المشاركات

آلة الزمن

صورة
كان القدماء ينظرون إلى الضوء كشيء مقدّس. بل إن كثيرا من الثقافات القديمة كانت تنظر إلى الشمس، مصدر الضوء الأساسيّ في الكون، على أنها إله. في مصر الفرعونية مثلا، كان يسود اعتقاد بأن إله الشمس "رع" يسافر عبر السماء على قارب كبير فيصبح الوقت نهارا. وعندما يسافر عبر العالم السفليّ يصير الوقت ليلا. والحقيقة انه لا توجد عبارة أكثر بلاغة ولا دقّة في وصف الضوء من انه آلة الزمن. فالضوء يأخذنا في رحلة عبر الزمن، ولكن في اتجاه واحد فقط، أي إلى الماضي. ومن الناحية النظرية، لا شيء يمكنه أن يسافر أسرع من الضوء. أن تسافر بسرعة الضوء معناه أن بإمكانك أن تدور حول الأرض 7 مرّات في ثانية واحدة فقط! والمسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة تُسمّى بالسنة الضوئية، وتقدّر بحوالي 6 تريليونات ميل. والسنة الضوئية هي مقياس الوقت والمسافة معا. والمسألة ليست صعبة الفهم تماما. بإمكانك أن تفكّر فيها على هذا النحو: الضوء يسافر من القمر، القريب نسبيّا من الأرض، ليصل إلينا في حوالي ثانية واحدة، وهذا يعني أن القمر يبعد عنّا حوالي ثانية ضوئية واحدة. بينما الشمس، الأكثر بعدا، يستغرق ضوئها حوالي 8 دقا...

أغاني البحر

صورة
على مرّ التاريخ، ازدهرت الحضارات على طول السواحل وعلى ضفاف الأنهار. مثال ذلك حضارات السومريين والمصريين واليونانيين والفايكنج والآشوريين وحضارة وادي السند وغيرها. حيث يوجد ماء، توجد قوارب. وحيث توجد قوارب، هناك بحّارة وملاحون. وحيثما هنالك ملاح، هنالك أغنية. ثمّة شيء ما ساحر وغامض في أغاني البحّارة. إغراء الأصوات في المياه المفتوحة أو عبر الضباب البعيد مشوب بحزن مجهول يواكب حركة المدّ والجزر في النهر أو البحر. أغاني البحّارة ظاهرة عالمية يمكن تتبّعها في مختلف الحضارات والمناطق الجغرافية في العالم. وعبر القرون والقارّات والثقافات، أسّس البحّارة، من خلال حبّهم المشترك للشعر والألحان والإيقاعات الحيّة، حركة عالمية في الموسيقى يمكن تسميتها بأغاني البحر. وكانت أغاني البحر وما تزال تؤدّي غرضا مهمّا بإيقاعاتها وألوانها الحيوية، وهو الحفاظ على تزامن حركات البحّارة وإزالة السأم عنهم وتخفيف عبء الأعمال الثقيلة والمضنية التي ينجزونها. وقد اكتسبت هذه الأغاني شعبية هائلة بسبب توليفاتها وألحانها وإيقاعاتها الجميلة التي، حتى وإن كانت بسيطة، إلا أنها ساحرة وعذبة وتمنح رجال البحر ال...

