المشاركات

ايفازوفسكي: شاعر البحر

صورة
لم يكن ايفان ايفازوفسكي مجّرد رسّام محترف للمناظر البحريّة، بل كان أيضا يعرف البحر وكان يحبّه بصدق. وعلى الرغم من أنه تحوّل في بعض الأحيان إلى أشكال فنّية أخرى كالمناظر الطبيعية والبورتريه، إلا أنه كان يفعل ذلك لفترة وجيزة ثم ما يلبث أن يعود إلى النوع الذي اختاره والذي ظلّ مخلصا له طوال حياته. كان نجاح ايفازوفسكي مستحقّا بجدارة، إذ لا يوجد رسّام آخر تمكّن من الإمساك بالمزاج المتغيّّر للبحر بمثل هذا التألّق والإقناع والسهولة. عندما بدأ ايفازوفسكي مسيرته المهنيّة، كان الفنّ الروسي لا يزال يهيمن عليه الاتجاه الرومانسيّ. وكان المزاج الرومانسيّ هو الذي يحدّد معايير رسم المناظر الطبيعية الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومن غير المثير للدهشة أن نكتشف وجود عناصر رومانسية، سواءً في أعمال ايفازوفسكي المبكّرة أو في معظم أعماله اللاحقة. فنجده مرارا وتكرارا يرسم المناظر التي تصوّر حطام السفن والعواصف والمعارك البحرية المحتدمة. تابع ايفازوفسكي السير على تقاليد رسّامي المناظر الطبيعية الروس الكبار في بدايات القرن التاسع عشر دون أن يلجأ إلى التقليد الحرفيّ. وقد خل...

سوناتا كرويتزر

صورة
سوناتا كرويتزر هو اسم لمعزوفة موسيقية ولرواية ولأكثر من لوحة تشكيلية. ظهر الاسم لأوّل مرّة عندما أطلقه بيتهوفن على إحدى مؤلّفاته الموسيقية. كان اسم المعزوفة في البداية "سوناتا الكمان رقم تسعة". وهي معروفة بطولها وبالجزء الخاصّ فيها الذي يتطلّب عزف الكمان. الحركة الأولى غاضبة إلى حدّ ما، والثانية تأمّلية، والثالثة مندفعة مع شيء من المرح. عندما فرغ بيتهوفن من تأليف هذه القطعة أهداها إلى صديقه عازف الكمان جورج بريدجتاور 1778)- 1860)، الذي عزفها مع بيتهوفن في العرض الأوّل لها في مايو من عام 1803 على مسرح إحدى الحدائق في برلين. لكن حدث بعد العزف أن عمد بريدجتاور إلى إهانة سيّدة كان بيتهوفن يحترمها كثيرا. لذا وتحت تأثير شعوره بالغضب، قام بيتهوفن بإزالة اسم بريدجتاور من المعزوفة ووضع بدلا منه اسم رودولف كرويتزر الذي كان واحدا من أشهر عازفي الكمان في ذلك الوقت. ومع ذلك، لم يعزف كرويتزر هذه السوناتا أبدا، بل اعتبرها "مزعجة وغير مفهومة". كما انه لم يكن مهتمّا بأيّ من مؤلّفات بيتهوفن، بالإضافة إلى أن الاثنين لم يلتقيا سوى مرّة واحدة فقط وكان لقاءً عابرا. ليو تولستو...

