المشاركات

لينين: الوجه الآخر

صورة
كان فلاديمير لينين وما يزال شخصية مثيرة للجدل في روسيا وخارجها. بعض المؤرّخين وصفوا حكمه بالشموليّ وبالدولة البوليسية. والبعض الأخر وصفوه بديكتاتورية الحزب الواحد. وهناك من يمتدحه لأنه عدّل النظرية الماركسية بحيث جعلها تناسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية في روسيا. وبعض كبار مثقّفي اليسار في العالم اليوم مثل فريدريك جيمسون وسلافوي جيجيك يدعون إلى استلهام روح لينين الثورية وغير المهادنة في حلّ مشاكل العالم المعاصر. السلطات السوفياتية لم يكن من مصلحتها أن يعرف الناس شيئا عن الجانب المظلم في شخصية لينين. كان هو مهندس الثورة البلشفية وأوّل رئيس للبلاد. وشخصيّته مرتبطة جدّا بالثورة لدرجة أن اهتماماته الثقافية الواسعة كان يتمّ تجاهلها غالبا. يقال أن لينين كان حريصا على أن يكون منسجما مع مبادئه. وهذا الشعور تحوّل إلى صلابة لا تلين أثناء الحرب الأهلية، فحارب المؤسّسات والأشخاص الذين كانوا يمثّلونها حتى لو استدعى الأمر تصفيتهم. وكان يعتبر أن هذا ضرورة مؤسفة ويجب تجنّبها قدر الإمكان في ظروف معيّنة. كما كان يكره المثقّفين ويحبّ صحبة البسطاء. وأثناء الحرب الأهلية (1918 - 1921) شدّد ...

هيرودوت الصينيّ

صورة
مصارحة السلطة بالحقيقة كانت على الدوام عملا محفوفا بالمخاطر في الصين. فحكّامها كانوا دائما يفضّلون أن يجامَلوا. والكتّاب الذين يتجاهلون هذه الحقيقة غالبا ما كانوا يدفعون ثمنا باهظا. مؤرّخ الصين العظيم، الذي عاش قبل حوالي ألفي عام، كان واحدا من كثيرين دفعوا غاليا ثمن صراحتهم. "من بين كافة العقوبات، لا شيء يعادل في فظاعته عقوبة الإخصاء، وأيّ شخص عانى من هذه العقوبة عاش بعدها حياة كالعدم". الرجل الذي كتب هذه الكلمات لا يعتبر اليوم مجهولا أو منسيّا بحال. كان سيما تشان أوّل، وربّما أعظم مؤرّخ عرفته الصين. الزمن حوالي عام تسعة وتسعين قبل الميلاد. على حدود الصين الشمالية، استسلم جنود الإمبراطور أمام جيش البرابرة. وفي البلاط استُقبل هذا الخبر بالصدمة. والإمبراطور نفسه في حالة غضب عارم. لكن مسئولا واحدا فقط تجرّأ على أن يتحدّى تقاليد البلاط وأن يتحدّث بصراحة نيابةً عن الجنرال المهزوم. وقد كتب سيما تشان هذه الكلمات إلى احد أصدقائه في ما بعد ويقول فيها: لقد حقّق هذا الجنرال العديد من الانتصارات. أما رجال البلاط؛ هؤلاء الذين جلّ همّهم الحفاظ على مصالحهم وعائلاتهم، فقد أمسك...

