المشاركات

وصايا موساشي

صورة
كان مياموتو موساشي محارب ساموراي مشهورا. كما كان فيلسوفا وكاتبا وخبيرا استراتيجيا ورسّاما ترك تحفا كثيرة في الرسم الكلاسيكي اليابانيّ وفي فنّ الخطّ. عاش موساشي في القرن السادس عشر. وهو معروف خاصّة بكتابه المسمّى "الخواتم الخمسة" الذي ضمّنه آراءه في الاستراتيجيا والفلسفة. وما يزال الكتاب يُدرّس حتى اليوم. ويقال انه في أخريات حياته وبعد أن تدهورت صحّته انتقل للعيش في كهف بأحد الجبال لكي ينجز الفصول الأخيرة من ذلك الكتاب الذي ضمّنه أيضا بعض الإرشادات الضرورية عن كيف يتحكّم الإنسان في مشاعره وانفعالاته ويعيش حياة سعيدة بقدر الإمكان. السطور التالية عبارة عن ملخّص لتلك القواعد والتوصيات.. أوّلا: إقبل كلّ شيء تاتي به الحياة. فالقبول هو أهمّ موقف لمواجهة تحدّيات العيش. والقبول حالة ذهنية لا توصلك إلى أيّة وجهة، بل تدرّب عقلك على أن تكون متسامحا مع أيّ شيء قد تجلبه لك الحياة. والقبول ليس اللامبالاة أو السلبية ولا الاستسلام أو عدم المحاولة، بل هو ببساطة قبول الأشياء دون أن تحكم عليها بالسلب أو الإيجاب. ثانيا: لا تتوقّع أن تكون سعيدا دائما. فالمشاعر والظروف لا تدوم إل...

الموسيقى كَشِعر

صورة
الموسيقى الانطباعية هي حقبة في تاريخ الموسيقى تمتدّ من حوالي عام 1880 إلى عام 1920. ورغم أنها في الأساس ظاهرة فرنسية، إلا أنها اتّسعت بعد ذلك لتشمل كلا من انجلترا وإيطاليا والولايات المتّحدة. بالتأكيد سمع معظمنا بأسماء رسّامين مثل مونيه ورينوار وسيسلي وكميل كورو وميري كاسات. وهؤلاء كانوا يعرضون لوحاتهم في باريس في بدايات القرن الماضي، وكانت تحظى بإعجاب قطاع لا بأس به من الجمهور. في تلك الفترة، كان يعيش في باريس شعراء كانوا يسمَّون بالشعراء الرمزيين، مثل شارل بودلير وبول فيرلين وستيفان مالارميه. وأشعار هؤلاء، بالإضافة إلى رسومات مونيه ورفاقه، تحوّلت إلى مادّة استلهم منها الموسيقيون الانطباعيون أفكارا لموسيقاهم. وأشهر هؤلاء الموسيقيين كان كلود ديبوسي الذي يُعزى إليه الفضل في تأسيس الموسيقى الانطباعية. لكن كان هناك موسيقيون آخرون ساروا على نهجه، مثل موريس رافيل مؤلّف موسيقى بوليرو المشهورة، وغابرييل فوريه الذي ألّف قطعا جميلة مثل النشيد الجنائزي ، بالإضافة إلى الموسيقيّ الايطاليّ ارتورو ريسبيغي. لكن بطبيعة الحال فإن أشهر هؤلاء كان ديبوسي. والناس يتذكّرونه بمؤلّفاته المشه...

