المشاركات

عشاء مع أوفيد

صورة
سألني صديق: لو أتيحت لك فرصة السفر إلى الماضي واختيار عشر شخصيّات من التاريخ كي تراها وتتحادث معها وتطرح عليها بعض الأسئلة، فعلى من سيقع اختيارك؟ قلّبت هذا السؤال في ذهني لبعض الوقت. وأثناء ذلك عبَرَت رأسي بعض أسماء مثل لا وتسو وباخ وفولتير وهيباتيا وسقراط وكليوباترا ونيتشه وإيسوب وغويا وكاثرين العظيمة وآينشتاين وكونفوشيوس وآخرين. لكني أختار أوّلا أوفيد. أما لماذا فلأن اوفيد يوصف عادة بأنه أوّل من أنزل الآلهة من برجها العاجيّ في أعالي جبل الأوليمب ووضعها في محترفات الرسم وصالونات الأدب والفلسفة. كما انه أوّل من حوّل الميثولوجيا إلى عالم من لحم ودم مع الكثير من روح المرح والدعابة. وأوفيد هو أيضا أوّل من أنتج أدبا خالصا بلا دروس ولا مواعظ أخلاقية. وكلّ شخص يريد أن يعرف شيئا عن الأساطير الرومانية والإغريقية، يجب أن يكون قد قرأ كتابه "التحوّلات". وهو عبارة عن ديوان شعر، أو بالأحرى قصيدة طويلة من اثني عشر ألف بيت. وأوفيد يسرد في ثنايا القصيدة قصصا استلهمها من الميثولوجيا الكلاسيكية عن "حالات تَحوُّل"، معظمها لبشر وحوريّات يتحوّلون إلى حيوانات ونباتات. والق...

السائرون نِياماً

صورة
الرحلة الحقيقية ليست في أن ترى طبيعة جديدة، بل في أن ترى بعينين جديدتين. - مارسيل بروست قبل أيّام، كنت أقود سيّارتي في نفس الطريق الذي غالبا ما اسلكه كلّ يوم في طريقي من وإلى البيت. وتفاجأت عندما اكتشفت عند احد المنعطفات وجود حديقة صغيرة شُيّدت هناك على ما يبدو كخلفية لسوق أو مجمّع محلات تجارية. والغريب أنني لم انتبه لتلك الحديقة قبل ذلك على الرغم من أنني استخدم ذلك الطريق يوميّا تقريبا. والصورة التي كانت في ذهني عن ذلك المكان هو انه عبارة عن ساحة فارغة. وأكيد أن تلك الحديقة لم تظهر بين يوم وليلة، بل لا بدّ وأن الأمر استغرق أسابيع وربّما أشهرا لإنشائها. ومع ذلك فاتني أن ألاحظ هذا على الرغم من مروري من هذا المكان يوميّا. وخطر ببالي سؤال: هل أنا ممّن يمكن وصفهم بالسائرين وهم نيام، أي تلك الفئة من الناس الذين يشغلهم التفكير والاستغراق في المشاغل والاهتمامات الآنيّة عن ملاحظة العديد من المناظر والأصوات التي نصادفها يوميّا، ولكن تفوتنا ملاحظتها؟ في كثير من الأحيان، نمرّ من أمام أشياء أو تفاصيل ولكننا لا نراها لأننا مشغولون، أو أننا ننظر إليها ولكن لا نراها بطريقة واعية ومد...