لقاء بين امرأة وطائر 2 من 2

صورة
عالَم ليدا تسكنه الأساطير والآلهة التي تهبط إلى الأرض. لكن العالم الذي تلد فيه أطفالها "أو على الأصح تبيضهم كما تذكر القصّة!" محكوم بالسياسة والسلطة، وليس بالآلهة. وحرب طروادة هي التي مهّدت الطريق لصعود الإمبراطورية الرومانية، وبعد ذلك بزمن طويل، لصعود أوروبّا الحديثة. والسطران العاشر والحادي عشر من قصيدة ييتس يتضمّنان أهمّ إشارة مباشرة فيها إلى التاريخ اليونانيّ. وهما يصفان إحراق طروادة وما تلاه من قتل لأغاممنون القائد اليونانيّ الأقوى في تلك الحرب. أي أن القصيدة تزعم أن ولادة هيلين أميرة طروادة أدّت إلى كلّ تلك الأحداث المأساوية. وضمن نفس هذا السياق الأسطوريّ التاريخيّ، فإن فعل الاغتصاب ستكون له نتائج مدمّرة وبعيدة المدى. وهذان الحدثان، أي موت اغاممنون وتدمير طروادة، تحقّقا بسبب الاغتصاب. وفي نفس هذا السياق فإن أطفال ليدا الأربعة من البجعة مسئولون عن الموت والدمار الذي حدث بعد ذلك. أي أن ييتس يساوي هنا بين الفعل المدمّر لاغتصاب الجسد وبين تدمير طروادة. وإذا قرأت هذه القصيدة بتمعّن فستستنتج أيضا أن أجساد النساء الثلاث، أي ليدا وهيلين وكلايتمنيسترا، كانت هي السبب ...

لقاء بين امرأة وطائر 1 من 2

صورة
عندما تتأمّل بعض الحكايات التي كان الأوّلون يتداولونها في ما بينهم لتفسير كيف يعمل العالم، فستحصل على كثير من الأشياء الغريبة: كلاب بثلاثة رؤوس، بشر على هيئة تيوس، رجال ونساء برؤوس بشر وأجساد خيول وبغال، ومخلوقات لها وجوه مشوّهة وبعين واحدة. وهذا فقط ليس سوى غيض من فيض، كما يقال. الإغريق، بشكل خاصّ، كان عندهم الكثير من هذه القصص الجامحة، وأكثرها يحكي عن آلهة تتصرّف بطريقة رديئة ومتهوّرة. من أشهر هذه القصص قصّة "ليدا والبجعة" التي ذكرها هوميروس في ملحمة الإلياذة. وليدا في الأسطورة هي امرأة حقيقية من لحم ودم. أمّا البجعة فليست من نوع البجع الذي اعتدت أن تراه وأن تداعبه في الحدائق والبحيرات، كما أن لا علاقة لها بتلك البجعات البريئة التي صوّرها تشايكوفسكي و سان سونس في موسيقاهما. هذه البجعة هبطت إلى الأرض من جبل الأوليمب ولديها مهمّة تريد انجازها. والبجعة ليست في حقيقة الأمر سوى زيوس كبير آلهة الإغريق وهو في حالة تنكّر. أمّا لماذا يتنكّر، فهذا ما سنعرفه بعد قليل. أسطورة ليدا والبجعة صُوّرت بكيفيّات أدبية وفنّية وفلسفية متعدّدة. وإحدى أشهر المعالجات الفنّية المعروف...

تاريخ للّيل

صورة
قبل عدّة قرون، كان الليل وقتا مخيفا وخطيرا للغاية. ليلة بلا ضوء قمر يمكن أن تكون مملوءة بالأخطار الحقيقية وغير الحقيقية. وفي هذا الكتاب بعنوان عندما ينتهي النهار: الليل في العصور القديمة ، ينير المؤرّخ روجر ايكيرك جانبا من الحياة تغاضى عنه المؤرّخون، فيسلّط الضوء على كيف كان الناس في أمريكا وأوربّا يقضون لياليهم في فترة ما قبل الثورة الصناعية. وفي الكتاب أيضا يتناول المؤلّف مواضيع مثل الخوف من الجريمة ومن القوى الغيبية، وأهمّية ضوء القمر، وازدياد حالات المرض والوفاة في الليل، وتجمّعات المساء لنسج الصوف وتبادل القصص، والحفلات التنكّرية والنزل والحانات وبيوت الدعارة. كما يتحدّث عن أعمال الشغب التي كان يقوم بها أشخاص سكارى في منتصف الليل، وعن إغراءات الساعات الأولى من النهار، واستراتيجيات اللصوص والقتلة والمتآمرين، وطرق الحماية من الطلاسم، والتأمّلات والصلاة وطبيعة نوم وأحلام الأسلاف. ويبدو أن ايكيرك قرأ كل ما نُشر في أوروبّا وأمريكا الشمالية خلال الخمسمائة عام الماضية، ورجع إلى المئات من كتب التاريخ ومن المقالات واليوميات والرسائل والقضايا القانونية وسجلات المحاكم الجنائية ...

