المشاركات

كتابان ومؤلّفان

صورة
ليس هناك الكثير من السمات المشتركة بين الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس والشاعر فريد الدين العطّار. كان أوريليوس (121-180 م)، بالإضافة إلى كونه امبراطورا، رواقيّا صارماً. وقد قضى الكثير من وقته كامبراطور في تسيير حملات ضد "البرابرة" على الحدود الشمالية للإمبراطورية خلال فترة شهدت أيضا ثورة داخلية في سوريا وفيضاناً ومجاعة وطاعوناً في روما. أما فريد الدين العطّار فكان صيدلانيّا وعطّارا في نيسابور في شمال شرق إيران. كما كان شاعرا صوفيّا يتمتّع بالنشاط والذكاء. وقد عاش بدءا من منتصف القرن الثاني عشر الميلادي إلى حوالي عام 1220. والقاسم المشترك بين اوريليوس والعطّار هو أنهما شهدا، كلّ على حِدَة، مواجهات مؤسفة مع "برابرة الشمال" والتي يُعتقد أن العطّار قُتل في إحداها عندما نهب المغول نيسابور. كما يَجمع الرجلين انشغالهما بالتساؤلات القلقة بشأن معنى الحياة وكيف ينبغي أن تُعاش، وسجّلا اراءهما في كتابين رائعين ما يزالان يحظيان بالشعبية حتى اليوم. وُلد ماركوس أوريليوس عام 121 م وتغيّر اسمه مرّات عدّة أثناء حياته. وفي نهاية المطاف أصبح اسمه الامبراطور القيصر ما...

صيغ وأساليب لغوية

صورة
يقال أحيانا: فلان يرى الأشجار وليس الغابة (Someone can't see the forest for the trees). وأصل هذه العبارة يعود إلى القرن السادس عشر. والمعنى هو ان ذلك الشخص مستغرق في التفاصيل لدرجة انه يغفل عن الموضوع الأشمل أو الكلّي. وقد لا يكون شخص ما مهتمّا برؤية الغابة، لأنه يريد ان يأخذ خطوة إلى الوراء بعيدا عن الحالة لكي يرى طبيعة الوضع أو حجم المشكلة من منظور أوسع. في الحالات العاديّة، يقال أنه عندما يكون شخص في غابة، فإنه يجد نفسه لا إراديّا ينظر بالفعل إلى فرادى الأشجار بدلا من التفكير في الغابة كَكُل. هناك علم اسمه علم اجتماع اللغة (Sociology of language)، ويدرس كيف أن استخدام أشكال معيّنة من اللغة يؤثّر على المجتمع. والعديد من علماء الاجتماع الذين يدرسون هذا العلم يدرسون ايضا كيف يؤثر المجتمع على اللغة. والفكرة هي أن أنواع الاتصال بين مجموعات من البشر إما أن تصبح جسورا لربط تلك المجموعات مع بعضها البعض أو عوائق تفصلها عن بعض. وإذا فهم علماء الاجتماع أساليب اللغة المختلفة هذه في ثقافة ما فإنهم غالبا يحصلون على فرصة أفضل لفهم كيف تعمل. وقد لاحظ العلماء أن تأثير اللغة على الم...

روايات ماركيز القصيرة

صورة
بيني وبين غابرييل غارسيا ماركيز بعض الاشياء المشتركة. فقد اكتشف كلانا كافكا اثناء الدراسة في بوغوتا. وعرفنا معا أننا نريد ان نكتب الى الابد بعد ان استعرنا وقرأنا نسختين من رواية "المسخ". وأثبتت قراءتنا لتلك الرواية الصغيرة التي تعد مثالا على الامكانيات التي لا تنتهي للرواية الخيالية، اثبتت انها كانت نقطة تحوّل مركزية في مسارنا معا. في مقابلة أجراها عام 1981 مع صحيفة باريسية قال ماركيز: كاد السطر الاول من رواية كافكا ان يطيح بي من فوق السرير. لم أكن اعرف انه مسموح لأي شخص بكتابه اشياء مثل تلك. ولو كنت اعرف هذا لكنت بدأت الكتابة منذ وقت طويل". وفي عام 1982 نال ماركيز جائزه نوبل للأدب. ورغم كل الأوسمة والجوائز التي نالها، إلا أنه لم يركن الى الراحة، بل عمل بجدّ أكبر وكتب المزيد. وعلى الرغم من انه قد يكون من السهل ان نركّز معظم المديح على روايته "مائة عام من العزلة"، وهي بلا شك اهم كتبه، دعونا ألا ننسى رواياته وقصصه القصيرة، وألا نخدع أنفسنا إذ نعتقد بأن الكتب الكبيرة هي وحدها ما يستحقّ الحديث والمدح. والتفكير ينصبّ هنا وبشكل خاص على روايته "ليس...

النسر والإنسان

صورة
النسر ملك السماء وأحد أقوى الطيور في العالم. قبضته أقوى من قبضة الإنسان بـ 7 مرّات. ونظره أقوى من نظر الإنسان بـ ١٠ مرّات. لذا يستطيع تحديد مكان فريسته على بعد أكثر من ٣ كيلومترات. والنسر رمز عالميّ للحرّية والشجاعة والسلام. وصورته تظهر على أعلام الكثير من الدول. كما يرد اسمه في العديد من القصص الدينية، وتتحدّث كثير من ثقافات العالم عن ذكائه الفريد. كما يُذكر النسر كثيرا في الأدب. ومن أشهر من تغنّوا به تينيسون الذي كتب قصيدة بعنوان النسر. وفي الشعر العربي شبّه أبو القاسم الشابّي نفسه بالنسر في إحدى قصائده. وأغرب ما يُعرف عن النسر هو انه عندما يدرك أن موته صار وشيكا، فإنه ينطلق باتجاه السماء بأقصى سرعة ويستمرّ في طيرانه العمودي إلى أن تمزّقه الرياح القويّة ويتبعثر جسده فوق الغيوم. وهذا هو السبب في أنه يندر أن يُعثر على نسر ميّت على الأرض. ولهذا تقدّسه بعض الأديان والثقافات وتعتبره كائنا سماوياً. والنسر يمكن أن يعيش طويلا. وقد يصل عمره إلى ٧٠ عاما. لكن لكي يبلغ ذلك العمر يجب عليه أن يتخذ قرارا صعبا. فعندما يكمل الأربعين لا تعود مخالبه الطويلة والقويّة قادرة ع...

