المشاركات

متاعب الطبقة الوسطى

صورة
كيف يمكن أن نعرّف الطبقة الوسطى في أيّ مجتمع؟ في الواقع لا يوجد تعريف شامل ودقيق لهذه الطبقة. لكن عافيتها تُقاس بنسبة ما يكسبه أفرادها من دخل ومدى الاستقرار الماليّ الذي يتمتّعون به. غير أن هذا رهن بتوفّر اقتصاد يحقّق نموّا معقولا ويولّد ثروة يستفيد منها أفراد هذه الطبقة بما يتناسب مع حجمها. أما العوامل التي تؤثّر على أفراد هذه الطبقة سلباً فكثيرة. لكن أهمّها جشع قطاع الأعمال ووجود نظام تعليمي سيء وتضخّم البيروقراطية وتوزيع الدخل بطريقة غير عادلة. منظّرو علم الاجتماع السياسي يقولون إن الطبقة الوسطى هي الحاضنة للفئات الحيّة في أيّ مجتمع، من ‏مثقفّين وتكنوقراط ومبدعين.‏ ويقولون أيضا إن اختفاء هذه الطبقة أو تلاشيها من شأنه أن يحكم على ‏أيّ مجتمع بالجمود، لأنها تختزن بداخلها كلّ الأفكار الحيّة التي تحفّز على التغيير والإصلاح والتجديد.‏ ويقال كذلك أن لا استقرار سياسيا أو اقتصاديا من دون طبقة وسطى ‏كبيرة ومنتجة ونشطة ومؤثّرة.‏ قبل فترة، شاهدت رسما كاريكاتيريّا شدّني لبلاغته ودقّة توصيفه ‏للواقع الاجتماعي. الفنّان رسم بناية ضخمة قسّمها إلى ثلاثة ‏طوابق:‏ العلوي: ومداه ضيّق جدّا ويمثّل ...

مثالية وليام بوغرو

صورة
تنظر إلى لوحات هذا الرسّام فيدهشك أن لا ترى فيها غير صورٍ لحوريّات وعذراوات يتنزّهن في مناظر بهيّة ومشذّبة، وأمّهات يداعبن أطفالهنّ بحنوّ ومحبّة، وأطفال يشبهون الملائكة يحتضن بعضهم بعضها ببراءة وألفة. تلك هي نظرة وليام بوغرو السامية للجنس البشري. وهي نظرة مشحونة بالجمال والطلاوة والمثالية والخيال، إلى الحدّ الذي يجعلنا نتوق إلى رؤية الواقع وملامسة الأرض مرّة أخرى. كان بوغرو ينظر إلى الفنّ على انه ضرب من الجمال المثالي. وكان يبدي انزعاجه من كلّ محاولات التجريب والخروج عن المألوف. وبذا حبس الرسّام نفسه في قفص ذهبي عندما اعتقد أن الرسم يجب أن يكون عن الجمال والفرح في مقابل الواقع. وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت لوحاته، مع لوحات معاصريه الأكاديميين مثل جان ليون جيروم و لورانس الما تاديما و الكسندر كابانيل ، قد انصرفت عنها أذواق الناس واهتمام النقّاد واستقرّ بها المقام أخيرا في أقبية المتاحف. لكن الجنود القدامى لا يموتون إلى الأبد. فمؤخّرا، ومع تجدّد الاهتمام بالأعمال الفنّية الكلاسيكية، انتعشت واقعية بوغرو ورفاقه الاكاديميين من جديد. من الصعب تصوّر الشعبية الكبيرة التي كا...

