المشاركات

خواطر في الأدب والفن

صورة
فيرمير والبيوت الهولندية صور البيوت الجميلة والنظيفة والمرتّبة في الرسم الهولندي كانت تأكيدا على ولادة أمّة جديدة ومبتهجة يديرها التجّار الموسرون وليس الملوك. البيت الهولندي نفسه كان يمثّل بلدا منظّما مرّ بحروب طويلة. وقد رافق موضة رسم منازل الطبقة الوسطى في هولندا عهد من السلام والرخاء بعد توقيع معاهدة مونستار عام 1648 والتي نالت هولندا بموجبها استقلالها عن الحكم الاسباني بعد حرب الثلاثين عاما. وطبعا كان من عادة الرسّامين الهولنديين أن يُظهروا براعتهم في التقاط الأضواء الرائعة على الأسطح والنسيج. وأيضا كان من عادتهم أن يتلاعبوا بمخطّطات وديكورات المنازل التي يرسمونها كي تناسب أهواءهم وتفضيلاتهم الخاصّة. وبمعنى ما فإن هذه اللوحات هي المعادل النقيض للصخب والضجيج الذي نشعر به في الحياة الحديثة، وهذا احد أسباب جاذبيّتها الساحرة والمستمرّة. وفي الواقع لا احد ينافس يوهانس فيرمير في براعته في استدعاء نوعية الصمت والوقت البطيء في مناظره. ولوحاته تستكشف العلاقة بين الداخل والخارج، وبين العامّ والخاصّ. في لوحته صانعة الدانتيل ، يُدخل فيرمير إحساسا بالرواية والسرد ويبت...

خواطر في الأدب والفن

صورة
يوم في الجنّة يقال أن كليوباترا كانت تعيش في غيمة من البخور وترى في مناماتها أحلاما أرجوانية. كانت ملكة مصر القديمة تتحمّم بالبخور والمرّ واللوتس وخشب الصندل وماء الورد قبل أن تسافر على ضفّة النيل على متن قارب، كما يقول شكسبير، لدرجة أن الرياح كانت تحبّ عطرها. وفي اليابان، تُعرف رياح شهر مايو تقليديا بأنها أجمل رياح العام، لأن مايو هو الوقت الذي تهبّ فيه الرياح العطرية. وأنا أغلق عينيّ بعد ظهيرة احد الأيّام، نقلني صوت الرياح على الفور إلى خارج النافذة. كنت دائما أتساءل عن السبب في أن غالبية الناس يفضّلون برزخ "دانتي" على جنّته التي يسمّيها باراديزو . ترى هل أنا الوحيد الذي لا يستطيع تصوّر الجحيم تماما، بينما أجد نفسي في كثير من الأحيان ضائعا في أحلام الجنّة؟ الجنّة كانت وما تزال احد أقدس الدوافع والأفكار في تاريخ الإنسان. ودائما وفي كلّ وقت تقريبا، كان هناك من يتوق لنوع من الكمال على الأرض. كولومبوس، ذلك البحّار الموسوس والفضولي، ظنّ أن أمريكا الجنوبية هي جنّات عدن بسبب طيور الببّغاء التي رآها تتكلّم هناك. كان كولومبوس يعتقد أن جميع الحيوانات والطيور ...

ألوان إل غريكو

صورة
رغم اسمه المستعار الذي يعني "الإغريقي"، فإن إل غريكو لم يكن يسمّي نفسه "اليوناني"، بل كان يوقّع لوحاته باسم "الكريتي" نسبة إلى جزيرة كريت حيث وُلد. لوحات هذا الرسّام عندما يعاد استنساخها تموت. ولا يوجد رسّام آخر يمكنه أن يعيد إنتاج ذلك اللون البنفسجي الفانتازي أو الأزرق السماوي بمثل تلك الروعة والدقّة. وإذا كان هناك من لا يزال يفضّل نكهة لوحات إل غريكو، فإن أفضل مكان لتذوّق صوره هو طليطلة؛ المدينة التي وصلت فيها موهبته الفنّية إلى أوجها. وخيال إل غريكو يمكن مضاهاته بالطابع الفخم لمباني هذه المدينة. وفقط في طليطلة بإمكاننا أن نرى كيف أن مناظره الغيمية في السماء وعلى الأرض استفادت من الدراما المتحوّلة التي كانت تحدث في الجوّ فوق رأسه. ورغم ذلك، فإن الرجل الذي قضى النصف الأوّل من حياته على ارض جزيرة كريت مسقط رأسه لم يستطع أبدا محو ذكرى ألوان الجزر اليونانية المشبعة بأشعّة الشمس. وهذه الألوان تتردّد كثيرا في أعماله كاللون الفيروزي لمياه بحر ايجه، واللون الأصفر البرّاق لأزهار المارغيتا التي تفترش حقول كريت في بدايات الصيف، واللون البنفسجيّ السا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
فجراً.. بعد غرق سفينة رغم أن وليام تيرنر كان يخلق لوحاته من الإدراك وليس من العاطفة، إلا أن المتلقّي يمكن أن يتفاعل مع الجوّ الذي تثيره براعة هذا الرسّام في التحكّم في الضوء واللون والتوليف، كي يضيف إليها الانفعال المطلوب اعتمادا على القصّة التي يفترضها. عبقرية تيرنر تتجلّى في انه كان يرسم فقط ما يراه، وعندما يرى ما يوحي باللون على شاطئ مبلّل وامتزاج ألوان السماء بألوان البحر، فإنه سرعان ما يحوّل ذلك الإيحاء إلى اللوحة. ثم تأتي مهمّة المتلقّي بعد ذلك، أي أن يأخذ من تلك الرؤية ما يريده. إحدى لوحات تيرنر التي تدلّل على نضجه الفنّي هي هذه اللوحة المسمّاة فجرًا بعد غرق سفينة ، وهي عبارة عن منظر للشاطئ والبحر والسماء، مع جسم واحد ظاهر هو الكلب الصغير الذي يبدو وهو ينبح. المكان في المنظر هو على الأغلب شاطئ مارغيت في كنت، وهو المكان الذي كان الرسّام يقضي فيه معظم وقته في أربعينات القرن التاسع عشر. الإشارة إلى غرق سفينة في العنوان توحي بأن هذه اللوحة لها قصّة تُروى. ومع ذلك لا وجود لأيّة سفينة غارقة في المنظر. هناك فقط العناصر الثلاثة، أي الأرض والسماء والبحر، بالإضافة إل...