وعيشنا طيف خيال

صورة
الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. - الإمام علي من الأشياء الغريبة التي تتّصف بها الأحلام أننا لا نعرف أننا نحلم إلا إذا استيقظنا. فداخل الحلم، ذاكرتنا محدودة. لذا قد نظنّ أن ما نراه في حلم أمر حقيقي. وقدرة الحلم على أن يبدو واقعيّا هي التي دفعت الفيلسوف الفرنسي ديكارت لأن يتساءل ما إذا كان العالم الذي نعرفه ونحن في حالة يقظة قد يكون هو نفسه حلما. إذا كان الحلم يبدو أحيانا مثل الواقع، فكيف نتأكّد أننا الآن وفي هذه الحياة لا نعيش في حلم قد نصحو منه ذات يوم؟ هذا هو السؤال الذي شغل العديد من الفلاسفة والشعراء والروحانيين وعلماء النفس منذ القدم وعلى مرّ قرون. والسؤال له علاقة بأنواع التجارب المتاحة للعقل الإنساني وبفحص الطبيعة الحقيقية للعالم الذي نعيش فيه. فهناك تجارب مرّ بها أشخاص عاشوا حالات غير عادية من الوعي، مثل الذين عادوا إلى الحياة بعد أن قاربوا الموت، أو الذين استخدموا عقاقير نقلتهم إلى حالات ذهنية معدّلة، أو ما يقال عن الوسطاء الروحانيين الذين يصِلون الأحياء بأقاربهم الذين غادروا هذه الحياة. لكن هناك من العلماء من يفرّقون بين حالتي الحلم والواقع ويجادلون بأن ع...

الوصايا الثلاثون

صورة
عندما تقابل شخصا مضى وقت طويل منذ أن رأيته آخر مرّة، فلا تسأله كم أصبح عمره أو ما هو راتبه الآن، ما لم يبادر هو إلى إخبارك. هذه الأشياء لا فائدة من معرفتها وقد تُشعر الشخص الآخر بالضيق. لا تهاتف شخصا أكثر من مرّتين. إذا لم يردّ على اتصالك فافترض أنه مشغول بأمر هام. أعد المال الذي اقترضته حتى قبل أن يطلبه الشخص الدائن. هذا يثبت أنك شخص نزيه تقدّر معروف الآخرين. ونفس الشيء ينطبق على أي شيء تقترضه أو تستعيره من الغير. إذا دعاك أحد إلى عشاء أو غداء في مطعم، فلا تطلب أغلى طبق على قائمة الطعام. لا تسأل أسئلة لا لزوم لها، مثل لماذا لم تتزوج أو لماذا لم تنجب أطفالا أو لماذا ليس لديك بيت. هذه أشياء لا تخصّك وليست من شأنك. إخلع نظارتك الشمسية إذا أردت الحديث مع شخص ما في الشارع. هذه بادرة احترام منك، لأن التواصل بالعيون مهم مثل التواصل بالكلام. دائما أبقِ الباب مفتوحا للشخص الذي يمشي وراءك. هذه لفتة تدلّ على مجاملتك ولطفك. إحترم اختلاف الآراء. فالرأي الآخر قد يكون هو أيضا وجيها ومنطقيا. بل قد يكون أحيانا أكثر وجاهة من رأيك. لا تتحدث عن ثروتك أمام...

ليلة أخرى مرصّعة بالنجوم

صورة
آدم إلزهايمر ليس اسما شائعا أو مألوفا. لكنّ هذا الرسّام الألمانيّ يعرفه مؤرّخو الفنّ بسبب هذا المنظر الليليّ الذي رسمه قبل أكثر من أربعمائة عام. وعندما توفّي الفنّان في سنّ الثانية والثلاثين، لم يترك أيّ أثر عن الفترة القصيرة التي عاشها على الأرض، باستثناء هذه اللوحة التي وُجدت في غرفة نومه بعد وفاته. كانت اللوحة، واسمها "الرحلة إلى مصر" تحفته بلا منازع. وقد أثارت حيرة المؤرّخين لأنها أوّل منظر مرسوم بواقعية للسماء الليلية في كلّ تاريخ الرسم. القمر والنجوم، وحتى مجرّة درب التبّانة التي لا تُرى عادة إلا بصعوبة، رُسمت بدقّة شديدة. بل إن بالإمكان أيضا تمييز كوكبتي الأسد والدبّ الأكبر بوضوح في سماء المنظر. وهناك اليوم من العلماء من يؤكّدون، من خلال الحسابات الفلكية والسجلات التاريخية، أن منظر السماء الليلية في اللوحة يتوافق مع شكل سماء روما في تلك الليالي من شهر يوليو عام 1609م. والسؤال المحيّر: كيف تسنّى للرسّام أن يفعل هذا؟ هل كان يعرف فلكيين؟ هل استخدم تلسكوبا، على الرغم من ندرة التلسكوبات في ذلك الوقت؟ عندما نُظّم معرض إستعاديّ لأعمال آدم إلزهايمر قبل بضع سنوا...