المشاركات

رينوار: الأعوام الأخيرة

صورة
"لا تضع على صدري حجرا ثقيلا. أريد أن اذهب لأتنزّه في الريف لبعض الوقت". كان هذا آخر ما طلبه الرسّام بيير أوغست رينوار من ابنه جان قبيل وفاته. وعندما توفّي في الثالث من ديسمبر عام 1919 نتيجة إصابته بالتهاب رئوي، كانت آخر كلمات قالها وهو يحدّق في لوحة صغيرة تصوّر باقة من شقائق النعمان كان قد انتهى للتوّ من رسمها: الآن بدأت أفهم شيئا ما". قبر رينوار يُميّزه شاهد بسيط من الرخام. في هذا المكان، يرقد الرسّام وإلى جواره كلّ من زوجته ألين وأبنائه الثلاثة. القبور بسيطة كبساطة الحياة التي عاشها الرسّام وكرّسها كليّا لفنّه ولتصوير السعادة. وما يزال بالإمكان زيارة محترفه المتواضع في الجزء الخلفيّ من حديقة منزل العائلة الذي تشغله الآن صوفي رينوار، إحدى حفيداته. المحترف فارغ إلا من كرسيّ وحامل لوحة كان رينوار يستخدمهما عندما أصبح معاقا. ويتفرّع عنه عدّة مسارات كان الفنّان يسلكها، إمّا مشياً على الأقدام أو بالدرّاجة الهوائية، عندما يبحث عن موضوعات ليرسمها. مناظر رينوار لا تخلو من صور لأطفال وأزهار ونساء يتحمّمن في غابات مضيئة أو أنهار من الفضّة. موهبته المبكّرة أهّلته لحيا...

فنّ العزلة

صورة
"كلّما كان العقل قويّاً، كلّما كان أكثر ميلا إلى العزلة" – آلدوس هاكسلي ، كاتب وروائي بريطاني أكثر الناس هذه الأيّام لا يتحسّرون أو يندمون على نعمة الترابط والتواصل التي أتاحتها وسائل الاتصال الحديثة بين الناس من مختلف البلدان والثقافات. لكن من وقت لآخر يحتاج الإنسان لأن يخطو إلى الوراء قليلا ويلتمس لنفسه شيئا من العزلة يصرفها في التأمّل والقراءة والبعد عن صخب وتشوّش العالم. بعض الناس يفضّلون الجلوس أمام البحر والبعض الآخر يفضّلون المشي والتأمّل ومن ثمّ الكتابة أو قراءة كتاب مفيد. وهناك من يفضّل أن يقضي أيّاما أو أسابيع في عزلة في الصحراء أو في جزيرة بعيدة مدفوعا بالرغبة في أن يعيش دون قيود أو قواعد تكبّله أو تلزمه بالتصرّف بطريقة محدّدة. والحقيقة أن الإنسان لا يحتاج لأن يكون راهبا أو ناسكا كي يجد العزلة ويستمتع بها ويكتشف منافعها. وهناك من يرى بأن العزلة، خصوصا في هذه الأيّام، هي ضرورة ملحّة لأكثر من سبب. فهي تنتشلنا من سطوة الجموع وتعيدنا إلى ذواتنا الحقيقية لبعض الوقت. وفي العزلة فقط يمكن أن نجد الاستنارة الروحية ونكتشف قيمة الصمت ونستلهم أعظم الأفكار وأع...

