المشاركات

متلازمة ستندال

صورة
في عام 1817، سافر الكاتب الفرنسي ستندال إلى فلورنسا في إيطاليا. وكان الغرض من هذه الرحلة زيارة كنيسة سانتا كروتش، وهي كاتدرائية مهيبة تضمّ قبور ثلاثة من اهم الشخصيات التي لعبت دورا مهمّا في تاريخ الإنسانية: الفيلسوف ميكيافيللي، والنحّات ميكيل أنجيلو والفلكي غاليليو. وقد أحدث هؤلاء الثلاثة تأثيرا قويّا على ستندال الشابّ وقتها، حيث ألهموه شكل ومضمون الروايات التي سيكتبها فيما بعد. ولهذا السبب بالذات، ساور الكاتب شعور قويّ وغريب عندما دخل الكنيسة واقترب من المدافن التي بداخلها. يقول في كتابه بعنوان "نابولي وفلورنسا: رحلة من ميلانو إلى ريجيو:" كنت في حالة نشوة من فكرة أن أكون في فلورنسا، أي بالقرب من الرجال العظماء الذين رأيت قبورهم. وانغمرت في حال من التأمّل المتسامي ووصلت إلى النقطة التي تتصل فيها احاسيس المرء بالسماء. كان كلّ شيء يتحدّث بوضوح إلى روحي. ثم اعتراني خفقان في القلب وأحسست كما لو أن الحياة تتسرّب منّي ومشيت مترنّحاً أحاذر خطر السقوط ". لم يكن ستندال الشخص الوحيد الذي عانى من هذه الاحاسيس المضطربة وهو بحضور قطع الفنّ والتحف والمنحوتات. ففي عام ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
هل كان البشر الذين عاشوا قبل ألف أو ألفي عام يتمتّعون بنفس ذكاء البشر اليوم؟ كنت ألقي محاضرة في العلوم على بعض طلبتي. وكان كلّ شيء يمضي بهدوء. نظرت من النافذة وقلت دون ان أوجّه كلامي الى طالب بعينه: يبدو أنه سيكون هناك إعصار الأسبوع المقبل." وما أن انهيت كلامي حتى بدأ معظم الطلاب بالضحك. وقال أحدهم معلّقا: لكن خبراء الأرصاد الجوّية يقولون إن المنخفض سيمرّ دون أيّ مشكلة." وكان هناك طلبة آخرون لم يعترضوا على ما قلته. ثم سألني بعض الطلبة الذين ينتمون الى السكّان الأصليين في هذا البلد: وكيف عرفت، وأنت الأوربّي، ما يعرفه كبار السنّ عندنا؟" ابتسمت وأشرت إلى النافذة وقلت: لقد تغيّرت الرياح لتذهب في الاتجاه المعاكس، وتحرّكت السحب شمالًا بدلاً من الجنوب، وغادرت طيور الكوكاتو الصغيرة المدينة واتجهت نحو الجبال القريبة." أعجب الطلبة من السكّان الأصليين بكلامي، بينما اعتبر الباقون أنني أحمق، أو على الأقل اعتقدوا ذلك، إلى أن ضرب الإعصار الأسبوع التالي وغمر جميع الطرق خارج المدينة. الدرس المستفاد من هذه القصّة هو أن الذكاء لا يتعلّق بالمعرفة المكتسبة من خلال التكنو...

حصان تُورين

صورة
إذا كان هناك نموذج لشخصية متعدّدة الوجوه في تاريخ الفكر الإنساني، فإن هذا الشخص هو فريدريش نيتشه (1844-1900). كان موسيقيا وشاعرا وفيلسوفا وعالم لغة. وقد غيّر وجه الفلسفة الغربية إلى الأبد. ومن السمات الأقل شهرة في شخصية نيتشه هي أن صلته بالحيوانات كانت خاصّة جدًا، سيّما مع حصان رآه ذات يوم في تورين بإيطاليا. كان نيتشه يشفق على الحيوانات، لأنها كما ذكر في كتابه (تأمّلات في غير وقتها) تتشبّث بالحياة بشكل أعمى وبجنون دون أي هدف آخر، مع كل الرغبات المنحرفة لشخص أحمق". وكان يعتقد أن الحيوانات تتعثّر في الحياة ولا تدرك ما تفعله أو لماذا تفعله. وهي لا تعيش مع ذكريات ولادتها ولا تعرف أنها ستموت في النهاية، فهي غافلة عن وجودها السابق وعمّا بعد وجودها. والأسوأ من ذلك اعتقاده أنها تفتقر إلى الذكاء الذي يؤهّلها لأن تجرّب المتعة والمعاناة بعمق مثلما نفعل نحن البشر". وبالنسبة لفيلسوف وجودي مثل نيتشه، كان ذلك بمثابة مأزق حقيقي. لكنه كان يحسد الحيوانات على انها لا تعرف القلق، فكتب: فكّر في الماشية، إنها ترعى وهي تمرّ بجانبك، ولا تعرف ما المقصود بالأمس أو اليوم، وتأكل وتستريح وتهضم...

