المشاركات

حديقة تولستوي

صورة
توفّي تولستوي قبل زهاء المائة عام، أي في العشرين من نوفمبر عام 1910، وأصبح اسمه في العالم مرادفا لعظمة الأدب الروسيّ. لكن في روسيا، ما تزال فلسفته ودعوته لنبذ العنف وترجماته المتحرّرة للإنجيل تثير نقاشا واسعا. في عام 1910، قرّرت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التبرّؤ من الكاتب. وفي الذكرى المئوية لوفاته، رفضت الكنيسة العديد من الالتماسات كي تعيد النظر في قرارها. وفي الحقيقة لو كان تولستوي ما يزال حيّا لما انزعج كثيرا من هذا الموقف، فقوّة موهبته منحته فرصة فريدة كي يسلك طريقه الخاصّ ويحتفل بالحياة بكلّ تجلّياتها على طريقته. قراءة تولستوي توفّر للمرء متعة عظيمة، وكلّما قرأت له تضاعفت تلك المتعة، فكلماته تولّد روائح وأصواتا واهتزازات في المشاعر والأمزجة. وكلماته أكثر اتّساعا من أيّ عقيدة فلسفية وأكثر أهمّية حتى من الكاتب نفسه. في كلّ الأدب، ربّما، لا يوجد كاتب منح العالم أعمالا تثير الإعجاب بقوّتها وبالخوف من صدقها مثلما فعل تولستوي. مارسيل بروست اعتبره والده الروحيّ، وهو يهيمن على أفكاره وعلى أحداث رواياته. تولستوي كاتب عظيم، لأنه يمنح الحرّيّة لأبطاله. وهم، إذ يدخلون ذاكر...

ناسج الأحلام

صورة
أينما نظرت في لوحات هنري ماتيس ستجد أنسجة وأقمشة وأنماطا من كلّ شكل ولون. كان يحيط نفسه بكلّ شيء: أزهار ونباتات حيّة، اسماك في أحواض، عصافير في أقفاص، بلاط مزخرف وأواني وأشكال جبسية مختلفة وأقمشة ونُسُج ومطرّزات من مختلف الأنماط والأشكال والألوان. وقد جمع الرسّام كلّ هذه الأشياء خلال أسفاره العديدة وكان يحتفظ بها باعتبارها موارد مفيدة ولا غنى عنها لمكتبته البصرية. ثم وجدت طريقها إلى لوحاته ورسوماته التي يتداخل في نسيجها السجّاد والقماش الفاخر من كلّ شكل ولون. كان رسّامون مثل فان غوخ وسيزان وفويار يستخدمون الأنماط والأنسجة الورقية والإيقاعية في لوحاتهم لتكثيف الإحساس الذي تمنحه صورهم للناظر. لكن ماتيس ذهب خطوة ابعد بإعادة إنتاج الأنسجة الناعمة والألوان البديعة للحرير والقطن والمخمل والتافتا والتطريز بطريقة لم يسبقه إليها احد. لكن من أين جاء عشقه للأقمشة وألوانها وأنماطها المختلفة؟ ولد ماتيس ونشأ في بلدة في شمال فرنسا ملاصقة للحدود مع بلجيكا. وكانت البلدة مشهورة بصناعتها للأقمشة الفاخرة التي كانت تعتمد عليها شركات صنع الملابس في فرنسا. وعائلة والده كانوا من النسّاجين...

