المشاركات

أسمال وعظام

صورة
على بعد أمتار، كانت هناك مجموعة من رؤوس الغنم المقطوعة. الأفواه فاغرة والمناخير مفتوحة على اتّساعها. والرؤوس تنظر إليك كما لو أنها مستعدّة للغناء. رأيت هذا المنظر قبل سنوات في سوق حلب الكبير، أي في قلب المدينة التي يقال إنها أقدم مدينة مأهولة في العالم. وبعد بضع ساعات من التجوال في شوارعها، أدركت أن باستطاعتي أن أجد أيّ شيء تقريبا في محلاتها التي يربو عددها على الألف. كان هذا السوق مركز المدينة حتى في زمن الرومان. وأكثر معروضاته لم تتغيّر منذ ذلك الحين. وفي نهاية اليوم، عاينت محلا لبيع التحف القديمة ولاحظت أن الهواء حوله مشبع بروائح التفّاح المحترق المتصاعد من الاراغيل في مقهى مجاور والتي يخالطها روائح عرق وتوابل وشاي. وبعد قليل ظهر من داخل المحلّ رجل أخذ ينظر إليّ شزرا ثم سألني: هولندي أم فرنسي أم انجليزي؟! قلت: أمريكي. فقال بابتهاج: أهلا أمريكا! ثم لوّح بيديه باتجاه أواني البصل والمخلّل ورؤوس الغنم المقطوعة وقال: هل تأكل شيئا يا سيّد أمريكا؟ شكرته وواصلت سيري بحثا عن رؤوس من نوع آخر. في كلّ دليل سياحي عن سوريا، هناك إشارة إلى أن رفات النبيّ زكريا يمكن رؤيتها في ...

تأمّلات مع حافظ

صورة
"قم بنا نقرع ليلا، باب خمّارٍ حكيم، نطلب الفتح لنروي، عنه أشتات العلومِ. قم بنا نجلس في الإيوان في الليل البهيمِ، ندرك السُؤْل ونجني، منه لذّات النعيمِ". على الرغم من أن حافظ الشيرازي عاش في القرن الرابع عشر الميلادي، إلا أن قصائده ما تزال تحظى بشعبيّة كبيرة. حكمته ولغته التعبيريّة وتقديره العميق للجمال جعلت منه شاعرا مفضّلا للعشّاق، وبخاصة محبّي الله. وعلى مدى قرون، استُخدمت قصائد حافظ للتدريس بطرق متنوّعة. وكثيرا ما وُظّفت في الأغاني والمسرحيّات ولجأ إليها الناس كنوع من محاولة التنبّؤ بالغيب. الشاعر الأميركي دانيال لادينسكي يقدّم في هذا الكتاب بعنوان "عام مع حافظ : تأمّلات يوميّة" وجهة نظر فريدة ومتبصّرة عن حكمة الشاعر الفارسيّ من خلال أكثر من 350 من قصائده. كما يُفرد قسما خاصّا عن ترجمة رالف إيمرسون لشعر حافظ. والقصائد في مجموعها تُمسك بروح العاطفة ومعاني الرحمة اللانهائية والحبّ والشوق والروعة الإلهية كما تتجلّى في الكون. في مقدّمة الكتاب، يشير لادينسكي إلى انه يقدّم تفسيرات وشروحات لقصائد الشاعر بدلا من الترجمات الحرفية. وهو يستند في عمله...

