المشاركات

بيتهوفن: الحبّ الخالد

صورة
بعد وفاة لودفيك فان بيتهوفن في منزله بـ فيينا القديمة عام 1827، تفحّص أصدقاؤه أشياءه ومقتنياته فوجدوا ثلاث رسائل مخبّأة بداخل احد أدراج مكتبه. كانت كلّ رسالة تتصدّرها عبارة كُتبت باللغة الألمانية تقول: إلى حبّي الخالد". من هنا بدأ اللغز الذي لم يفلح احد في حلّه أبدا: من كانت تلك المرأة الغامضة التي كان بيتهوفن يعتبرها حبيبته وملهمته الخالدة؟ في أماكن أخرى من أوروبّا، كانت الأمور هادئة نسبيا. فقد توقّفت معركة نافارينو، وتوفّي جورج الثالث وبايرون ونابليون، فيما يدخل غوته الآن عامه الثامن والسبعين. لم يكن هناك شكّ في أن تلك الرسائل كانت حقيقية وليست تدريبات لأوبرا أو سيمفونية ناقصة. لكنْ كان هناك سؤال حول ما إذا كانت تلك الرسائل قد أرسلت فعلا إلى وجهتها. ولماذا انتهى بها المطاف في مكتب بيتهوفن مرّة أخرى؟ بعض الكتّاب يشيرون إلى تقليد كان متّبعا في القرن التاسع عشر، إذ كانت رسائل الحبّ تعاد أحيانا إلى مرسليها عندما تنتهي العلاقة. رسائل بيتهوفن الغامضة قد لا تندرج ضمن الكتابات الرومانسية العظيمة، وهو ما حاول خبراء بيتهوفن الترويج له دائما. لكنّها تشير إلى أنه كان كاتبا جيّدا وعلى ...

لوتريك وأفريل: الرسّام وملهمته

صورة
اقترن اسم جان افريل بالرسّام الفرنسي هنري دي تولوز لوتريك. كان الاثنان قد التقيا في أوائل عام 1890م، عندما بدأت افريل تقديم رقصاتها المبتكرة في المولان روج. وقد رسمها في العديد من لوحاته وأفرد لها جانبا مهمّا من مجموعة أعماله التي يصوّر فيها حلبات الرقص وقاعات الموسيقى وحياة النوادي الليلية. كانت افريل صديقة لوتريك المقرّبة وملهمته الخاصّة. ولوحاته التي رسمها لها لا علاقة لها بالأجواء المبهجة والصاخبة التي تطبع أعماله عموما. رقصات افريل الغريبة ولوحات لوتريك التي تظهر فيها بتعابير جامدة وملامح حزينة كانت جزءا من التوتّرات الثقافية التي شهدتها باريس في نهايات القرن قبل الماضي. ترى، ما الذي رآه لوتريك في وجه جان افريل؟ ولماذا فضّل أن يرسم شخصيّتها الخاصّة بعيدا عن حياة الرقص والليل؟ في مايو من عام 1894، كان شابّ فوضوي يُدعى اميل هنري يغادر غرفته الصغيرة في حيّ مونمارتر باتجاه شوارع الموضة القريبة من سان لازار في باريس. دخل الشابّ الغاضب والعاطل عن العمل مقهى تيرمينوس الأنيق بينما كان يخبّئ تحت معطفه قنبلة. وفي الداخل، قام بإشعال الفتيل وألقى بالقنبلة وسط المقهى. وقد انفجرت وسط ...

