المشاركات

كتاب اللاطمأنينة

صورة
كنت قد سمعت الكثير عن هذا الكتاب. ثم قرأته بعد أن وجدت ترجمته العربية على الانترنت. والحقيقة انه كتاب صعب وعصيّ على الفهم إلى حدّ كبير. لكن رغم صعوبته وإغراقه في أجواء التشاؤم والعدمية، إلا انه مليء بالمفردات الشاعرية والجمل الغريبة والصور المدهشة. بداية، لا اعرف إن كانت ترجمة عنوان الكتاب للعربية دقيقة أم لا. فـ "كتاب اللاطمأنينة" عنوان ملتبس ولا يُفصح بما فيه الكفاية عن مضمون أفكار مؤلّفه الشاعر البرتغاليّ فرناندو بيسوا. وربّما كان من الأفضل أن يُسمَّى "كتاب الانزعاج" أو "كتاب الهذيان" أو "كتاب القلق". والغريب انك عندما تفرغ من قراءته، لن يعلق في ذاكرتك منه شيء، على الرغم من أسلوب كاتبه الجميل. ومع ذلك فالكتاب يتضمّن بعض العبارات التي لا بدّ أن تستوقف القارئ وتدفعه للتفكير والتأمّل. وهذه بعضها.. السعادة هي ألا يكون لدى المرء رغبة في امتلاك أيّ شيء. الرذيلة الوحيدة السوداء هي أن تفعل ما يفعله جميع الناس. نحن لا نحبّ أحدا أبدا. ما نحبّه فقط هو فكرتنا عمّن نتوهّم أننا نحبّهم. ما نحبّه هو مفهومنا عن ذواتنا. أنا هامش في مدينة ...

ديرسو اوزالا

صورة
ترك المخرج اليابانيّ الكبير اكيرا كيروساوا العديد من الأفلام المهمّة، مثل "راشومون" و"الساموراي السبعة". لكن له أفلاما أخرى اقلّ شهرة، لكنّها لا تقلّ تميّزا عن بقية أفلامه شكلا ومضمونا. من هذه الأفلام واحد بعنوان "ديرسو اوزالا" من إنتاج يابانيّ روسيّ مشترك. كنت قد شاهدت الفيلم قبل عشرين عاما وما أزال أتذكّر حتى الآن قصّته الجميلة ولقطاته الرائعة وأجواءه المعبّرة. والفيلم يعود إنتاجه إلى عام 1975، وهو أوّل فيلم لكيروساوا ناطق بغير اللغة اليابانية. موضوع الفيلم يستند إلى كتاب بنفس الاسم لمستكشف روسيّ يُدعى فلاديمير ارسينييف يحكي فيه عن رحلاته العديدة في مطلع القرن الماضي إلى مناطق شرق روسيا النائية، حيث صحراء سيبيريا المثلجة طوال العام. كان يرافق ارسينييف في رحلاته تلك عدد من الجنود، وكانت مهمّته رسم خرائط للجبال والطرق التي يسلكها هو ورفاقه. وديرسو اوزالا هو اسم دليل عجوز ينتمي إلى جماعة عرقية من البدو الرحّل الذين يعيشون على الحدود الصينية الروسية. وكان ارسينييف ورفاقه قد التقوا بهذا الرجل بالصدفة في إحدى الغابات التي توقّف فيها المستكشف للبح...

