المشاركات

عن الكتب والقراءة

صورة
صديقي، الذي يفاخر دائما "ومعه حقّ" بأنه قرأ كتبا أكثر بكثير ممّا قرأت، حدّثني منذ أيّام عن قائمة الكتب التي يقرؤها منذ بداية شهر رمضان. وقد اختار لقراءاته الرمضانية مجموعة من الكتب القديمة والمعروفة، وذكر في ما ذكر كتبا مثل الكامل في التاريخ لابن الأثير وكتاب الجمهورية لأفلاطون والقانون في الطبّ لابن سينا وكتاب التواريخ لهيرودوت، بالإضافة إلى كتاب العقد الاجتماعي لجان جاك روسو. طبعا أعرف أن صديقي لا يبالغ، وهو بالتأكيد لا يدّعي شيئا ليس فيه، فأنا اعرف انه "دودة كُتُب" من النوع الذي لا يكلّ ولا يملّ من قرض والتهام كلّ ما تقع عليه يده. وهو يقرأ في جميع التخصّصات، ولهذا لا أبالغ إن وصفت ثقافته بأنها موسوعية على مستوى ما. في اليوم التالي لحديثنا، جلست أفكّر في ما سمعته منه، ومرّت بذهني أسماء بعض الكتب القديمة والمشهورة التي ظللت احلم بقراءتها يوما ما، ولم يتسنّ لي تحقيق ذلك بسبب كثرة الأعمال والمشاغل. وكلّ تلك الكتب التي ذكرها لي صديقي هي من الكتب التي يبدو أنني اكتفيت بالسماع عنها دون أن يسعفني الحظّ والوقت لقراءتها. ثم خطرت ببالي بعض الأسئلة عن جدوى قر...

خواطر موسيقية

صورة
هذه القطعة اسمها "آريا دا كابو"، وهي المعزوفة الأولى من تنويعات غولدبيرغ ليوهان سيباستيان باخ. "آريا" تعني نغم، و"دا كابو" تعني من الرأس أو من البداية. ويُعتقد أن باخ لم يؤلّف النغم نفسه، ولكنّه قام بتكييفه من رقصة فرنسية انقرضت ولم يعد لها أثر اليوم. علماء الموسيقى يذهبون إلى أن باخ كُلّف بتأليف التنويعات من قبل الكونت كايزرلينغ السفير الروسي في بلاط دريسدن لكي يعزفها يوهان غولدبيرغ رئيس موسيقى الغرفة في بلاط الكونت. ويقال إن كايزرلينغ كان يعاني من الأرق المزمن. وقد أراد بعض الموسيقى التي من شأنها أن تكون ناعمة ومهدّئة كي تساعده على النوم. ويبدو أن موسيقى باخ المسكّنة هذه فعلت فعلها للكونت وأدّت إلى تحسّن حالته. وقد كافأ باخ على عمله بأن أهدى إليه إناءً مذهّبا يحتوي على مائة قطعة من الذهب. النسخة الأكثر شهرة من تنويعات غولدبيرغ هي تلك التي وضعها عازف البيانو الكندي غلين غولد في عام 1955. وكان هذا أوّل تسجيل مهمّ لها. وقد أبدت شركة التسجيل الراعية قلقها في ذلك الوقت من احتمال أن لا يكون هذا العمل ملائما لذوق الجمهور. ومع ذلك، عندما ط...