ألف لوحة ولوحة

صورة
ألف لوحة ولوحة يجب أن تراها قبل أن تموت" هو عنوان الكتاب الذي أحضرته معي بعد زيارتي الأخيرة إلى لندن. الكتاب يقع في حوالي ألف صفحة. وكلّ صفحة مخصّصة للوحة، مع شرح موجز عن الرسّام والعصر الذي عاش فيه. المؤلّف ستيفن فارذينغ يعمل أستاذا في جامعة الفنون في لندن. كما انه في الوقت نفسه رسّام. وقد ساعده في اختيار اللوحات وكتابة الشروحات مجموعة من تسعين كاتبا، بينهم أساتذة في الفنّ وموسيقيّون ومصمّمو مواقع اليكترونية. اللوحات المختارة تغطّي الفترة من عام 1420 قبل الميلاد وحتى العام 2006م. وتضمّ نماذج من الفنّ الفرعوني والإسلامي وفنّ عصر النهضة وصولا إلى فنّ القرن العشرين. وقد روعي في اختيار هذه الأعمال أن تكون ممثّلة لمختلف التيّارات والمدارس الفنّية في الرسم. ويحوي الكتاب أعمالا لفنّانين مشهورين مثل دافنشي وبيكاسو والبريخت ديورر وكلود مونيه وهيرونيموس بوش وكاندينسكي ورافائيل ودي غويا وميكيل أنجيلو وغوستاف كليمت وروبنز وغيرهم. والملاحظ أن المؤلّف لم يقدّم لكتابه بشرح عن بدايات الرسم. كما أن الكتاب لا يتطرّق إلى ماهيّة الرسم ولا إلى وظيفته. والملاحظة الأخرى تتعلّق بالعنوان. فالإشارة ...

هيروشيغي: مائة منظر لـ ايدو

صورة
كان اوتاغاوا هيروشيغي فنّانا يابانيّا كرّس حياته لرسم لوحات رائعة عن الطبيعة اليابانية. وطوال مسيرته الفنّية، ترك هذا الرسّام بصمة خاصّة في تاريخ الرسم العالمي بفضل لوحاته الخشبية الجميلة وأفكاره المبتكرة التي جعلت منه فنّانا مفضّلا بالنسبة للكثيرين. أحد أشهر أعمال هيروشيغي هو سلسلة لوحاته بعنوان مائة منظر لـ ايدو. وايدو هو الاسم القديم لـ طوكيو عاصمة اليابان. وتتألّف هذه السلسلة من مائة وثمان عشرة لوحة. وفيها يصوّر هيروشيغي بطريقة شاعرية مظاهر الحياة والطبيعة في كلّ فصل من فصول السنة. وقد اعتُبرت هذه المجموعة على الدوام واسطة العقد في أعماله الفنّية. كما أنها اليوم من بين أعظم الأعمال الفنّية في اليابان. ويمكن النظر إليها، أيضا، باعتبارها احتفاءً بفنّ وثقافة اليابان في نهايات فترة الشوغن. رسم هيروشيغي مناظر هذه السلسلة في العام 1856م. ويجب أن نتذكّر أن ايدو (أو طوكيو كما أصبحت تسمّى في ما بعد) كانت وقتها تمرّ بتحوّلات كبيرة. وكانت، كما هي اليوم، إحدى أكبر المدن في العالم. وأوّل ما ستلاحظه وأنت تنظر إلى هذه اللوحات المطبوعة على الخشب هو اهتمام الرسّام بإظهار التفاصيل الصغيرة. وع...

سَفَر عبر الزمن

صورة
لو قُدّر لك أن تسافر عبر الزمن إلى الوراء، فأين ستكون وجهتك؟ ادوارد غيبون مؤلّف كتاب انحدار وسقوط الإمبراطورية الرومانية اختار القرن الثاني الميلادي كزمن مفضّل وتمنّى لو انه عاش في تلك الحقبة بالذات. السبب، بحسب المؤرّخ، أن الجنس البشري شهد وقتها أزهى فترات السلام والسعادة والرخاء. لكن كيف كانت ملامح تلك الحقبة؟ تعاقبَ على حكم روما آنذاك خمسة أباطرة هم نيرفا، تراجان، هادريان، انطونيوس بايوس وماركوس اوريليوس. وجلبت فترات حكمهم مستوى غير مسبوق من السلام والاستقرار في معظم أرجاء غرب أوروبّا. لكن أيّ مكان وزمان ستختاره أنت؟ السؤال يحتاج إلى تفكير أكثر. مثلا، الشخص الذي يكره الألم يفضّل العمليات تحت التخدير ويتمنّى ألا يموت بسبب مرض الجدري. لذا فإنه حتما سيختار أن يعيش في وقتنا الحاضر. وعندما يتعلّق الأمر بالتكنولوجيا، فإن الحاضر يتفوّق على الماضي دون شكّ. والمسألة لها علاقة بنمط الحياة والأفكار والأخلاق والأشياء التي تمتدّ وتنكمش كحركة المدّ والجزر. اليوم، ومن خلال جواز سفر وتذكرة، تستطيع أن تسافر لتعيش حياة مريحة في وقت ومكان ما من اختيارك. والمهتمّون بالثقافة سيحجزون مقعدا...