رمزية الكهف

صورة
الكهف الذي تخشى الدخول إليه يضمّ الكنز الذي تبحث عنه. • جوزيف كامبل في جميع الثقافات وفي كلّ العصور تقريبا، ظلّ الكهف رمزا للخلق ومكاناً للجماعات البشرية. إنه رحم الأرض والسماء العظيم، ورمز الحياة. ولكنه أيضا رمز للموت. الكهف مكان مقدّس، ودخوله يمكن أن يرمز بطريقة ما إلى العودة لبدايات الانسان. كما يمكن أن يرمز المرور من خلاله إلى التغلّب على بعض العوائق الخطيرة إيذانا بولادة جديدة. وفي تقاليد سكّان أمريكا الأصليين، ترمز سلسلة الكهوف التي يعلو بعضها بعضا إلى العوالم المختلفة. وفي التقاليد الكلتية، الكهف منفذ إلى عالم آخر. وجميع الكهوف ملاذات مقدّسة. كما أنها مركز الكون، حيث يتجلّى المقدس وينوجد العالم. وهناك أيضا اعتقاد بأن الطاقة الروحية والسحرية للجبال تتدفّق إلى الكهف الذي لا يمثل مجرّد فتحة في الصخر، بل يمثل أيضا موقعا ميموناً. ويُعتقد أيضا أن الجبال خُلقت لكي تتشكّل بداخلها الكهوف التي يتمّ فيها تخزين الرياح وتشكّل المياه. في كتاب "الجمهورية" لأفلاطون، يصف مقطع مشهور كيف يقضي مجموعة من الأشخاص المقيّدين بالسلاسل إلى جدار كهف عميق حياتهم وهم ينظرون إلى ا...

كتابان ومؤلّفان

صورة
ليس هناك الكثير من السمات المشتركة بين الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس والشاعر فريد الدين العطّار. كان أوريليوس (121-180 م)، بالإضافة إلى كونه امبراطورا، رواقيّا صارماً. وقد قضى الكثير من وقته كامبراطور في تسيير حملات ضد "البرابرة" على الحدود الشمالية للإمبراطورية خلال فترة شهدت أيضا ثورة داخلية في سوريا وفيضاناً ومجاعة وطاعوناً في روما. أما فريد الدين العطّار فكان صيدلانيّا وعطّارا في نيسابور في شمال شرق إيران. كما كان شاعرا صوفيّا يتمتّع بالنشاط والذكاء. وقد عاش بدءا من منتصف القرن الثاني عشر الميلادي إلى حوالي عام 1220. والقاسم المشترك بين اوريليوس والعطّار هو أنهما شهدا، كلّ على حِدَة، مواجهات مؤسفة مع "برابرة الشمال" والتي يُعتقد أن العطّار قُتل في إحداها عندما نهب المغول نيسابور. كما يَجمع الرجلين انشغالهما بالتساؤلات القلقة بشأن معنى الحياة وكيف ينبغي أن تُعاش، وسجّلا اراءهما في كتابين رائعين ما يزالان يحظيان بالشعبية حتى اليوم. وُلد ماركوس أوريليوس عام 121 م وتغيّر اسمه مرّات عدّة أثناء حياته. وفي نهاية المطاف أصبح اسمه الامبراطور القيصر ما...

صيغ وأساليب لغوية

صورة
يقال أحيانا: فلان يرى الأشجار وليس الغابة (Someone can't see the forest for the trees). وأصل هذه العبارة يعود إلى القرن السادس عشر. والمعنى هو ان ذلك الشخص مستغرق في التفاصيل لدرجة انه يغفل عن الموضوع الأشمل أو الكلّي. وقد لا يكون شخص ما مهتمّا برؤية الغابة، لأنه يريد ان يأخذ خطوة إلى الوراء بعيدا عن الحالة لكي يرى طبيعة الوضع أو حجم المشكلة من منظور أوسع. في الحالات العاديّة، يقال أنه عندما يكون شخص في غابة، فإنه يجد نفسه لا إراديّا ينظر بالفعل إلى فرادى الأشجار بدلا من التفكير في الغابة كَكُل. هناك علم اسمه علم اجتماع اللغة (Sociology of language)، ويدرس كيف أن استخدام أشكال معيّنة من اللغة يؤثّر على المجتمع. والعديد من علماء الاجتماع الذين يدرسون هذا العلم يدرسون ايضا كيف يؤثر المجتمع على اللغة. والفكرة هي أن أنواع الاتصال بين مجموعات من البشر إما أن تصبح جسورا لربط تلك المجموعات مع بعضها البعض أو عوائق تفصلها عن بعض. وإذا فهم علماء الاجتماع أساليب اللغة المختلفة هذه في ثقافة ما فإنهم غالبا يحصلون على فرصة أفضل لفهم كيف تعمل. وقد لاحظ العلماء أن تأثير اللغة على الم...

روايات ماركيز القصيرة

صورة
بيني وبين غابرييل غارسيا ماركيز بعض الاشياء المشتركة. فقد اكتشف كلانا كافكا اثناء الدراسة في بوغوتا. وعرفنا معا أننا نريد ان نكتب الى الابد بعد ان استعرنا وقرأنا نسختين من رواية "المسخ". وأثبتت قراءتنا لتلك الرواية الصغيرة التي تعد مثالا على الامكانيات التي لا تنتهي للرواية الخيالية، اثبتت انها كانت نقطة تحوّل مركزية في مسارنا معا. في مقابلة أجراها عام 1981 مع صحيفة باريسية قال ماركيز: كاد السطر الاول من رواية كافكا ان يطيح بي من فوق السرير. لم أكن اعرف انه مسموح لأي شخص بكتابه اشياء مثل تلك. ولو كنت اعرف هذا لكنت بدأت الكتابة منذ وقت طويل". وفي عام 1982 نال ماركيز جائزه نوبل للأدب. ورغم كل الأوسمة والجوائز التي نالها، إلا أنه لم يركن الى الراحة، بل عمل بجدّ أكبر وكتب المزيد. وعلى الرغم من انه قد يكون من السهل ان نركّز معظم المديح على روايته "مائة عام من العزلة"، وهي بلا شك اهم كتبه، دعونا ألا ننسى رواياته وقصصه القصيرة، وألا نخدع أنفسنا إذ نعتقد بأن الكتب الكبيرة هي وحدها ما يستحقّ الحديث والمدح. والتفكير ينصبّ هنا وبشكل خاص على روايته "ليس...