عن أسفار وكتابات روزيتا فوربس

صورة
روزيتا فوربس (1890-1967) اسم ربّما لم يسمع به الكثيرون. لكن في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، كانت هذه المرأة واحدة من أشهر كتّاب السفر والرحلات. وقد ذهبت إلى أماكن بعيدة في الشرقين الأوسط والأقصى. وفي بحثها عن الأماكن الأسطورية التي نادرا ما يزورها الغربيون، كانت تذهب متخفيّة غالبا. كانت فوربس شخصية جسورة وملوّنة عرفها الملوك وزعماء القبائل. وقد الّفت ثلاثين كتابا سجّلت فيها رحلاتها وانطباعاتها التي تصف فيها أماكن فاتنة زارتها ورأتها. والكثير من هذه الأماكن اختفت اليوم أو تغيّرت ملامحها بفعل الحداثة. كما تصف الرجال والنساء الذين قابلتهم في أسفارها وتتحدّث عن الطقس السيّئ والأدلاء الغادرين والمساكن الرديئة. وقد قادها حبّ المغامرة والاستكشاف إلى الصحراء الليبية وأبحرت في البحر الأحمر باتجاه اليمن. كما سافرت إلى جنوب شرق آسيا والصين والمغرب وتركيا والعراق وفارس وأفغانستان. وكان احد اكبر انجازاتها الاستكشافية رحلتها إلى واحة الكفرة في الصحراء الكبرى عام 1921. ولدت روزيتا فوربس عام 1893 في لنكولنشاير وتعلّمت في مدرسة خاصّة سمحت لها بأن تصبح عاشقة للخرائط ونمّت في نفسها الرغب...

محطّات

صورة
هل سبق وأن تخيّلت حصانا يعدو بسرعة ألف ميل في الساعة دون أن يصاب بالإعياء أو التعب؟ الأرض هي ذلك الحصان. وهي تدور بسرعة 1040 ميلا كلّ ساعة، ومع ذلك لا نشعر بحركتها أبدا. والواقع أن لا شيء ساكن في هذا الكون، كلّ شيء فيه يدور ولا يتوقّف عن الدوران، من اصغر اليكترون إلى أضخم مجرّة. وكلّ دوران لجرم في الكون يخبرنا الكثير عن طريقة دورانه وبُنيته وتاريخ حياته. الفلكيّ اليوناني بونتيكوس الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد هو أوّل من جاء بالفكرة الثورية القائلة بأن الأرض هي أيضا تدور وتتفاعل مع حركة الشمس والنجوم. وقد اكتشف تتبّع العلماء للنجوم أن مجرّتنا "درب التبّانة" مغمورة في صدفة عملاقة من المادّة، مثل سفينة في زجاجة. وبعض مناطق المجرّة مخفية، ليس في المكان وإنما في الزمان. وعلى مدى عمر الإنسان، فإن هيكل المجرّة لم يتغيّر. ولكن كلّ نجمة في السماء، بما في ذلك الشمس، تدور حول مركز المجرّة مرّة واحدة كل 240 مليون سنة بسرعة 137 ميلا في الثانية الواحدة. وحتى مع هذه السرعة الفائقة جدّا، فإننا نكون قد أكملنا بالكاد 20 دورة منذ ولادة كوكبنا. ❉ ❉ ❉ ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
تيشيان: شمس بين الأقمار ولد الرسّام الايطالي تيشيان في بلدة كادوري الايطالية لعائلة نبيلة. وعندما بلغ العاشرة أظهر ميلا للفنون والرسم، فأرسله والده إلى بيت احد أعمامه في فينيسيا. وقد استطاع الأخير أن يلمس محبّة الصبيّ للرسم، فعهد به إلى الرسّام البارع والمشهور جدّا وقتها جيوفاني بيلليني. في ذلك الوقت، كانت فينيسيا أغنى مدينة في العالم، وكان الرسم فيها مزدهرا كثيرا. كانت صناعة الرسم في هذه المدينة تضمّ رسّامين وباعة أصباغ وصانعي زجاج وناشري كتب وخبراء ديكور وصانعي أدوات خزفية وما إلى ذلك. عندما أصبح تيشيان رسّاما يُشار إليه بالبنان، كان من بين تلاميذه جورجيوني. لكن عندما صار عمل التلميذ غير مختلف عن عمل أستاذه، قرّر جورجيوني انه لم يعد راغبا في أن يكون تلميذا لتيشيان واختطّ لنفسه طريقا آخر مختلفا. لكن تيشيان لم يلبث أن تفوّق على معاصريه في مدرسة فينيسيا للرسم مثل تنتوريتو وفيرونيزي ولوتو. بل لقد تجاوز حتى القيود الثقافية والفنّية لعصر النهضة وأصبح معروفا باعتباره مؤسّس الرسم الحديث الذي هيمن هو عليه خلال حياته الطويلة. وقد عُرف على وجه الخصوص بابتكاريّته واستخدامه ال...