قصّة عائلتين

صورة
عندما التقيت ماركو روث للمرّة الأولى في جامعة ييل، بدا لي وجهه مألوفا بشكل غامض. وخُيّل إليّ انه لم يأت من الولايات المتّحدة، وإنما من موسكو أو فيلنيوس أو براغ أو أيّ مكان آخر ذي تاريخ مضنٍ ومشرّب بالشعور بالذنب. وبدا لي وهو يمشي كما لو انه محبوس في فضائه الخاصّ أو في كرة شفّافة من الجليد كتلك التي تظهر في لوحة هيرونيموس بوش عن الجنّة (أم ترى هل كانت الجحيم)؟! أتذكّر لقائي مع ماركو وصديقه في احد شوارع نيوهيفن وبحثي عن شيء ما أقوله له أكثر من مجرّد التحيّة التقليدية. وبقدر ما أردت أن أبدأ معهما حديثا، لم يأت إلى ذهني شيء. كنت محرجة وكانت لغتي الإنجليزية ضعيفة. وبدا لي أن ماركو وصديقه لا يمكن الاقتراب منهما. لم يكن لديّ أيّة فكرة عن واقع حياتهما. وتذكّرت كلمة صاغتها آنا اخماتوفا: اللا لقاء. بعد مرور حوالي خمسة عشر عاما على ذلك "اللا لقاء"، قرأت في إحدى الصحف أن ماركو روث بدأ في نشر مذكّراته بعنوان "العلماء: قصّة حبّ عائلية"، والتي يصف فيها كيف، وهو ما يزال في سنّ المراهقة، كان يراقب والده، وهو خبير في أمراض الدم كان قد أصيب بعدوى الايدز إثر خطأ طبّي فادح، و...

الحياة السرّية للأزهار

صورة
يذكر عالم الفيزياء الأمريكي المشهور ريتشارد فاينمان أن احد أصدقائه من الفنّانين امسك ذات يوم بيده زهرة وقال: انظر كم هي جميلة! ثمّ أضاف: أنا كفنّان يمكنني أن أرى وأتلمّس جمالها. لكنّك كعالِم تأخذ هذا الجمال فتفتّته وتجزّؤه إلى أن يصبح شيئا مملا. فردّ عليه فاينمان: أنا أيضا أرى جمال الزهرة. وفي نفس الوقت، أرى من الزهرة أكثر بكثير مما تراه. وأضاف موضّحا: يمكنني، مثلا، أن أتخيّل خلاياها وبنيتها الداخلية والعمليات المعقّدة التي تجري بداخلها. المعرفة العلمية تضيف إلى جمال الزهرة الظاهري عناصر جمال أخرى لا تقل أهمّية كالإثارة والغموض والرهبة". لكن ماذا يمكن أن يقول عن الأزهار شخص هو عالِم وباحث وفنّان في الوقت نفسه؟ هذا الكتاب عنوانه "تشريح زهرة: الحياة السرّية للأزهار". ومؤلّفته شارمان راسل هي عالمة نبات وفنّانة وكاتبة طبيعة مشهورة. وكتابها هذا عبارة عن تأمّل شاعري يمزج بين الكتابة الرشيقة ووضوح الباحث والفنّان. وفيه تجمع عمل علماء النبات من جميع أنحاء العالم وتضيء عالما مألوفا وغريبا في نفس الوقت. تتحدّث راسل عن بعض جوانب "الحياة الداخلية" للأزهار، وتب...

ايفازوفسكي: شاعر البحر

صورة
لم يكن ايفان ايفازوفسكي مجّرد رسّام محترف للمناظر البحريّة، بل كان أيضا يعرف البحر وكان يحبّه بصدق. وعلى الرغم من أنه تحوّل في بعض الأحيان إلى أشكال فنّية أخرى كالمناظر الطبيعية والبورتريه، إلا أنه كان يفعل ذلك لفترة وجيزة ثم ما يلبث أن يعود إلى النوع الذي اختاره والذي ظلّ مخلصا له طوال حياته. كان نجاح ايفازوفسكي مستحقّا بجدارة، إذ لا يوجد رسّام آخر تمكّن من الإمساك بالمزاج المتغيّّر للبحر بمثل هذا التألّق والإقناع والسهولة. عندما بدأ ايفازوفسكي مسيرته المهنيّة، كان الفنّ الروسي لا يزال يهيمن عليه الاتجاه الرومانسيّ. وكان المزاج الرومانسيّ هو الذي يحدّد معايير رسم المناظر الطبيعية الروسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومن غير المثير للدهشة أن نكتشف وجود عناصر رومانسية، سواءً في أعمال ايفازوفسكي المبكّرة أو في معظم أعماله اللاحقة. فنجده مرارا وتكرارا يرسم المناظر التي تصوّر حطام السفن والعواصف والمعارك البحرية المحتدمة. تابع ايفازوفسكي السير على تقاليد رسّامي المناظر الطبيعية الروس الكبار في بدايات القرن التاسع عشر دون أن يلجأ إلى التقليد الحرفيّ. وقد خل...