موديلياني: ما وراء الأسطورة

صورة
لم يعد يُنظر إلى الأعمال الفنّية كأشياء منفصلة وذات حياة خاصّة بها. فاللوحة في النهاية هي إسقاط سايكولوجي لروح الإنسان الذي أبدعها. وكلّ ضربة فرشاة وكلّ لون وخطّ يكتسب معناه الحقيقيّ من مزاج الفنّان عندما وضع لونا هنا أو خطّا هناك، وعندما فضّل لونا على آخر، أو عندما قرّر، مثلا، أن يرسم منظرا طبيعيا بدلاً من صورة إنسان. مزاج الفنّان واختياره لأدواته وموضوعه وأسلوبه وخطوطه وألوانه، كلّها عناصر مهمّة في دراسة النسيج الحميمي لروحه، إن جاز التعبير. ولأننا لا نعرف سوى القليل عن هذه العناصر، فإن موقفنا ونحن نقف أمام عمل رسّام كبير ليس موقف إعجاب بالفنّان نفسه، وإنّما بعمله، وكما لو أن العمل منفصل عن الفنّان. هذا التمهيد ضروريّ، وعلى أساسه سنشرع في هذه الدراسة السايكولوجية الموجزة عن حياة وفنّ أميديو موديلياني الذي يُعتبر واحدا من أكثر فنّاني الحداثة شهرةً وغموضا. ولد موديلياني في ليفورنو بإيطاليا في يوليو من عام 1884 وقضى طفولته مريضا، الأمر الذي أدّى إلى انقطاعه عن الدراسة. وفي سنّ السادسة عشرة، كان يبصق دماً، ومع الدم أجزاء من رئته المريضة. وقد أرسلته أمّه إلى مدرسة الرسم في...

الصحراء الكبرى: تاريخ ثقافي

صورة
زيارة الصحراء الكبرى والتجوّل بين معالمها هو حلم كان وما يزال يراود الكثيرين. ومن بين من فتنتهم رمال هذه الصحراء وواحاتها وسكّانها الاسكندر الأكبر ونابليون بونابرت واللورد بايرون والكاتب الأمريكي بول بولز.. وغيرهم. في هذا الكتاب بعنوان "الصحراء الكبرى: تاريخ ثقافي"، يغطّي الباحث والمستعرب البريطاني إيمون غِيرون تاريخ الصحراء الكبرى، من عصور ما قبل التاريخ وصولا إلى الدراما السياسية التي تشهدها المنطقة اليوم: آلاف السنين من المستوطنات البشرية، وإحدى عشرة دولة حديثة، وطبيعة تسرّ وتُفزع بشكل متساو: بحار من الرمال وجبال تشبه تضاريس القمر وأراض بُور وواحات ماء وخضرة واهبة للحياة. المشهد الإنساني للصحراء يتألّف من البدو والصيّادين والمزارعين وعدد لا يُحصى من الغزاة الذين جاءوا إليها مسلّحين بالسيوف والبنادق. وهناك زوّار آخرون جاءوا يحملون الأقلام وأدوات الرسم وآلات التصوير. وعلى مرّ قرون، وجد الفنّانون والكتّاب والشعراء وصنّاع الأفلام متعتهم في الصحراء الكبرى. المستكشفون والمغامرون والجغرافيّون عبروا، هم أيضا، الصحراء بحثا عن الذهب والعبيد والملح. يقول المؤلّف في مقد...

عالم سليمان: نظرة مختلفة

صورة
هل كان سليمان الشخص الأكثر حكمة على الأرض؟ أم كان مجرّد عرّاف لقي نهاية حزينة مثل فاوست؟ سليمان يبدو في بعض تقاليد الكابالا المبكّرة اقرب ما يكون إلى صورة كاريكاتورية لعرّاف. فهو يبحر في عرش مضيء على أحد الأنهر كي يسهّل لحيرام ملك صور زيارة الجحيم بمساعدة شياطين ومخلوقات أخرى. وفي القرآن الكريم، يرد ذكره مقرونا بالرياح والجان اللذين يطيعان أوامره. في هذا الكتاب بعنوان "سليمان: غواية الحكمة"، يحاول ستيفن فايتزمان أستاذ الدين في جامعة ستانفورد، استكشاف ما لا نعرفه عن سليمان؛ الملك الذي كان "الأكثر حكمة من أيّ شخص آخر" والذي انتهى به الأمر إلى نوع من الخواء الوجودي. والمؤلّف يكشف الكثير من قصّة هذا الملك وتعطشّه للمعرفة. كما يطرح أسئلة صعبة مثل مشكلة سليمان المتمثّلة باستلامه العرش متقدّما على أشقائه الأكبر منه سنّا، الأمر الذي تطلّب منه إظهار بعض الميكيافيلية، بالإضافة إلى علاقاته الدولية وفتوحاته وقصّته المشهورة مع ملكة سبأ ومغامراته الجنسية التي لا تنتهي مع ألف من الزوجات والمحظيّات، وكذلك ثروته الفاحشة من الذهب والفضّة. يقول فايتزمان: من الغريب ...

