المشاركات

حكايات صينية 3 من 3

صورة
ظلّت الصين دائما في حالة عدم وفاق مع كلّ ما هو أجنبيّ. وكان الصينيون يَعتبرون أن جميع الشعوب التي تعيش خارج حدود السور العظيم هم من البرابرة. ولكن في بعض الأحيان كان الغزاة موضع ترحيب داخل الأسرة الصينية الكبيرة. وأحد هؤلاء كان قُبلاي خان. في القرن الثالث عشر، لم يكن احد يدرك كم أن هذا العالم كبير وواسع. لذلك لم يكن غريبا أن ينطلق المغول خارج مراعيهم ومروجهم وفي ذهنهم فكرة أن يبسطوا سيطرتهم على العالم أجمع. عندما توفّي الزعيم القويّ جنكيز خان عام 1227، كان قد أسّس بالفعل إمبراطورية تمتدّ من المحيط الهادئ إلى حدود أوروبّا. وكان على حفيده قبلاي خان أن يكمل تلك المهمّة. وقد بدأ الأخير مسيرته بالاتجاه جنوبا لمهاجمة سلالة سونغ الصينية. لكن الصين كانت إمبراطورية موحّدة لأكثر من ألف عام. وبالنسبة لحكّام سلالة سونغ، لم يكن متصوّرا على الإطلاق أن يتمكّن المغول من الاستيلاء على كامل التراب الصينيّ. كان الأمر أشبه بأن تحتلّ قبيلة بدائية روما، أو بأن تحتلّ قبيلة هندية كلا من كندا والولايات المتحدة. كان أمرا لا يمكن تصوّره أبدا. لذا عندما حدث، كان يمثّل صدمة وكارثة. الإمبراطور الطفل أق...

حكايات صينية 2 من 3

صورة
مضى على موت ماو تسي تونغ أربعون عاما. لكن رفاته ما تزال محفوظة داخل ضريح في ساحة تيانان مين أو ميدان السلام السماوي. هذا الميدان يُعتبر القلب الرمزي للدولة الصينية، ومنه أعلن ماو الصين جمهوريةً شعبية عام 1949. ماو، أو الإمبراطور الأحمر كما كان يُلقّب، كان يعزو فكرة هذا البلد الشاسع والعريق إلى مؤسّس عاش قبل حوالي ألفي عام. هذا الرجل هو تشين جن هوان، الإمبراطور الذي ارتبط اسمه بما يُعرف الآن بجيش التماثيل الطينية. وقد أطلق اسم تشين الأوّل على هذا البلد، ولولاه لما كانت هناك اليوم دولة تُدعى الصين. ضريحا ماو وتشين يُعتبران اليوم قبلة للزوّار الأجانب الذين يحلّون ضيوفا على الصين. غير أن هناك أيضا شيئا آخر مشتركا بين هذين الرجلين، فقد علّم تشين ماو دروسا في كيفية اضطهاد وقمع المثقّفين. قبل تشين جن هوان، كانت الصين عبارة عن ارض تحوي عددا من الدول المتباينة والمتباعدة. وكان لكلّ دولة كتابتها وتقويمها الخاصّ. تشين نفسه كان ملكا على دولته الصغيرة منذ أن بلغ سنّ الثالثة عشرة. وقد بدأ حكمه بإزالة ما كان يعتبره تهديدا لعرشه عندما أمر بإعدام عشيق والدته ومعه كافّة أفراد أسرته. و...