بيتهوفن: سيمفونية الرُّعاة

صورة
السيمفونية السادسة، أو سيمفونية الرُّعاة كما تُسمّى أحيانا، هي إحدى تحف لودفيغ فان بيتهوفن الكبيرة. وفيها يرسم صورة للطبيعة، وفي نفس الوقت يصف مشاعر الإنسان تجاهها. كان بيتهوفن عاشقا كبيرا للطبيعة، وقد استلهم أجواء هذه السيمفونية من مشاوير مَشيِهِ المنتظمة في الريف المحيط بفيينا. وكان من عادته أن يحمل معه دائما كرّاسا يدوّن فيه كلّ ما يخطر على باله من أفكار ومشاعر أثناء المشي. وقد كتب ذات مرّة في مفكّرته يقول: كم أشعر بالسعادة وأنا أمشي بين الأشجار والغابات والصخور والأرض العشبية. الغابات والأشجار والجبال تمنح الإنسان الإحساس بالصدى الذي يحتاجه". وفي الحقيقة، لم يكن بيتهوفن أوّل من صّور الطبيعة بطريقة سيمفونية. فقد كانت فكرة الريف والمراعي موجودة في الموسيقى منذ زمن طويل قبله. وكان هناك العديد من الأعمال الموسيقية التي تصف الرعاة والعواصف وغناء العصافير وغيرها من مظاهر الطبيعة. وسيمفونية الرُّعاة لا تحكي قصّة فحسب، بل تعكس أيضا مجموعة من الصور للطبيعة والفلاحين الذين يؤدّون أعمالهم بمتعة وفرح، وتعبّر عن مزيج من المشاعر التي يُظهرها الناس عادة عندما يذهبون إلى الريف. ...

سِرّ ستراديفاري

صورة
في إحدى الروايات الصادرة حديثا، يعثر البطل على آلة كمان أسطوريّ له قوى غامضة وخصائص نادرة تشبه خصائص آلات الكمان التي صنعها الايطاليّ انطونيو ستراديفاري في القرن الثامن عشر وأصبحت تُسمّى باسمه. كان ستراديفاري (1644-1737) حِرَفيا عظيما صنع أكثر من ألف آلة وترية، ما بين كمان وفيولا وتشيللو وهارب وماندولين وغيتار. ويُعتقَد أن ما بقي منها إلى اليوم حوالي ستمائة آلة. وأفضل هذه الآلات هي التي صنعها ستراديفاري في عصره الذهبيّ، أي في الفترة ما بين عامي 1700 و1725. وآلات الكمان تلك، والتي أصبحت تُسمّى اختصارا بـ "ستراد"، تُصنّف بأنها الأفضل في العالم. وغالبا فإن هذه الآلات لا يملكها سوى مؤسّسات كبيرة أو رُعاة أثرياء. ولمئات السنين ظلّ أفضل عازفي الكمان يقولون إنهم يفضّلون دائما استخدام آلات كمان من صنع ستراديفاري. وبعض أعظم العازفين على هذه الآلة اليوم يعتبرون أنفسهم محظوظين لأنهم يستخدمون آلات من صنعه. ومن أشهر هؤلاء آن صوفي موتر ويو- يو ما وجوشوا بيل وسيلفاتوري اكاردو. الكمان الواحد من صنع ستراديفاري يمكن أن يكلّف ملايين الدولارات. ومؤخّرا بيعت آلة فيولا من صنعه في ا...

ملكة الشرق

صورة
في مسرح تدمر الكبير، حيث كان الناس يحتشدون قبل ألفي عام لمشاهدة مسرحيات يوربيديس وسوفوكليس، حدثت قبل أشهر مفارقة لافتة. فقد حوّل مقاتلون متشدّدون، ومعظمهم مراهقون، المكان إلى ساحة لحفلات إعدام جماعية لأفراد من الجيش السوريّ النظاميّ. وكانت هناك مفارقة أخرى، ففي هذه المنطقة التي كانت تحكمها ملكة قويّة في العصور الخوالي، أصبحت النساء اللاتي لا يخضعن للأفكار المتزمّتة لهذه الجماعات يُعاقَبن ببيعهنّ في سوق الرقيق. ربّما لهذا السبب تكتسب قصّة الملكة السورية زنوبيا أهمية خاصّة هذه الأيّام، إذا ما تذكّرنا جرائم هذه الجماعات ضدّ النساء ورفضها للحداثة واضطهادها لأتباع الديانات الأخرى وإلغاءها للتاريخ. كما أن قصّة زنوبيا تسلّط الضوء على الأدوار المهمّة للنساء في المجتمع والسياسة وتدحض الفكرة القائلة أن انجازات العالم القديم يُعزى فيها الفضل تحديدا وحصرا إلى الغرب. وسيرة حياة زنوبيا تذكّر أيضا بنساء أخريات خُضن ميادين السياسة وحكمن دولا وممالك في الشرق القديم، مثل بلقيس، ومثل الملكة أروى بنت احمد الصليحي التي كانت أوّل ملكة في الإسلام وحكمت اليمن لأربعين عاما، ومثل تين هينان ملك...