قصّة الأميرة تاراكانوفا

صورة
لا بدّ وأن ألكسي أورلوف كان رجلا استثنائيا في زمانه. أوسمته ونياشينه الكثيرة التي تظهر في صُوَره التي رُسمت له من تلك الفترة، أي في القرن الثامن عشر، تخبرنا عن جانب من شخصيّته. كان عسكريّا ناجحا بامتياز. وإليه يرجع الفضل في القضاء على الأسطول العثماني في الأناضول في يوليو من عام 1770. غير أن طموحات أورلوف وانجازاته بدأت قبل ذلك. ففي عام 1762م، لعب هو وشقيقه دورا مهمّا في إطاحة بطرس الثالث وتنصيب كاثرين العظيمة ملكة على روسيا. وقد عُهد إلى أورلوف بمهمّة حراسة الإمبراطور المعزول والحفاظ على سلامته الشخصيّة. وكان أورلوف يعرف أن بقاء بطرس حيّا يمثّل خطرا حقيقيّا على كاثرين. لذا قام شخصيّا بتصفية سجينه الأعزل خنقاً. ثمّ كلّفه رجال كاثرين بالمهمّة التالية، وهي إغراء وخطف الأميرة اليزابيتا تاراكانوفا التي كانت تزعم أنها الابنة المفقودة للإمبراطورة الراحلة اليزابيتا. وشيئا فشيئا أصبحت تاراكانوفا تمثّل، هي الأخرى، خطرا حقيقيّا على سلطة كاثرين. والحقيقة انه لا يُعرف عن هذه المرأة الكثير، لا عن تاريخ ولادتها ولا عن عائلتها، بل وحتى اسمها الحقيقي ظلّ مجهولا. لكن يُعرف فقط أنها كانت ...

آنيّة مليئة بالعطور

صورة
بعض الناس يحبّون رائحة الشوكولاته والشموع المعطّرة أو أشجار الصنوبر والريحان الطازج. والبعض الآخر يحبّون رائحة السيّارة الجديدة أو الكتب القديمة أو رائحة العشب في نهار صيفيّ ممطر. وهناك من يفضّل رائحة البخور أو القهوة الطازجة أو الزعفران. وهناك، مثلي، من يفضّل الرائحة الليّنة لبرد الشتاء ورائحة الحطب المشتعل ونكهة الزنجبيل والليمون البرّي. وقد يتساءل قارئ: وهل للشتاء رائحة؟ والإجابة نعم رغم صعوبة شرحها أو وصفها. صحيح أن الشتاء يمثّل بالنسبة للكثيرين تطرّفا في دورة المواسم، لكنّه يبدو دائما محمّلا بالوعود ومُبهجا للحواسّ. ورائحة يوم شتويّ لا تنفصل عن منظر السماء الصافية الزرقاء والنسيم البارد في الليل وشذى الأزهار البرّية. وفي الكثير من الحالات، قد يحبّ شخص هذه الرائحة أو تلك لأنها تعيده إلى الماضي وتستثير في نفسه ذكريات عن أزمنة وأمكنة ووجوه من الأيّام الخوالي. وأكثرنا لا بدّ سمعوا عن مارسيل بروست أو قرءوا شيئا من كتاباته، خاصّة روايته المشهورة البحث عن الزمن المفقود التي نُشرت قبل مائة عام من الآن. وأتذكّر أنني ابتعت نسخة من الترجمة العربية لهذه الرواية قبل سنوات. لكنني...