حكايات صينية 1 من 3

صورة
احد الأشياء المثيرة للاهتمام في التاريخ الصيني هو الطريقة التي يصبح بها البشر آلهة أو مخلوقات قريبة من الآلهة. ومفهوم ولاية السماء في الثقافة الصينية ينطوي على فكرة مؤدّاها أنه إذا كان الحاكم جيّدا فإن السماء تُسرّ لذلك وكلّ شيء يسير على ما يرام. وإن كان سيّئا فإن السماء تُظهر استياءها من خلال الزلازل والفيضانات وغيرها من كوارث الطبيعة التي تُعتبر مؤشّرات على وجوب إطاحة الحاكم وتغييره. في القرن الخامس قبل الميلاد، كان لدى أوربّا سقراط، وكان لدى الصين كونفوشيوس. وكلا هذين الفيلسوفين كانا منشغلين بالتنظير عن الأخلاق وعن طبيعة العلاقة التي يجب أن تسود بين الفرد والدولة. وقد اعتاد كثير من الناس على أن ينظروا إلى كونفوشيوس باعتباره الشخص الذي وضع حجر الأساس للفلسفة السياسية الصينية، مع انه إنّما كان يعيد تشكيل أفكار كانت قد أخذت في التبلور على مرّ قرون عديدة. معلّم كونفوشيوس، وربّما أبوه الروحي، كان شخصا يُدعى الأمير جو. كان هذا الأمير رجل فكر ودولة. وقد اقترن اسمه بتأسيس سلالة جو التي حكمت الصين في القرن الحادي عشر قبل الميلاد. في زمن الأمير جو وتحت سلطة شقيقه، كانت هناك ف...

رينوار: الأعوام الأخيرة

صورة
"لا تضع على صدري حجرا ثقيلا. أريد أن اذهب لأتنزّه في الريف لبعض الوقت". كان هذا آخر ما طلبه الرسّام بيير أوغست رينوار من ابنه جان قبيل وفاته. وعندما توفّي في الثالث من ديسمبر عام 1919 نتيجة إصابته بالتهاب رئوي، كانت آخر كلمات قالها وهو يحدّق في لوحة صغيرة تصوّر باقة من شقائق النعمان كان قد انتهى للتوّ من رسمها: الآن بدأت أفهم شيئا ما". قبر رينوار يُميّزه شاهد بسيط من الرخام. في هذا المكان، يرقد الرسّام وإلى جواره كلّ من زوجته ألين وأبنائه الثلاثة. القبور بسيطة كبساطة الحياة التي عاشها الرسّام وكرّسها كليّا لفنّه ولتصوير السعادة. وما يزال بالإمكان زيارة محترفه المتواضع في الجزء الخلفيّ من حديقة منزل العائلة الذي تشغله الآن صوفي رينوار، إحدى حفيداته. المحترف فارغ إلا من كرسيّ وحامل لوحة كان رينوار يستخدمهما عندما أصبح معاقا. ويتفرّع عنه عدّة مسارات كان الفنّان يسلكها، إمّا مشياً على الأقدام أو بالدرّاجة الهوائية، عندما يبحث عن موضوعات ليرسمها. مناظر رينوار لا تخلو من صور لأطفال وأزهار ونساء يتحمّمن في غابات مضيئة أو أنهار من الفضّة. موهبته المبكّرة أهّلته لحيا...

فنّ العزلة

صورة
"كلّما كان العقل قويّاً، كلّما كان أكثر ميلا إلى العزلة" – آلدوس هاكسلي ، كاتب وروائي بريطاني أكثر الناس هذه الأيّام لا يتحسّرون أو يندمون على نعمة الترابط والتواصل التي أتاحتها وسائل الاتصال الحديثة بين الناس من مختلف البلدان والثقافات. لكن من وقت لآخر يحتاج الإنسان لأن يخطو إلى الوراء قليلا ويلتمس لنفسه شيئا من العزلة يصرفها في التأمّل والقراءة والبعد عن صخب وتشوّش العالم. بعض الناس يفضّلون الجلوس أمام البحر والبعض الآخر يفضّلون المشي والتأمّل ومن ثمّ الكتابة أو قراءة كتاب مفيد. وهناك من يفضّل أن يقضي أيّاما أو أسابيع في عزلة في الصحراء أو في جزيرة بعيدة مدفوعا بالرغبة في أن يعيش دون قيود أو قواعد تكبّله أو تلزمه بالتصرّف بطريقة محدّدة. والحقيقة أن الإنسان لا يحتاج لأن يكون راهبا أو ناسكا كي يجد العزلة ويستمتع بها ويكتشف منافعها. وهناك من يرى بأن العزلة، خصوصا في هذه الأيّام، هي ضرورة ملحّة لأكثر من سبب. فهي تنتشلنا من سطوة الجموع وتعيدنا إلى ذواتنا الحقيقية لبعض الوقت. وفي العزلة فقط يمكن أن نجد الاستنارة الروحية ونكتشف قيمة الصمت ونستلهم أعظم الأفكار وأع...