جون فريدريك لويس في مصر

صورة
كان جون فريدريك لويس (1805-1876) رسّاما انجليزيا مشهورا. وهو معروف، أساسا، بسلسلة لوحاته التي استلهمها من فترة إقامته في مصر والتي دامت عشر سنوات. وكثيرا ما توصف تلك الصور بأنها تجسيد حيّ للمَشاهد الواقعية التي رآها الرسّام أثناء إقامته في القاهرة. وبعض النقّاد يشيرون إلى انه كلّما تمعّنت في لوحات لويس تلك، كلّما أدركت أنها ليست فقط عن الآخر، أي عن الحياة في مصر في منتصف القرن التاسع عشر، بقدر ما هي أيضا عن الذّات، أي عن الرسّام نفسه. السرد في هذه الصور أكثر من الدراما الشرقية. ورؤية لويس عن مدينة القاهرة وأهلها تظهر واضحة في لوحاته على عدّة مستويات. فهي من ناحية، ذكرى عن ماضي الرسّام كفنّان مغترب، كما أنها انعكاس لدوره كوسيط ثقافيّ بين الحضارتين الشرقية والغربية اللتين عاش في إطارهما. زار جون فريدريك لويس القاهرة في زمن كانت فيه الثقافة الإسلامية تكشف عن نفسها للأوربّيين لأوّل مرّة. وباستثناء لوحته "نساء في القاهرة"، فقد رسم كلّ لوحاته المهمّة عن تجربته في مصر بعد أن غادرها، أي في السنوات الخمس والعشرين التي سبقت وفاته في عام 1876. والعديد من تلك اللوحات الت...

بابا هايدن

صورة
من أهمّ الشخصيات التي تركت أثرا كبيرا في عالم الموسيقى الكلاسيكية المؤلّف الموسيقيّ النمساويّ جوزيف هايدن. ويُعزى إلى هايدن الفضل في ابتكار الرباعيات الوترية، وحتى السيمفونيات بالإضافة إلى عدد آخر غير قليل من الأشكال الموسيقية. كان هايدن معلّما وصديقا لموزارت. وهو أوّل من تنبّأ لوالده بأن ابنه سيكون له شأن في الموسيقى. كما علّم بيتهوفن، رغم أن علاقتهما تخلّلتها فترات من الخصومة والجفاء بسبب عصبية بيتهوفن وميله للشكّ في كلّ شيء. لكن بيتهوفن ظلّ على الدوام يعبّر عن تقديره واحترامه الكبيرين لمعلّمه. ترك هايدن تراثا موسيقيا عظيما. التسجيل الكامل لرباعياته الوترية وحدها يربو على العشرين ساعة من الموسيقى المتواصلة. والكثير من موسيقاه لا تخلو من روح الدعابة والمرح، لأنه ضمّنها قفلات طريفة و مفاجآت إيقاعية لا تخطر أحيانا على البال. الغريب انه بعد وفاة هايدن بفترة قصيرة، تسلّل إلى قبره مجموعة من الأشخاص الذين كانوا يبحثون في علاقة شكل جمجمة الإنسان بملكاته العقلية، فنبشوا قبره وقطعوا رأسه ثم أعادوا دفن جثّته من جديد. ولعدّة سنوات لم يلاحظ السرقة احد، وبعد مرور مائة وخمسين عاما ع...