سوناتا كرويتزر

صورة
سوناتا كرويتزر هو اسم لمعزوفة موسيقية ولرواية ولأكثر من لوحة تشكيلية. ظهر الاسم لأوّل مرّة عندما أطلقه بيتهوفن على إحدى مؤلّفاته الموسيقية. كان اسم المعزوفة في البداية "سوناتا الكمان رقم تسعة". وهي معروفة بطولها وبالجزء الخاصّ فيها الذي يتطلّب عزف الكمان. الحركة الأولى غاضبة إلى حدّ ما، والثانية تأمّلية، والثالثة مندفعة مع شيء من المرح. عندما فرغ بيتهوفن من تأليف هذه القطعة أهداها إلى صديقه عازف الكمان جورج بريدجتاور 1778)- 1860)، الذي عزفها مع بيتهوفن في العرض الأوّل لها في مايو من عام 1803 على مسرح إحدى الحدائق في برلين. لكن حدث بعد العزف أن عمد بريدجتاور إلى إهانة سيّدة كان بيتهوفن يحترمها كثيرا. لذا وتحت تأثير شعوره بالغضب، قام بيتهوفن بإزالة اسم بريدجتاور من المعزوفة ووضع بدلا منه اسم رودولف كرويتزر الذي كان واحدا من أشهر عازفي الكمان في ذلك الوقت. ومع ذلك، لم يعزف كرويتزر هذه السوناتا أبدا، بل اعتبرها "مزعجة وغير مفهومة". كما انه لم يكن مهتمّا بأيّ من مؤلّفات بيتهوفن، بالإضافة إلى أن الاثنين لم يلتقيا سوى مرّة واحدة فقط وكان لقاءً عابرا. ليو تولستو...

أنف ميكيل أنجيلو

صورة
في عام 1490، كان لورينزو دي ميديتشي واحدا من أغنى وأقوى الرجال في فلورنسا. كان راعيا ومشجّعا للفنون ومشرفا على أكاديمية الفنون التي كان ميكيل أنجيلو احد تلاميذها. وفي احد الأيّام، وبينما كان يمشي في حديقة متحفه المسمّى سان ماركو، رأى لورينزو الشابّ ميكيل أنجيلو وهو يصنع نسخة من رخام لمنحوتة قديمة. وقد أعجب لورينزو كثيرا بعمل وتفاني الصبيّ لدرجة انه قرّر أخذه معه إلى قصره. وهناك خصّص لورينزو له غرفة، وأمر له بمكافأة وبأن تُلبّى جميع احتياجاته الضروريّة. كما أبدى اهتمامه بأن يتابع دراسته في النحت على نفقته. كان ميكيل أنجيلو معروفا بمزاجه الحادّ. وكان من عادته أن ينتقد الآخرين بطريقة هجومية وخاطئة. وفي ذلك الوقت، كان يُنظر إليه باعتباره النجم الجديد الساطع في سماء الفنّ، وكان هو يدرك ذلك جيّدا. زميله بييترو توريجيانو كان أيضا شخصا ذا مزاج عنيف، مع ميلٍ لاختلاق المعارك والشجارات مع زملائه. وفي احد الأيّام، وبينما كان الطلاب ينسخون لوحات جدارية في إحدى الكنائس، كان ميكيل أنجيلو منهمكا في انتقاد أعمال زملائه من الطلبة الآخرين. ويبدو أن توريجيانو لم يتحمّل قيام ميكيل أنجيل...