قصّة عائلتين

صورة
عندما التقيت ماركو روث للمرّة الأولى في جامعة ييل، بدا لي وجهه مألوفا بشكل غامض. وخُيّل إليّ انه لم يأت من الولايات المتّحدة، وإنما من موسكو أو فيلنيوس أو براغ أو أيّ مكان آخر ذي تاريخ مضنٍ ومشرّب بالشعور بالذنب. وبدا لي وهو يمشي كما لو انه محبوس في فضائه الخاصّ أو في كرة شفّافة من الجليد كتلك التي تظهر في لوحة هيرونيموس بوش عن الجنّة (أم ترى هل كانت الجحيم)؟! أتذكّر لقائي مع ماركو وصديقه في احد شوارع نيوهيفن وبحثي عن شيء ما أقوله له أكثر من مجرّد التحيّة التقليدية. وبقدر ما أردت أن أبدأ معهما حديثا، لم يأت إلى ذهني شيء. كنت محرجة وكانت لغتي الإنجليزية ضعيفة. وبدا لي أن ماركو وصديقه لا يمكن الاقتراب منهما. لم يكن لديّ أيّة فكرة عن واقع حياتهما. وتذكّرت كلمة صاغتها آنا اخماتوفا: اللا لقاء. بعد مرور حوالي خمسة عشر عاما على ذلك "اللا لقاء"، قرأت في إحدى الصحف أن ماركو روث بدأ في نشر مذكّراته بعنوان "العلماء: قصّة حبّ عائلية"، والتي يصف فيها كيف، وهو ما يزال في سنّ المراهقة، كان يراقب والده، وهو خبير في أمراض الدم كان قد أصيب بعدوى الايدز إثر خطأ طبّي فادح، و...

الحياة السرّية للأزهار

صورة
يذكر عالم الفيزياء الأمريكي المشهور ريتشارد فاينمان أن احد أصدقائه من الفنّانين امسك ذات يوم بيده زهرة وقال: انظر كم هي جميلة! ثمّ أضاف: أنا كفنّان يمكنني أن أرى وأتلمّس جمالها. لكنّك كعالِم تأخذ هذا الجمال فتفتّته وتجزّؤه إلى أن يصبح شيئا مملا. فردّ عليه فاينمان: أنا أيضا أرى جمال الزهرة. وفي نفس الوقت، أرى من الزهرة أكثر بكثير مما تراه. وأضاف موضّحا: يمكنني، مثلا، أن أتخيّل خلاياها وبنيتها الداخلية والعمليات المعقّدة التي تجري بداخلها. المعرفة العلمية تضيف إلى جمال الزهرة الظاهري عناصر جمال أخرى لا تقل أهمّية كالإثارة والغموض والرهبة". لكن ماذا يمكن أن يقول عن الأزهار شخص هو عالِم وباحث وفنّان في الوقت نفسه؟ هذا الكتاب عنوانه "تشريح زهرة: الحياة السرّية للأزهار". ومؤلّفته شارمان راسل هي عالمة نبات وفنّانة وكاتبة طبيعة مشهورة. وكتابها هذا عبارة عن تأمّل شاعري يمزج بين الكتابة الرشيقة ووضوح الباحث والفنّان. وفيه تجمع عمل علماء النبات من جميع أنحاء العالم وتضيء عالما مألوفا وغريبا في نفس الوقت. تتحدّث راسل عن بعض جوانب "الحياة الداخلية" للأزهار، وتب...