الوعي باللحظة الراهنة

صورة
ثمّة حكمة بوذية عمرها أكثر من مائتي عام تشرح بوضوح أهمّية النظر إلى السماء بانتظام. فطبقا للحكاية الشعبية، كان المعلّم والشاعر اليابانيّ ريوكان تايغو الذي عاش ما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ناسكا سعيدا. وقد تلقّى هذا الناسك دروسا في دير لعشر سنوات، ثم رفض الدين التقليديّ وقرّر أن يعيش حياة بسيطة قضاها في التأمّل وكتابة الشعر. ومن وقت لآخر، كان يحتسي شرابا شعبيّا مع الفلاحين في الريف ويتقاسم طعامه المتقشّف مع الطيور والحيوانات في البرّية. وفي الحقيقة لم يكن لدى ذلك الناسك ما يغري الآخرين بالسرقة. لكن في إحدى الليالي أتى إلى كوخه الجبليّ المنعزل لصّ كان يمنّي نفسه بالعثور على كنز. لكن اللصّ لم يجد شيئا ذا قيمة، فشعر بالإحباط، الأمر الذي أحزنَ الناسك أيضا. ويقال أن الناسك تناول ملابسه وفراشه ودفع بها إلى اللصّ قائلا: لقد أتيتَ من مسافة بعيدة وتجشّمت عناء الطريق لكي تراني. وأرجوك أن تقبل منّي هذه الهديّة". وأخذ اللصّ المذهول ملابس الناسك ومضى في سبيله. ثم تذكر القصّة أن الناسك أمضى بقيّة تلك الليلة عاريا، يحدّق في السماء ويتأمّل القمر الذي كان يلمع مثل جوهرة ل...

لينين: الوجه الآخر

صورة
كان فلاديمير لينين وما يزال شخصية مثيرة للجدل في روسيا وخارجها. بعض المؤرّخين وصفوا حكمه بالشموليّ وبالدولة البوليسية. والبعض الأخر وصفوه بديكتاتورية الحزب الواحد. وهناك من يمتدحه لأنه عدّل النظرية الماركسية بحيث جعلها تناسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية في روسيا. وبعض كبار مثقّفي اليسار في العالم اليوم مثل فريدريك جيمسون وسلافوي جيجيك يدعون إلى استلهام روح لينين الثورية وغير المهادنة في حلّ مشاكل العالم المعاصر. السلطات السوفياتية لم يكن من مصلحتها أن يعرف الناس شيئا عن الجانب المظلم في شخصية لينين. كان هو مهندس الثورة البلشفية وأوّل رئيس للبلاد. وشخصيّته مرتبطة جدّا بالثورة لدرجة أن اهتماماته الثقافية الواسعة كان يتمّ تجاهلها غالبا. يقال أن لينين كان حريصا على أن يكون منسجما مع مبادئه. وهذا الشعور تحوّل إلى صلابة لا تلين أثناء الحرب الأهلية، فحارب المؤسّسات والأشخاص الذين كانوا يمثّلونها حتى لو استدعى الأمر تصفيتهم. وكان يعتبر أن هذا ضرورة مؤسفة ويجب تجنّبها قدر الإمكان في ظروف معيّنة. كما كان يكره المثقّفين ويحبّ صحبة البسطاء. وأثناء الحرب الأهلية (1918 - 1921) شدّد ...

هيرودوت الصينيّ

صورة
مصارحة السلطة بالحقيقة كانت على الدوام عملا محفوفا بالمخاطر في الصين. فحكّامها كانوا دائما يفضّلون أن يجامَلوا. والكتّاب الذين يتجاهلون هذه الحقيقة غالبا ما كانوا يدفعون ثمنا باهظا. مؤرّخ الصين العظيم، الذي عاش قبل حوالي ألفي عام، كان واحدا من كثيرين دفعوا غاليا ثمن صراحتهم. "من بين كافة العقوبات، لا شيء يعادل في فظاعته عقوبة الإخصاء، وأيّ شخص عانى من هذه العقوبة عاش بعدها حياة كالعدم". الرجل الذي كتب هذه الكلمات لا يعتبر اليوم مجهولا أو منسيّا بحال. كان سيما تشان أوّل، وربّما أعظم مؤرّخ عرفته الصين. الزمن حوالي عام تسعة وتسعين قبل الميلاد. على حدود الصين الشمالية، استسلم جنود الإمبراطور أمام جيش البرابرة. وفي البلاط استُقبل هذا الخبر بالصدمة. والإمبراطور نفسه في حالة غضب عارم. لكن مسئولا واحدا فقط تجرّأ على أن يتحدّى تقاليد البلاط وأن يتحدّث بصراحة نيابةً عن الجنرال المهزوم. وقد كتب سيما تشان هذه الكلمات إلى احد أصدقائه في ما بعد ويقول فيها: لقد حقّق هذا الجنرال العديد من الانتصارات. أما رجال البلاط؛ هؤلاء الذين جلّ همّهم الحفاظ على مصالحهم وعائلاتهم، فقد أمسك...