جياكوميتّي: سارتر النحت

صورة
في عام 1939، وفي احد المقاهي الليلية في باريس، كان يجلس النحّات السويسريّ البيرتو جياكوميتّي (1901-1966). كان المقهى شبه فارغ في تلك الساعة المتأخّرة من الليل. ثم جاء رجل وجلس على المائدة المجاورة. ولم يلبث أن أمال رأسه ناحية جياكوميتّي وقال: المعذرة، لقد رأيتك هنا مرارا وأظنّ أننا نفهم بعضنا جيّدا". ثم صمت قليلا وأضاف: ليس معي نقود، ولا ادري إن كان بمقدورك أن تطلب لي كوبا من القهوة". ولم يكن من عادة جياكوميتّي أن يرفض مثل ذلك الطلب. ثم تلا ذلك حديث طويل بدا أثناءه أن الرجلين يفهمان بعضهما بالفعل. كان جياكوميتّي قد سمع عن جان بول سارتر من قبل، لكن كانت تلك أوّل مرّة يراه فيها عيانا. وسارتر من ناحيته كان قد سمع الكثير عن جياكوميتّي ورأى بعضا من منحوتاته. وكان ذلك اللقاء بداية لعلاقة وثيقة وممتدّة بين الفيلسوف والنحّات. وقد كتب سارتر بعد ذلك اللقاء مقالا مشهورا بعنوان "البحث عن المطلق"، تحدّث فيه عن جياكوميتّي وامتدح فنّه وأشار إلى انه يطرح أسئلة وجودية عن البشرية وعن هشاشة وغربة الإنسان. وكان النحّات نفسه قد بدأ يرى في أفكاره وفنّه امتدادا للتقاليد ا...

برامز: رقصات هنغارية

صورة
كان يوهان برامز مؤلّفا موسيقيّا وعازف بيانو من الحقبة الرومانسية في ألمانيا. وقد قضى وقتا طويلا في فيينا وعمل مع مشاهير الموسيقيين في زمانه، مثل كلارا شومان ويوسف يواكيم. منذ صغره اكتشف برامز جمال الموسيقى الفولكلورية لشعوب وسط أوربّا. وفي عام 1850، قابل موسيقيّا وعازف كمان هنغاريّا مهاجرا يُدعى ادوارد ريمني. وقد عرّفه الأخير على الموسيقى الغجرية وأصبح عاشقا لها. وقد كتب برامز بعد ذلك مجموعة من إحدى وعشرين رقصة كي تُعزف على آلتي بيانو، ونشرها ما بين عامي 1869 و 1880 تحت اسم "رقصات هنغارية". واتّبع في تأليفها اتّجاها موسيقيا كان سائدا آنذاك ويقوم على مزج الثقافة الموسيقية للأقليات، وخاصّة الغجر، بأنواع الموسيقى الأخرى. والمعروف أن موسيقى الغجر أسهمت في إثراء الثقافات الموسيقية لكلّ من هنغاريا والنمسا وتشيكوسلوفاكيا. وضع برامز نفسه التوزيع الموسيقيّ لبعض تلك الرقصات، بينما أشرك زميله الموسيقيّ التشيكيّ انطونين دفورتشاك في توزيع البعض الآخر. كان برامز توّاقا لتأليف قطع هنغارية الطابع. وكان يعرف أن هناك من الجمهور من يستهويه سماعها. وقد لفتت هذه الرقصات الأنظار...

عُمَر العظيم

صورة
عندما غرقت سفينة التايتانيك، في ليلة الرابع عشر من ابريل عام 1912، في البحر قبالة ساحل العالم الجديد، كان أهمّ ضحايا تلك المأساة كتاب. الروائيّ الفرنسيّ من أصل لبنانيّ أمين المعلوف قد يكون توسّع في هذه القصّة بعض الشيء عندما تناولها في روايته التاريخية سمرقند (1988). أما الكتاب المقصود فكان مخطوطا لديوان الرباعيّات للشاعر الفارسيّ عمر الخيّام من القرن الحادي عشر الميلاديّ. وفي الحقيقة كانت توجد وقتها نسخ متعدّدة من ذلك الديوان. غير أن المخطوط الذي حملته التايتانيك في رحلتها المشئومة تلك كان الأكثر فرادة وتميّزا، ليس من حيث مضمونه ولكن بسبب مظهره الغريب. وهذا المخطوط الحقيقيّ هو الذي ألهم المعلوف كتابة روايته المشهورة والتي يستهلّها بهذا السطر: في قاع التايتانيك، كان هناك كتاب. وسأروي لكم تاريخه". يقول مثل فارسيّ مشهور: من يبتغِ طاووسا عليه أن يذهب إلى الهند". والمثل يشير إلى ملك فارسيّ قديم يُدعى نادر شاه كان قد استولى في منتصف القرن الثامن عشر على الهند ونهب، من ضمن أشياء أخرى، عرش الطاووس المشهور فيها. وقد استُنسخت صورة ذلك الطاووس في لندن في وقت لاحق. كان كل...