أنف ميكيل أنجيلو

صورة
في عام 1490، كان لورينزو دي ميديتشي واحدا من أغنى وأقوى الرجال في فلورنسا. كان راعيا ومشجّعا للفنون ومشرفا على أكاديمية الفنون التي كان ميكيل أنجيلو احد تلاميذها. وفي احد الأيّام، وبينما كان يمشي في حديقة متحفه المسمّى سان ماركو، رأى لورينزو الشابّ ميكيل أنجيلو وهو يصنع نسخة من رخام لمنحوتة قديمة. وقد أعجب لورينزو كثيرا بعمل وتفاني الصبيّ لدرجة انه قرّر أخذه معه إلى قصره. وهناك خصّص لورينزو له غرفة، وأمر له بمكافأة وبأن تُلبّى جميع احتياجاته الضروريّة. كما أبدى اهتمامه بأن يتابع دراسته في النحت على نفقته. كان ميكيل أنجيلو معروفا بمزاجه الحادّ. وكان من عادته أن ينتقد الآخرين بطريقة هجومية وخاطئة. وفي ذلك الوقت، كان يُنظر إليه باعتباره النجم الجديد الساطع في سماء الفنّ، وكان هو يدرك ذلك جيّدا. زميله بييترو توريجيانو كان أيضا شخصا ذا مزاج عنيف، مع ميلٍ لاختلاق المعارك والشجارات مع زملائه. وفي احد الأيّام، وبينما كان الطلاب ينسخون لوحات جدارية في إحدى الكنائس، كان ميكيل أنجيلو منهمكا في انتقاد أعمال زملائه من الطلبة الآخرين. ويبدو أن توريجيانو لم يتحمّل قيام ميكيل أنجيل...

البحث عن زارادشت

صورة
في بلاد فارس، وقبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، تحدّث زارادشت عن إله واحد، وعن الصراع الأبديّ بين الخير والشرّ والنور والظلام، وعن الملائكة والشياطين والجنّة والنار، وعن نهاية العالم والحياة بعد الموت، وهي المعتقدات الأساسية التي استلهمتها في ما بعد الأديان التوحيديّة. في كتابه بعنوان "البحث عن زارادشت: النبيّ الأوّل والأفكار التي غيّرت العالم"، يسير بول كريفيتشيك على خطى زارادشت محاولا الكشف عن تراثه، بدءا من احتفالات السنة الإيرانية الجديدة، إلى ترجمة نيتشه لسيرة حياته وأفكاره، وإلى تقاليد بعض الطوائف الباطنية التي كانت موجودة زمن الإمبراطورية الرومانية. ومن اجل توثيق مادّة كتابه، ذهب المؤلّف إلى أماكن كثيرة في أوروبّا وآسيا الوسطى، من جدار هادريان إلى نهر اوكسوس، ومن جبال البيرينيه إلى هندوكوش. كما يأخذنا في رحلة إلى بلاد فارس، وبالتحديد زمن تأسيس الإمبراطورية الإخمينية، التي أنشأها قوروش العظيم في القرن السادس قبل الميلاد وكانت حدودها تمتدّ من ضفاف دجلة وحتى تخوم الاندوس. في تلك الفترة ولد زارادشت، الذي يعني اسمه النجم الحيّ، في بلدة عرش سليمان الواقعة في مقاط...

الفيلسوف والذئب

صورة
بعض الدراسات تشير إلى أن الآسيويين الشرقيين كانوا أول من دجّن الذئاب وأن حيواناتهم الأليفة والمخلصة تبعتهم في رحلتهم الطويلة والباردة إلى ارض العالم الجديد. لكن لماذا أراد البشر الأوائل ترويض الذئاب وتحويلها إلى كلاب؟! قد يكون للأمر علاقة بتوق الإنسان الغريزيّ في أن يجعل الحيوانات تتصرّف على هواه ووفقا لمشيئته، وليس تبعا لطبيعتها الخاصّة التي خُلقت عليها. الذئب يتمتّع، ربّما أكثر من أيّ حيوان آخر، بحضور قويّ في الحكايات والقصص الشعبيّة منذ أقدم العصور. أحيانا يُصوّّر كمخلوق شرّير، وأحيانا كمحسن غامض أو كقوّة مهدّدة في الظلام. فخامة الذئب وعنفه وصمته وعواؤه ظلّت دائما مصدر ولع للإنسان. في هذا الكتاب بعنوان "الفيلسوف والذئب: دروس من البرّية عن الحبّ والموت والسعادة"، يصوّر الكاتب والأكاديميّ مارك رولاندز الذئاب كمخلوقات بطوليّة ونقيّة ونبيلة، ما يجعل كلّ البشر يبدون سيّئين. رولاندز هو أستاذ فلسفة عاش مع شبل ذئب يُدعى "برينين" لأكثر من عشر سنوات، أو بدقّة أكبر، عاش الذئب معه وتدرّب إلى أن أصبح حيوانا مطيعا ومستأنسا. والكتاب هو عبارة عن مذكّرات فلسفية ...