سِجّاد حبيبيان

صورة
يُصنع السجّاد لكي يمشي أو يجلس عليه الناس، أو هذا ما استقرّ في أذهان الكثيرين. لكني انظر إلى كلّ سجّادة باعتبارها عملا فنّيا يجدر أن تتأمّله العين وتستمتع بجماله النفس. وأحيانا عندما أرى سجّادة متقنة التصميم وبديعة الألوان اشعر بالحزن عندما أتذكّر أن مثل هذا الجمال سينتهي تحت الأقدام، بينما مكانه الذي يليق به هو أن يُعلّق في المجالس كي تستمتع به الأعين فتقدّر جماله والجهد المبذول في صنعه. ومن عادتي أن اذهب من وقت لآخر لزيارة بعض معارض السجّاد، لا لأقتني سجّادة فاخرة وإنما لأرى التصاميم الجديدة ولأستمتع بالنظر إلى الأنماط والأشكال ومزيج الألوان فيها. وصناعة سجّادة متميّزة يمكن أن يستغرق وقتا طويلا مع الكثير من الجهد والمهارة. وهناك عوامل معيّنة لتقدير قيمة سجّادة ما، منها الحجم وكثافة العقد والموادّ المستعملة في صنعها والتصميم والألوان وما إلى ذلك. وأغلى السجّاد هو ما صُنع من الحرير الخالص أو من الحرير مع قليل من القطن والصوف. لكن وفي كلّ الأحوال يظلّ الغرض الأساس من السجّادة جماليّا، وهو أن تسرّ العين وتثير اهتمام الناظر وتأسره بأنماطها الشائكة وتفاصيلها المعقّدة و...

مدن في البال: عشق أباد

صورة
الوصول إلى عشق أباد، عاصمة تركمانستان، يشبه الدخول إلى المستقبل، مع أن هذه المدينة عالقة بعمق في أغوار الماضي. إسمها أصله فارسيّ ويعني "مدينة الحبّ". وإلى الجنوب الغربيّ منها يقع القصر الذي كانت تسكنه عائلة فيروزا الملكية الفارسية والذي أصبح اليوم منتجعا سياحيا مشهورا. رمال الصحراء حول عشق أباد تُخفي تحتها بعض أقدم وأهمّ المواقع الأثرية التي تعود لآلاف السنين، وبينها قلاع وأطلال وجوامع وبلدات تعود إلى القرون الوسطى. وفي غرب المدينة بقايا أطلال الدولة البارثية التي يرجع تاريخها إلى القرن الثالث قبل الميلاد. بُنيت عشق أباد عام 1881 على مفترق طريق القوافل. لكن زلزالا فاجأ المدينة وسكّانها وهم نيام خلال أربعينات القرن الماضي فأزالها تماما عن وجه الأرض وقتل أكثر من مائة ألف إنسان. حتى الأشجار اقتلعت من جذورها بفعل قوّة الزلزال كما دُمّرت معظم مباني المدينة القديمة. وبعد عشرين عاما أعاد السوفيات بناءها من الصفر تقريبا. ولعشق أباد تاريخ عريق تعكسه عمارتها ذات الطابع الإسلامي، حيث يمكن رؤية البلاط الأبيض اللامع والقباب المذهّبة في كلّ مكان. ومع أن هذه المدينة مصن...