرسم بعيدا عن الأنظار في محترف بيته الصغير في إحدى ضواحي بولونيا. موراندي هو أشهر رسّام ايطالي تخصّص في رسم الحياة الساكنة في القرن العشرين. وقد عاش في الفترة ما بين عامي 1890 و 1964م. واشتهر بمجموعته الكبيرة من رسومات الحياة الساكنة أو "الطبيعة الميّتة" كما تُسمّى في ايطاليا. والقصص المتوفّرة عن حياته تشير إلى انه درس الرسم في مدين...

الفنّ ما قبل الرافائيلي

صورة
تأسّست جماعة الفنّانين ما قبل الرافائيليين في خريف عام 1848 على يد مجموعة من الرسّامين والشعراء والنقّاد الانجليز. وكان ظهور الحركة ردّ فعل على النزعة الفيكتورية نحو المادّية وعلى الأفكار النيوكلاسيكية التي كان يتبنّاها الفنّ الأكاديمي. وقد تقرّر اختيار هذا الاسم بالنظر إلى سعي الجماعة إلى إعادة اكتشاف أساليب الرسم التي كانت شائعة قبل زمن الرسّام الايطالي رافائيل. ووصل الفنّ ما قبل الرافائيلي إلى ذروته مع ظهور لوحة اوفيليا لـ جون ميليه التي حقّقت شهرة عظيمة عند عرضها لأوّل مرّة عام 1852م. كان الرسّامون الثلاثة المؤسّسون لمدرسة الفنّ ما قبل الرافائيلي هم جون ايفرت ميليه ودانتي غابرييل روزيتي ووليام هولمان هانت. وكان هدفهم المعلن من وراء تأسيس الحركة هو البحث عن مواضيع وأفكار جادّة وحقيقية للرسم. وقد استمدّوا مواضيع لوحاتهم من الكتب الدينية والأفكار الاجتماعية السائدة في زمنهم. كما حرصوا على تصوير الطبيعة بعناية ودقّة دون تمجيدها أو رسمها بصورة مثالية ودون مراعاة للقواعد الأكاديمية المتّبعة في التصميم والتلوين. وقد بدأ الفنّانون ما قبل الرافائيليين في رسم موضوعات مستوحاة من الشع...

نهر النسيان

صورة
لا أعرف مدى صحّة العبارة التي تقال أحيانا من أن الإنسان لم يُسمّ إنسانا إلا بسبب انه كثير النسيان. ولكنْ ممّا لا شكّ فيه أن النسيان يُعتبر صفة ملازمة للإنسان وجزءا لا يتجزّأ من طبيعته وتكوينه. وفي السنوات الأخيرة لاحظت أنني أصبحت أنسى كثيرا. والمشكلة أن مظاهر هذا النسيان كثيرة ومتعدّدة. يحدث أحيانا أن أقابل شخصا لأوّل مرّة فيعرّف كل منّا نفسه بالآخر. لكن ما أن أقابل نفس الشخص بعد بضعة أيّام حتى أقع في الحرج عندما اكتشف أنني نسيت اسمه. وقبل أيّام كنت في زيارة لموظّف بإحدى الشركات الخدمية. وبعد أن غادرت مكتبه ووصلت إلى سيّارتي، اكتشفت أنني نسيت هاتفي المحمول عنده. وكنت متأكّدا من أنني تركت الهاتف في مكان ما على مكتبه لأنني تذكّرت أنني أجريت آخر مكالمة وأنا جالس هناك. وعندما عدت إليه لأساله ما إذا كان قد رأى الهاتف، أجاب بالنفي. ومع ذلك بحث على المكتب وفتّش كثيرا بين الأوراق فلم يجد شيئا. ثم قال: عندي فكرة. كم رقم هاتفك حتى اتصل به من هاتفي لنستدلّ على مكانه؟ قلت وأنا اشعر ببعض الحرج: للأسف لا أحفظ الرقم. ضحك من ردّي ثم قال بأدب: بسيطة، لست وحدك من لا يتذكّر رقم هاتفه. لكنْ هناك حلّ...

ميغرين: مزوّر اللوحات الأشهر

صورة
وُلد هان فان ميغرين في هولندا عام 1889 وكان مفتونا بالرسم منذ طفولته. كان من عادته أن ينفق كلّ ما في جيبه من نقود على شراء مستلزمات وعدّة الرسم. وقد كوفيء وهو صبيّ على موهبته الفنّية بمنحه ميدالية ذهبية بعد انتهائه من رسم ديكور إحدى الكنائس. وفي احد الأيّام رأته زوجته وهو يستنسخ لوحة كي يبيعها على أساس أنها أصلية. وقد ثنته الزوجة عن ذلك العمل. لكن تلك الحادثة كانت أوّل مؤشّر على اهتمام ميغرين الجدّي بالتزوير. وانتقل ميغرين وزوجته بعد ذلك إلى لاهاي حيث درس فيها ونال درجة البكالوريوس في الفنّ عام 1914م. وخلال العشر سنوات التالية كان يرسم ويبيع لوحاته بأثمان معقولة. وكانت رسوماته وقتها عبارة عن مناظر داخلية ولوحات دينية وأحيانا بورتريهات. وكان اتجاهه السياسي كاثوليكيا ومعاديا لليهود ومتحفّظا إلى درجة الفاشيّة. كما كان معارضا لكافّة الاتجاهات الحديثة في الفنّ. ورغم انه لم يكن غير ناجح كفنّان، إلا أن النقّاد كانوا سلبيين تجاه أعماله. لذا نفر منهم وأصبح يشعر بالمرارة تجاههم وتجاه مروّجي الرسم الحديث. وبعد فترة أدرك ميغرين انه لن يحقّق كرسّام ما كان يصبو إليه من نجاح ومجد. لذا قرّر أن يح...