كاندينسكي: مقاطع من حياة

صورة
كان فاسيلي كاندينسكي، المولود في روسيا والمتوفّى في باريس، رسّاما ومنظّرا مشهورا. وبعض النقّاد يعتبرونه مؤسّس المدرسة التجريدية في الرسم. وهناك من يشبّه مكانته في الرسم بمكانة آينشتاين في الفيزياء وسترافنسكي في الموسيقى وجويس وبيكيت في الأدب والمسرح. وفهم فنّ كاندينسكي مهمّة قد لا تخلو من صعوبة أحيانا. وقد عاصر هذا الرسّام أحداثا جساما ومآسي شخصية عديدة. واضطرّ خلال حياته للتنقّل بين عدّة أماكن بسبب ظروف الحروب والثورات، على الرغم من أن لوحاته لا تكشف لنا عن شيء من ذلك. في بدايات عصر الحداثة، أي في النصف الأوّل من القرن العشرين، كان كاندينسكي منتميا لمجموعة صغيرة من الرسّامين الكبار والمؤثّرين وقتها، مثل موندريان وماكا وماليفيتش الذين كانوا مهتمّين بدراسة المؤثّرات اللونية والبصرية. ولد كاندينسكي في روسيا عام 1866 وقضى طفولته المبكّرة في مدينة اوديسيا. وقد تخرّج من جامعة موسكو التي درس فيها القانون والاقتصاد. وعند بلوغه الثلاثين من عمره أصبح رسّاما. في عام 1896، استقرّ كاندينسكي في ميونيخ ولم يعد إلى موسكو إلا عام 1914. لكن بسبب نشوب الثورة البولشفية غادر روسيا عائدا إ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
بين الدبلوماسية والفنّ تقول القصّة إن هنري الثامن ملك انغلترا كان يبحث لنفسه عن زوجة جديدة. وقد اخبره بعض المقرّبين منه عن أرملة جميلة، هي كريستينا ابنة ملك الدنمارك الذي تربطه علاقة قربى مع بعض أباطرة روما القدماء. في ذلك الوقت، أي حوالي منتصف القرن السادس عشر، لم يكن من المتيسّر دائما أن يرى الرجال النساء اللاتي يريدون الاقتران بهنّ. وكان الملوك والأمراء كثيرا ما يقرّرون زيجاتهم بناءً على صورة للمرأة المراد الزواج منها. كان عمر هنري وقتها يقترب من الخمسين، وكان متزوّجا من ثلاث نساء، لكنه كان يفكّر في الاقتران بامرأة رابعة. والأميرة الدنماركية لم تكن قد تجاوزت الثامنة عشرة من عمرها. لكن كان على الملك أن يعرف أوّلا مستوى جمالها ونوعية شخصيّتها. وكان قد سمع عنها كلاما مشجّعا من بعض أفراد حاشيته. لكنه كان بحاجة لشيء ما أكثر من مجرّد السماع. لذا أرسل رسّام البلاط هانس هولبين في مهمّة إلى الدنمارك كي يرى الزوجة الموعودة ويرسمها. كانت الدنمارك في ذلك الوقت ما تزال منتمية إلى أفكار القرون الوسطى وكانت فيها طبقة نبلاء قويّة وثقافة فروسية. وقد ذهب هولبين إلى الدنمارك وم...

محطّات

صورة
ايفازوفسكي في الشرق في هذه المدوّنة وفي المدوّنة الأخرى، تحدّثت أكثر من مرّة عن فنّ الرسّام الأرمني ايفان ايفازوفسكي. كنت اعرف انه زار تركيا غير مرّة، ثم قرأت في ما بعد انه زار مصر أيضا. وقد ذهب ايفازوفسكي إلى مصر بصحبة إحدى بناته بعد أن تلقّى دعوة من الخديوي لحضور حفل افتتاح قناة السويس. وهناك رسم عدّة لوحات للنيل والواحات ولأهرامات الجيزة ومُنح شرف أن يكون أوّل رسّام يرسم القناة. وكما هو الحال في جميع أعماله، فإن لوحاته عن مصر مشبعة بالضوء الذي يُضفي على الطبيعة إحساسا عاطفيا وحالما. ذهب ايفازوفسكي أيضا إلى تركيا زائرا بدعوة من السلطان عبدالحميد. وقد زار اسطنبول بعد ذلك سبع مرّات ورسم فيها بورتريهات للمدينة وكذلك للسلاطين وحاشيتهم. ثم تلقّى ميدالية ذهبية من السلطان العثماني، لكنه رفضها احتجاجا على مذبحة الأرمن عام 1895. وبعض لوحاته التي رسمها بعد ذلك يمكن اعتبارها احتجاجا على سوء معاملة الأتراك للأرمن. وهناك اليوم أكثر من ثلاثين عملا من أعماله موجودة في القصر الامبراطوري العثماني وفي عدد من المتاحف التركية. ايفازوفسكي مشهور أيضا بكونه الرسّام المفضّل لمزوّري اللوح...