شاغال الحالم

صورة
الضوء اللازوردي المنعكس على المنحدرات الواقعة فوق شاطئ الريفييرا الفرنسية يُضفي على الطبيعة هناك ألقا شفّافا. الصخور تبدو مرصّعة بالذهب، والأزهار تتفتّح مثل قطرات ماء على قماش، وحتى العشب يتموّج بخضرة مضاعَفة. هذا الضوء يتملّك الإنسان أيضا ويستولي على مشاعره. وبالنسبة للرسّام مارك شاغال، كان هذا احتفالا دينيّا يوميّا بالألوان وتماهياً مع كلّ هو طبيعيّ وبريء ومدهش. المشي على الأقدام كان جزءا من روتين شاغال طوال حياته. كان يحبّ الريف أكثر من المدينة. ومنذ عام 1950، عاش في "فونس"، وهي بلدة ريفية قديمة من أصول رومانية تطفو فوق جبال الألب. كان كلّ يوم يخرج من حديقة منزله المطليّة جدرانه باللون الأبيض، ويمرّ من أمام أشجار البرتقال والسرو والزيتون تحت وهج الشمس الحارّة، ثم يعبر عددا من المسارات الصخرية التي تصطفّ على جانبيها الأزهار. وبعد ساعة يظهر ثانية وقد علت جبينه الشاحب حبّات عرق أشبه ما تكون باللؤلؤ. وفي تلك الأثناء يكون قد نال قسطا من الانتعاش وأصبح جاهزا للعمل. كان شاغال يحبّ الحياة بفرح. وبالنسبة له، أن تشمّ رائحة الفواكه الرطبة وتسمع طقطقة الأشجار في الغابا...

عشاء مع بيرسيفوني

صورة
اليونان، بالنسبة للكثيرين، هي أرض ضائعة في الزمن. كلمة اليونان تستحضر صور البارثينون الذي تلوح أعمدته الرخامية ومبانيه البيضاء الخالدة في الأفق، والجزر التي يربو عددها على الألفي جزيرة والتي تومض على خلفية من زرقة وصفاء البحر المتوسط. عندما كنت طفلة، كانت اليونان أكثر واقعية بالنسبة لي من أمريكا حيث نشأت. وكان أوّل كتاب أحببته عبارة عن كنز مخبّأ في عُلبة. كان كتاب أطفال من القرن التاسع عشر بغلاف أزرق وذهبي. وكان يحتوي على قصص لـ هوميروس كُتبت في شكل نثر تنبّؤي يخالطه بعض الهزل. قرأت ذلك الكتاب مرارا وتكرارا، وأجفلت عندما اختار باريس أن يعطي التفّاحة الذهبية لـ أفرودايت مفضّلا الجمال على عرض هيرا له بالسلطة وعرض أثينا بالحكمة. وقلت في نفسي: لو انه اختار الحكمة لضمن السلطة والجمال أيضا. كنت بالتأكيد منجذبة للجوانب الجوهرية من اليونان، على غرار أولئك المفتونين بها والذين يسافرون إليها عبر الزمن. لكي ترى البلد وتجرّبه وتطّلع على ثقافته، يتعيّن عليك أن تنتقل عبر القرون بمرونة وسرعة. كانت مفاهيم علم الآثار والحفريات أمرا مهمّا للغاية بالنسبة لي. وكانت اليونان بعالمها القديم ...