سِجّاد حبيبيان

صورة
يُصنع السجّاد لكي يمشي أو يجلس عليه الناس، أو هذا ما استقرّ في أذهان الكثيرين. لكني انظر إلى كلّ سجّادة باعتبارها عملا فنّيا يجدر أن تتأمّله العين وتستمتع بجماله النفس. وأحيانا عندما أرى سجّادة متقنة التصميم وبديعة الألوان اشعر بالحزن عندما أتذكّر أن مثل هذا الجمال سينتهي تحت الأقدام، بينما مكانه الذي يليق به هو أن يُعلّق في المجالس كي تستمتع به الأعين فتقدّر جماله والجهد المبذول في صنعه. ومن عادتي أن اذهب من وقت لآخر لزيارة بعض معارض السجّاد، لا لأقتني سجّادة فاخرة وإنما لأرى التصاميم الجديدة ولأستمتع بالنظر إلى الأنماط والأشكال ومزيج الألوان فيها. وصناعة سجّادة متميّزة يمكن أن يستغرق وقتا طويلا مع الكثير من الجهد والمهارة. وهناك عوامل معيّنة لتقدير قيمة سجّادة ما، منها الحجم وكثافة العقد والموادّ المستعملة في صنعها والتصميم والألوان وما إلى ذلك. وأغلى السجّاد هو ما صُنع من الحرير الخالص أو من الحرير مع قليل من القطن والصوف. لكن وفي كلّ الأحوال يظلّ الغرض الأساس من السجّادة جماليّا، وهو أن تسرّ العين وتثير اهتمام الناظر وتأسره بأنماطها الشائكة وتفاصيلها المعقّدة و...

مدن في البال: عشق أباد

صورة
الوصول إلى عشق أباد، عاصمة تركمانستان، يشبه الدخول إلى المستقبل، مع أن هذه المدينة عالقة بعمق في أغوار الماضي. إسمها أصله فارسيّ ويعني "مدينة الحبّ". وإلى الجنوب الغربيّ منها يقع القصر الذي كانت تسكنه عائلة فيروزا الملكية الفارسية والذي أصبح اليوم منتجعا سياحيا مشهورا. رمال الصحراء حول عشق أباد تُخفي تحتها بعض أقدم وأهمّ المواقع الأثرية التي تعود لآلاف السنين، وبينها قلاع وأطلال وجوامع وبلدات تعود إلى القرون الوسطى. وفي غرب المدينة بقايا أطلال الدولة البارثية التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد. بُنيت عشق أباد عام 1881 على مفترق طريق القوافل. لكن زلزالا فاجأ المدينة وسكّانها وهم نيام خلال أربعينات القرن الماضي فأزالها تماما عن وجه الأرض وقتل أكثر من مائة ألف إنسان. حتى الأشجار اقتلعت من جذورها بفعل قوّة الزلزال كما دُمّرت معظم مباني المدينة القديمة. وبعد عشرين عاما أعاد السوفيات بناءها من الصفر تقريبا. ولعشق أباد تاريخ عريق تعكسه عمارتها ذات الطابع الإسلامي، حيث يمكن رؤية البلاط الأبيض اللامع والقباب المذهّبة في كلّ مكان. ومع أن هذه المدينة مصن...

رمبراندت أم دافنشي ؟

صورة
في هولندا أُعلن رسميّا أن 2019 هو عام رمبراندت. وأكبر المتاحف الهولندية أعلنت عن تنظيم العديد من المعارض احتفالا بمرور ثلاثمائة وخمسين عاما على وفاة رمبراندت في عام 1669. لكن رمبراندت ليس وحده المحتفى به هذا العام الذي يصادف أيضا ذكرى مرور خمسمائة عام على وفاة ليوناردو دافنشي في عام 1519. والكثير من الكتّاب رأوا في تزامن هاتين المناسبتين فرصة لطرح هذا السؤال: ترى أيّهما أعظم رمبراندت أم دافنشي؟ قد يكون الرهان الذكيّ على رمبراندت. ففنّه عميق ومأساويّ ومثير للأفكار والمشاعر. يمكن القول أن بورتريهاته هي المعادل الفنّي لمأساة الملك لير. وروح الإنسان على إطلاقه متجسّدة في صوره. في المقابل فإن ليوناردو نجم شعبيّ، وهو ما يزال يشغل الناس حتى بعد مرور خمسة قرون على رحيله. وبالتأكيد لن تشعر بالعزلة وسط كلّ ذلك العدد الكبير من الهواتف الذكيّة التي يحملها السيّاح الذين يفدون إلى اللوفر ليقفوا أمام تحفته "الموناليزا". البورتريه الذي رسمه رمبراندت لنفسه بعنوان بورتريه شخصيّ مع دائرتين (الصورة فوق) لا يُرجّح أن تراه محاطا بالكثير من الزوّار والكاميرات في ما لو أتيحت لك زيارت...