آلة الزمن/2

صورة
الضوء، بمعناه الواسع، سواءً كان أشعّة شمس أو شعاع قمر أو حتى ضوء شمعة أو مصباح، ظاهرة مثيرة للاهتمام. وستشعر بالدهشة من حقيقة انه وُجد شخص ما في هذا العالم عاش قبل أكثر من 2500 عام وخطر على باله مثل هذا السؤال الغريب والعبقريّ في آن: هل للضوء سرعة يمكن قياسها، أم أن سرعة الضوء لانهائية وبالتالي يستحيل قياسها؟ اليوم أصبح من المتّفق عليه أن الضوء له بداية ونهاية، وأن سرعته في الفراغ تُقدّر بـ 300.000 كيلومتر في الثانية. وهذا رقم ثابت ومتّفق عليه عالميّا بعد أن تمّ قياسه بالليزر. والمعروف انه عندما تتضمّن أيّة تجربة عنصر ليزر فإن من الصعب التشكيك في نتائجها. لكن في القرن الخامس قبل الميلاد، عاش في اليونان فيلسوف يُدعى إمبيدوكليس. وكان هذا الرجل يجادل بأن للضوء سرعة، وبأن تلك السرعة نهائية ومحدودة، أي انه يمكن قياسها. وقد اختلف معه أرسطو الذي ذهب إلى أن الضوء يسافر بشكل فوريّ ولا يحتاج لزمن كي يقطع المسافة بين نقطتين. واستمرّ الجدل الذي ثار بين إمبيدوكليس وأرسطو حول سرعة الضوء طوال الألفي عام التالية. وكان من بين من تناولوا هذه المسألة من خلال نظرياتهم وتجاربهم العديد من الع...

محطّات

صورة
الرجل في البحر إذا كان الناس قد نسوا اليوم فيرجيني ديمونت بريتون، فلا شكّ أن هناك من المهتمّين بالرسم من يتذكّر لوحتها المسمّاة "الرجل في البحر". وربّما لولا استنساخ فان غوخ لهذه اللوحة لما عرفها الناس. وحتى عندما تكتب اسم اللوحة في محرّك غوغل الصوري دون ذكر اسم الرسّام، فإن نتيجة البحث ستحيلك في الغالب إلى نسخ من لوحة فان غوخ التي يقلّد فيها لوحة بريتون. ولدت الرسّامة فيرجيني بريتون في يوليو من عام 1859 وتتلمذت على يد والدها الرسّام الفرنسيّ المعروف جول بريتون (1827-1906). وقد عاشت الرسّامة طفولة ومراهقة ريفية وبسيطة. لكنها كانت منفتحة بشكل دائم على الفنّ والأدب. موهبتها الفنّية المبكّرة ازدهرت بتوجيهات والدها الذي كان يشجّعها على أن تركّز على دراسة الطبيعة وملاحظتها. وكانت ترسم مواضيع تاريخية ودينية ومشاهد من الحياة اليومية ومناظر للطبيعة. واشتهرت على وجه الخصوص برسوماتها عن حياة عائلات الصيّادين. كانت تتأمّل المآسي التي يسبّبها البحر، ورسمت معاناة الزوجات اللاتي ينتظرن عودة أزواجهنّ من البحر كما في هذا اللوحة. وقد نالت فيرجيني بريتون العديد من الجوائز وال...

أرض أخرى؟

صورة
قد يتمكّن البشر قريبا من جعل موطنهم الوحيد، أي الأرض، مكانا غير صالح للسكنى. ولهذا يبذل علماء الفلك جهودا حثيثة للعثور على كواكب أخرى تتوفّر فيها الظروف المناسبة لعيش الإنسان، على أمل أن يتمكّن البشر من الوصول إليها واستيطانها مستقبلا. ومؤخّرا، تمّ اكتشاف بضعة كواكب في الكون الخارجي تُعدّ أكثر العوالم شبها بالأرض ويُتوقّع أن تكون داعمة للحياة. المعروف أن أوّل كوكب فعليّ يقع خارج مجموعتنا الشمسية ويدور حول نجم غير شمسنا اكتشفه العلماء قبل حوالي ثلاثين عاما. ومنذ اكتشافه، تمّ إحراز تقدّم معقول في استكشاف العوالم الخارجية. وهناك من يقول إننا ربّما نقترب الآن من لحظة اكتشاف "الأرض الأخرى"، أي الكوكب الذي يشبه أرضنا. العلماء، من جهتهم، يقدّرون أن هناك عشرات البلايين من هذه العوالم الصخرية التي تدور حول نجوم قزمية في مجرّة درب التبّانة لوحدها. والصورة فوق هي عبارة عن رسم متخيّل لمنظر الغروب كما يظهر في سماء أحد هذه الكواكب الخارجية المسمّى غليسا 667 سي سي (Gliese 667 Cc). النجم الأكثر سطوعا في سماء هذا الكوكب، كما يبدو في الصورة، هو قزم أحمر، وهو واحد من منظومة تتألّف م...