الشرق بعيون إيطالية

صورة
كانت حملة نابليون العسكرية على مصر، بالإضافة إلى حكايات المستشرقين ومغامرات الرحّالة من بين العوامل التي أسهمت في إلهاب مخيّلة القارّة الأوربية العجوز وتحفيز الأوربيّين على معرفة المزيد عن حياة وحضارة الشرق. وقد أسَرَ ما تبقّى من خيال الأوربّيين ما كان يصلهم من أخبار المتع المحرّمة والمحظيّات والحريم في قصور سلاطين وملوك بلاد الشرق. كانت تحدو الأوربيّين رغبة جارفة في معرفة واكتشاف وفهم الأراضي البعيدة والمختلفة عنهم ثقافة وتاريخاً. ولا بدّ وأن الكثيرين منهم كانوا متأثّرين بكتابات الأديب الفرنسي فلوبير الذي كان قد سبقهم إلى مصر وأقام فيها طويلا وأسهب في وصف مشاهد الحريم والرقص هناك. الايطاليون لم يكونوا بمنأى عن تأثير سحر وفتنة الشرق التي طبعت الرسم الغربي في القرن التاسع عشر. فالرسّام الفينيسي فرانشيسكو هايز ، الذي لم يسافر أبدا خارج ايطاليا، أصابته عدوى الافتتان بالشرق، فرسم العديد من اللوحات المتخيّلة عن ثقافة الشرق وحياة شعوبه. لكن رسّاما آخر، هو ايبوليتو كافي ، قرّر أن يعيش التجربة شخصيا. فباشر في العام 1843 رحلة طويلة أخذته في البداية إلى القسطنطينية حيث رسم فيها بازار العب...

عالَم مارك شاغال

صورة
في لوحات مارك شاغال كائنات خرافية وحيوانات طائرة ومخلوقات هجينة نصفها إنسان ونصفها الآخر وحش. ويُفترض أن الرسّام رأى هذه المخلوقات أو تَمثّلها في صور الشياطين المرسومة في الأيقونات والتماثيل العائدة للعصور الوسطى والتي كان معجبا بها كثيرا في بلده الأم روسيا. ولا بدّ وأن شاغال رأى أيضا وهو طفل سلسلة لوحات النزوات التي رسمها الفنّان الاسباني الكبير فرانشيسكو دي غويا. منذ صغره، كان شاغال مفتونا بهذه النوعية من الصور الخليطة أو المهجّنة التي تمزج صورة الإنسان والحيوان معا، وهي سمة رافقت تاريخ الرسم منذ بداياته الأولى. وهو في هذا يقتفي خطى العديد من الرسّامين الذين كانوا منجذبين لهذا النوع من الرسومات، مثل هنري فوسيلي و هيرونيموس بوش . بعض معاصريه من الرسّامين كانوا، هم أيضا، يتبنّون هذا التقليد في الرسم، من بيكاسو إلى برانكوزي إلى جان "هانز" آرب إلى فيكتور برونر وآخرين. والأمر الثابت هو أن مثل هذه الرسومات التي تصوّر البشر بهيئة وحوش أو طيور خرافية ظهرت بكثرة في فنّ القرن العشرين. تكرار الأشكال الهجينة هو من ابرز خصائص لوحات شاغال. فهو كثيرا ما يستبدل رأس الإنسان برأس...