زونارو: الرسّام المنسيّ

صورة
هذه الأيّام لا يكاد احد يتذكّر اسم فاوستو زونارو. لكن قبل أكثر من مائة عام، كان هذا الرسّام الايطالي أشهر فنّان أوربّي عمل وعاش في الشرق. كانت لوحاته عبارة عن وثائق تاريخية. وبعضها يُظهر مواقع في اسطنبول لم تعد قائمة اليوم كما أنها غير معروفة بالنسبة للكثيرين. وهي تعكس احتفالات وعادات ومراسم وتقاليد من الزمن العثمانيّ. ولد زونارو عام 1854 وأظهر منذ طفولته شغفا بالرسم. وتعلّم في ما بعد في بادوا ثم في أكاديمية فيرونا. وبعد أن عمل في نابولي وفي مدن أخرى عدّة سنوات، قرّر أن يستقرّ في فينيسيا. وفي عام 1891، حدثت نقطة تحوّل مهمّة في حياته، عندما وقع في حبّ إحدى تلميذاته وتُدعى اليزابيتا بانتي. ثم قرّر الاثنان أن يتزوّجا ويذهبا إلى اسطنبول عاصمة الدولة العثمانية. وكان ملهم الرسّام لتلك الرحلة ديوان شعر كان قد قرأه لشاعر ايطاليّ يُدعى ادموندو دي اميتشيز يسرد فيه انطباعاته بعد رحلة له لتلك المدينة المشرقية. في اسطنبول افتتح زونارو لنفسه محترفا، وحظي برعاية السفيرين الايطاليّ والروسيّ لدى البلاط اللذين قدّماه إلى السلطان عبدالحميد الثاني. ولم يلبث الأخير أن عيّنه رسّاما للبلاط، ...

كورتيز: ذاكرة لباريس

صورة
في بدايات القرن العشرين، كانت باريس مدينة مزدهرة تضجّ بالأفكار والابتكارات التي كانت تجتذب إليها الفنّانين والمبدعين من كلّ مكان. كانت هذه المدينة وقتها القلب النابض للحداثة الأوربّية ولعالم الفنّ والأدب والموضة. ورغم أن العديد من الفنّانين رسموا باريس في تلك الفترة، إلا أن الرسّام الفرنسيّ من أصل اسبانيّ إدوار كورتيز يُعتبَر بحقّ المؤرّخ الشاعريّ لهذه المدينة. وقد نجح من خلال لوحاته في التقاط خصائصها وضوئها ومناخها وأسواقها وشوارعها المزدحمة ودورة الفصول فيها. والدهُ انطونيو كورتيز كان رسّاما ناجحا في البلاط الاسبانيّ. وفي عام 1855، سافر الأب إلى باريس للمشاركة في معرض فنّي. لكنه وقع في حبّ الفرنسيين وقرّر أن يقيم في بلدهم إقامة دائمة. واختار لسكناه بقعة هادئة في الريف لطالما اجتذبت بأضوائها وطبيعتها الجميلة رسّامين مثل هنري لاباسك وكميل بيسارو وغيرهما ممّن رسموا معالم تلك البلدة كثيرا في أعمالهم. ولد إدوار كورتيز في فرنسا عام 1882. وأظهر شغفا بالرسم منذ سنواته المبكّرة، ثم أصبح مشهورا على وجه الخصوص بلوحاته التي رسم فيها معالم المدينة بألوان ساطعة وفرشاة انطباعية. في ...