روح الإنسان

صورة
هل ما نراه في هذه اللوحة بورتريه شخصيّ؟ دراسة سيكولوجيّة؟ تصوير لحالة ذهنية عن الوحدة والخواء؟ أم محاولة من الرسّام للامساك بجمال الطبيعة؟ لو كان الرسّام يريد حقّا تصوير جمال الطبيعة لما حجب جانبا من المنظر بتضمين اللوحة رجلا يقف في منتصفها. الطبيعة في هذا المشهد صعبة ووعرة: منحدرات عميقة وخطرة، ضباب كثيف وسماء بيضاء باردة في الأفق. وهناك أيضا انطباع عن طقس عاصف جدّا. أي أننا أمام مكان غير مريح بالمرّة، بل وخطير جدّا على سلامة الإنسان. وبالتأكيد لا احد يرغب بالمجيء إلى هنا. مثل هذا المكان المخيف والمملوء بالخطر يمكن للإنسان بالكاد أن يبقى فيه للحظات على أقصى تقدير. لكنّ الرجل يبدو صامدا كما لو انه يستطيع الوقوف حيث هو والتأمّل في هذا المكان إلى الأبد. لأن صور كاسبار ديفيد فريدريش تركّز على الطبيعة أكثر من البشر، فإن لها ملمحا متساميا وصالحا لكلّ زمان ومكان. عالما صوره، الداخليّ والخارجيّ، يبدوان متوحّدين. وهذا كان إنجازا عظيما للعصر الرومانسي الذي كان فريدريش، بصوره التأمّلية والمثيرة للذكريات، أحد أعلامه الكبار. والغريب أن هذا الفنّان شقّ طريقه في الرسم بقوّة رغم ما يقال من...

الثديان: تاريخ

صورة
على مدى قرون، تحدّث العلماء والكتّاب من الرجال، من سيغموند فرويد إلى ديف باري وروبيرت بول سميث وآخرين، عن ثديي الأنثى فامتدحوهما وقدّسوهما كموضع للحنان وللإثارة الجنسية. الكاتبة والفيلسوفة النسوية ايريس يونغ أشارت ذات مرّة إلى هذه الثنائية في وظيفة الثديين عندما كتبت تقول: الثديان فضيحة، لأنهما يحطّمان الحدود بين الأمومة والجنسانية''. والحقيقة أن لا شيء يذكّرنا بالثديين وروعتهما وتألّقهما التطوّري وتأثيرهما على تفكيرنا الجمعي أفضل من التحديق في الجبال. فلورانس وليامز، وهي كاتبة علمية جسورة تعيش بالقرب من جبال روكي في كولورادو، صرفت من وقتها وجهدها الشيء الكثير لتخرج لنا بهذا الكتاب المثير للاهتمام بعنوان "الثديان: تاريخ طبيعيّ وغير طبيعيّ". في بداية الكتاب، تؤكّد المؤلّفة أن ثديي المرأة تطوّرا في الأساس استجابة لمتطلّبات بقاء الإنسان على قيد الحياة. أما هاجس الرجال بهما فلم ينشأ إلا في مرحلة متأخّرة. وتشير إلى أن أجيالا عديدة من الباحثين الذكور ركّزوا دراساتهم العلمية على افتراض خاطئ مؤدّاه أن وظيفة الثديين في المقام الأوّل هي زيادة الجاذبية الجنسية...