ثيودوراكيس: زوربا اليونانيّ

صورة
ما أن يُذكر اسم جزيرة كريت حتى تلتمع في الذهن بعض الصور: أمواج بحر ايجة وهي تتكسّر على الشاطئ الرمليّ الأبيض، والرائحة العذبة لأشجار الزيتون مختلطةً بهواء البحر المالح، وصورة مجموعة من الرجال الملتحين المتشابكة أذرعهم حول أكتافهم وهم منهمكون في الرقص. من السهل أن تتخيّل نوعية الموسيقى التي يرقص هؤلاء الرجال على إيقاعاتها. فهناك احتمال كبير بأنهم يرقصون على أنغام موسيقى زوربا التي تعزفها آلة البزق أو البوزوكي اليونانية. كتب ميكيس ثيودوراكيس هذه الموسيقى لفيلم "زوربا اليونانيّ" عام 1964. وكان الفيلم حدثا مهمّا في منتصف الستّينات حيث حصل على ثلاث جوائز اوسكار وظلّ في المخيّلة الشعبية زمنا طويلا كرمز للثقافة اليونانية المعاصرة. والفيلم يستند إلى رواية للكاتب الكريتيّ نيكوس كازانتزاكيس. وقد لعب دور البطولة في الفيلم الممثّل انطوني كوين الذي قام بدور اليكسيس زوربا، وهو شخص يونانيّ بسيط ومحبّ للحياة، يقابل في طريقه إلى كريت رجلا انجليزيّا متعلّما ومحافظا يُدعى "بازل" ويقوم بدوره الممثّل آلان بيتس. بازل المنهمك في قراءة كتاب لبوذا كان قد ورث عن والده منجما ...

أبو نواس الصينيّ

صورة
لو سألت أيّ صينيّ عن أعظم سلالة في تاريخ الصين فسيجيبك غالبا أنها سلالة تانغ. والسبب هو أن فترة حكمهم (618-907) اتّسمت بالتنوّع الثقافيّ والانفتاح على الحضارات الأخرى. كما أنهم نجحوا في إقامة أقوى إمبراطورية واقتصاد في العالم آنذاك. كانت تلك السلالة تتألّف من ستّ عائلات حكمت عشر ممالك. وكانت عاصمة ملكهم "شيان" أكثر مدينة مأهولة في العالم في ذلك الوقت. وقد تقبّل ملوك التانغ الأفكار الأجنبية، بما فيها الفنون والآداب، وكذلك الأديان كالبوذية التي انتشرت في زمنهم إلى بلدان آسيا. وتحت حكمهم ازدهرت الثقافة الصينية نفسها وعاش الشعر الصينيّ أزهى فتراته. وفي عصر التانغ، وبالتحديد قبل 1300 عام، أي في بدايات القرن الثامن الميلاديّ، ولد أشهر شاعرين في تاريخ الصين، هما لي باي ودو فو. وأهميّة هذين الشاعرين في الصين تشبه أهميّة شكسبير عند الانجليز وبوشكين عند الروس. ورغم أن اللغة تغيّرت منذ ذلك الحين، إلا أن قراءة قصائدهما ما تزال متيّسرة بالنسبة للصينيين اليوم، كما أن أفكارهما عن الصداقة والحبّ والطبيعة وفساد الحكّام ما تزال ذات صلة بالعالم الحديث. ولي باي هو الشاعر الأكث...