كلام الأغاني

صورة
من أهمّ الخصائص التي تطبع الأغاني العربية عموما هي تشابه مواضيع كلماتها التي تركّز في الغالب على قصص الغرام والهجر ومدح الحبيب والتغنّي بجماله وذكر محاسنه في قالب لا يخلو أحيانا من التهويل والمبالغة. الأغاني الغربية هي على النقيض تماما. إذ لن تسمع أغنية تثني على جمال المحبوب أو تتغنّى بمزاياه وخصاله أو تتوسّل منه السماح والغفران. والمقارنة بين هذين النوعين من الغناء يحيلنا تلقائيا إلى الخصائص الثقافية وطرق التفكير في مجتمعين يكادان يكونان مختلفين في كلّ شيء تقريبا. استمعت قبل فترة إلى عيّنات من الغناء الغربي، فلاحظت أن في كلمات بعضها أفكارا فلسفية وإشارات سيكولوجية، بل إن بعضها يطرح تساؤلات عن الوجود والدين والحياة والمصير.. إلى آخره. لكن يبقى للاغاني العربية، خاصة الكلاسيكية منها، سحرها وجمالها الخاصّ حتى عندما تكون كلماتها وموضوعاتها نمطية أو مكرّرة. وهناك من هذه الأغاني ما قد تسمعها مرّة وبطريقة عارضة، ثم عندما تسمعها مرّة أخرى سرعان ما تثير في ذهنك صورا وذكريات عن أشخاص وأمكنة وحالات ومواقف وحكايات ما كان لك أن تتذكّرها لولا العلاقات والارتباطات الشعورية التي تثيرها الأغنية في ال...

إيماءة يوحنّا

صورة
الصورة الشائعة عن يوحنّا المعمدان، كما تعكسها الأدبيات المسيحية، هي صورة رجل بسيط ومتقشّف قضى معظم حياته في الصحراء يسابق الحيوانات البرّية ويتغذّى على الجراد والعسل. لكن ليوناردو دافنشي يرسم الرجل بطريقة مدهشة وصادمة. كما أن صورته هنا مختلفة كليّا عن بقيّة الأعمال الفنية التي تناولت هذه الشخصية. دافنشي يرسم يوحنّا المعمدان في الصحراء بشعر مجعّد وهو يرتدي جلود الحيوانات ويبتسم بطريقة غريبة تذكّر إلى حدّ ما بأشهر لوحات دافنشي "الموناليزا". وفي يد الرجل اليسرى ثمّة قضيب حديدي في نهايته صليب. بعض مؤرّخي الفنّ يعتقدون أن الصليب وجلد الحيوان أضيفا إلى اللوحة في مرحلة تالية من قبل رسّام آخر. في اللوحة يظهر القدّيس وقد أضاءه نور من مصدر خارج اللوحة، بينما تخلع الظلال الرقيقة على بشرته مظهرا ناعما ورقيقا. وقد عمد ليوناردو إلى وضع الشخصية في الظلال لتكثيف الإحساس بعزلته عن العالم الحقيقي والتأكيد على ارتباطه بالسماء. غير أن أهمّ ملمح في هذه اللوحة هو حركة إصبع القدّيس المشيرة إلى السماء. هذه الجزئية طالما أثارت جدلا واسعا بين أوساط المؤرّخين ونقاد الفنّ وأصبحت لكثرة الحديث عنها و...

فان دايك في انجلترا

صورة
لا بدّ وأن تتحرّك مشاعرك وأنت ترى لوحة الليدي ديغبي لـ انطوني فان دايك. تبدو المرأة نائمة، رأسها يستريح برفق فوق يدها. لكن بعد ذلك، ستلاحظ أن إحدى عينيها مفتوحة بطريقة غير طبيعية، وتدرك أنها ميّتة. فان دايك يستحضر في هذه اللوحة صورة خالدة من صور الصفاء والجمال ضمن فكرة الموت. وهناك لوحات حزينة أخرى لهذا الرسّام. وهي تعكس أجواء القرن السابع عشر: الطاعون، الحرب والموت المبكّر. ومع ذلك، ثمّة لوحات أخرى لـ فان دايك تصوّر مواضيع دينية وأسطورية، بالإضافة إلى بورتريهات للعديد من الأشخاص بملابسهم الرائعة الألوان. وهذه الأخيرة هي التي اشتُهر بها أكثر من غيرها. كان فان دايك في لوحاته يحتفظ بالحدّ الأدنى من الرمزية بحيث يمكنك تركيز الاهتمام على الفرد، لا سيّما تعابير وجهه وحركات يديه. لوحته التي رسمها لـ ماريا لويزا دي تاسيس لا بدّ وأن تغريك بابتسامتها التي تشبه كثيرا ابتسامة الموناليزا. المؤرّخ كريستوفر هيل وصف ذات مرّة فان دايك بأنه كان يروّج للحكم المطلق بتزييفه لحقيقة المظهر في لوحاته". لكن الردّ على هذا الكلام قد يكون شديد التعقيد. ولد انطوني فان دايك في انتويرب في بلجيكا عام 1599...