السلطان أكبر

صورة
من الشخصيّات التاريخية الملوّنة والمثيرة للاهتمام شخصية السلطان الهنديّ المغوليّ أكبر. كان هذا الرجل ثالث أباطرة المغول الذين حكموا الهند. وقد سُمّي بأكبر العظيم بسبب انجازاته الكبيرة وحملاته العسكرية التي دعّمت حكم المغول للهند. ولد السلطان أكبر عام 1542 ونُصّب إمبراطورا عام 1556 وهو في سنّ الثالثة عشرة. ورغم انه كان وعائلته من السنّة الأحناف، إلا انه نشأ في بيئة تمقت التعصّب الديني والغلوّ. كان شخصا متسامحا، كريما وحكيما. وقد عمل على تعزيز روح التوافق والوئام بين المسلمين والهندوس. ولا بدّ وأن أكبر تأثّر بأفكار وتعاليم المتصوّفة، مثل كبير والمعلّم ناناك وحافظ الشيرازي الذي تتحدّث قصائده عن التعاطف والتراحم بين البشر. وبعض من علّموا أكبر في القصر وهو صغير كانوا من الشيعة الذين يبدو أنهم كانوا فوق المشاعر المذهبية. كان اكبر محاربا وفنّانا وامبراطورا وقائدا عسكريّا ومروّض خيول ومدرّب حيوانات. وكان يحتفظ بمئات من نمور الصيد في قصره. ومع ذلك، انتهى به الأمر بأن اعتنق فلسفة اللاعنف وأصبح نباتيّا ينفر من جميع أنواع اللحوم. دعا أكبر لفكرة السلام العام، أي عدم التمييز ضدّ أيّ ...

محطّات

صورة
قطار إلى لشبونة ترى هل ساورك يوما شعور مفاجئ بالحاجة لأن تتخلّى عن حياتك السابقة وراء ظهرك وتبدأ حياة جديدة ومختلفة؟ ما يحدث في كثير من الأحيان هو أن حادثة واحدة وغير متوقّعة يمكنها أن تساعدنا على أن نقهر خوفنا الغريزي من المجهول ونبدأ حياة واعدة ومثمرة وتستحقّ أن تُعاش. هذه هي الفكرة التي تتمحور حولها رواية قطار ليلي إلى لشبونة للفيلسوف والكاتب السويسري باسكال ميرسييه التي أصبحت احد أكثر الكتب مبيعاً بعد ترجمتها من الألمانية للانجليزية، ثمّ بعد أن تحوّلت إلى فيلم سينمائي قبل حوالي سنتين. في الرواية يحكي المؤلّف عن رحلات مدرّس أدب كلاسيكي سويسري يُدعى ريمون غريغوريوس الذي يحاول استكشاف حياة طبيب برتغالي يدعى اماديو دي برادو أثناء حكم سالازار للبرتغال. برادو نفسه ليس طبيبا فحسب، بل يمكن أيضا اعتباره مفكّرا ومهتمّا بالأدب. كما انه دائم التأمّل في أحوال العالم وفي التجارب الإنسانية. والقارئ يلمس عقليّته المتوقدة من خلال سلسلة من الملاحظات المكتوبة التي يحاول فيها استكشاف مدى وعي وقدرة الإنسان على اكتشاف ذاته وقدرة اللغة على تشكيل وتفكيك تجارب البشر ورغباتهم وهويّات...