عودة إلى البدايات

صورة
قبل القرن التاسع عشر، كان موقف الإنسان تجاه المحيط أو البحر نفعيّا أكثر منه جماليّا. كان البحر يُصوّر على انه خطير وطارد وقبيح وغير صالح للتمثيل الأدبيّ أو الفنّي. وكانت المحيطات تُستكشف كوسيلة للوصول إلى أراض بعيدة. ولم يكن هناك سوى اهتمام قليل بالمياه نفسها. كانت الفكرة الشائعة عند الكثيرين هي أن البحر العميق نادرا ما يترك انطباعا. وحتى المستكشفون العابرون للمحيطات كانت وجهتهم الأراضي وليست المحيطات. كانوا يستخدمون البحر فقط كطريق سريع للوصول إلى اليابسة التالية. العلم الحديث في بداياته كان يعرف عن السماء أكثر ممّا كان يعرفه عن المحيطات. وكان هناك اهتمام باستخراج ثروات البحار، وخاصّة الأسماك، اكبر من الاهتمام بالمياه نفسها. وكلّ ما يكمن تحت السطح، أي في الأعماق، كان يُنظر إليه على أنه هاوية بلا قرار ومنطقة ميّتة ومظلمة ومجهولة لا يمكن اختراقها، كما أنها تحاصر وتحبس كلّ ما يغرق هناك تحت السطح ولا تكشف عن أسرارها أبدا. كانت روايات البحر الخيالية والرسومات المبكّرة فقيرة على نحو مستغرب عندما يتعلّق الأمر بالمحيطات نفسها. والتركيز كلّه تقريبا كان على السفن ومهارات الرجال ال...

آلة الزمن

صورة
كان القدماء ينظرون إلى الضوء كشيء مقدّس. بل إن كثيرا من الثقافات القديمة كانت تنظر إلى الشمس، مصدر الضوء الأساسيّ في الكون، على أنها إله. في مصر الفرعونية مثلا، كان يسود اعتقاد بأن إله الشمس "رع" يسافر عبر السماء على قارب كبير فيصبح الوقت نهارا. وعندما يسافر عبر العالم السفليّ يصير الوقت ليلا. والحقيقة انه لا توجد عبارة أكثر بلاغة ولا دقّة في وصف الضوء من انه آلة الزمن. فالضوء يأخذنا في رحلة عبر الزمن، ولكن في اتجاه واحد فقط، أي إلى الماضي. ومن الناحية النظرية، لا شيء يمكنه أن يسافر أسرع من الضوء. أن تسافر بسرعة الضوء معناه أن بإمكانك أن تدور حول الأرض 7 مرّات في ثانية واحدة فقط! والمسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة تُسمّى بالسنة الضوئية، وتقدّر بحوالي 6 تريليونات ميل. والسنة الضوئية هي مقياس الوقت والمسافة معا. والمسألة ليست صعبة الفهم تماما. بإمكانك أن تفكّر فيها على هذا النحو: الضوء يسافر من القمر، القريب نسبيّا من الأرض، ليصل إلينا في حوالي ثانية واحدة، وهذا يعني أن القمر يبعد عنّا حوالي ثانية ضوئية واحدة. بينما الشمس، الأكثر بعدا، يستغرق ضوئها حوالي 8 دقا...