رحلة إلى التبت

صورة
كولين ثوبرون هو واحد من أكثر كتّاب السفر والرحلات موهبة واحتراماً في هذا العصر. وقبل سنوات، فاز بجائزة توماس كوك لكتب الرحلات عن مؤلّفه "ما وراء السور: رحلة عبر الصين". كتابه الأخير "إلى جبل في التبت" يعتبر تحفة حقيقية. وكعادته في كتبه السابقة، يعرض المؤلّف أفكاره ومشاهداته بلغة رشيقة وشاعرية. ولكن بالإضافة إلى هذا، يضيف ثوبرون إلى كتابه الجديد مسحة إنسانية حزينة لأنه يرصد من خلال رحلته قصّة أفراد عائلته الذين قضوا جميعا. تبدأ الرحلة في جناح بالمستشفى الذي شهد وفاة آخر فرد من أفراد أسرته. فقد توفّيت والدته مؤخّرا فقط. وقبل ذلك، رحلت شقيقته ذات الواحد والعشرين عاما. والكتاب بمعنى ما، هو محاولة لإحياء ذكراهما. الوجهة النهائية لرحلة كولين ثوبرون هذه المرّة هي جبل يُدعى كايلاش يقع في مملكة التبت. هناك يقوم احد أقدس الجبال في العالم حسب اعتقاد ما يقرب من خُمس سكّان الكرة الأرضية. لكن الجبل يقع في منطقة قاسية ووعرة يسكنها أناس فقراء ولم يسبق سوى للقليل من الغربيين أن بلغوا ذلك المكان المهيب. و ثوبرون يصطحب معه في رحلته دليلا وطبّاخا وحارساً. هذه الرحلة يمكن اعتباره...

جمال التفاصيل

صورة
هناك الكثير من التفاصيل والأشياء الصغيرة التي قد تفوتنا ملاحظتها في بعض الأحيان. وأحيانا، تستطيع أن تكتشف في لحظة واحدة ما لا تستطيع اكتشافه في يوم كامل. وأتفه الأمور، ظاهريا، قد تنطوي على جمال عظيم إذا ما أتيح لها عين مبصرة ومتيقّظة. ضربات أجنحة طائر. قطعة من شوكولاتة جيّدة الصنع تذوب حقّا في فمك. مشوار بالسيّارة إلى مكان هادئ وبعيد عن الزحام والضجيج في ليلة شتوية، بعد أن تسكن الرياح وتصمت حتى الحيوانات والحشرات الصغيرة. عندما توقف محرّك السيارة وأنت جالس بداخلها، ستستمع وتستمع إلى أن تسمع الصمت نفسه وهدير اللاشيء. رينوار كان شغوفا كثيرا بالأشياء التي قد تبدو تافهة في الظاهر. وكثير من لوحاته تتضمّن موضوعا مهيمناً. قد يكون شخصا ما، أو مجموعة من الناس، أو جمادا مرسوما بشكل بارز في وسط اللوحة. هذه الأشياء المسيطرة هي فقط الطبقة السطحية في اللوحة. والهدف منها تشتيت انتباه الناظر. قد تكون الشخصية المهيمنة آسرة. امرأة جميلة، على سبيل المثال. لكنّها في الوقت نفسه، وفي أحيان كثيرة، قد تكون بسيطة ومملّة. اللعبة الحقيقية في لوحات رينوار تتضمّن مشهدا غير مرئي بما فيه الكفاية في الخلفية. في ك...