المشاركات

وليمة زفاف في الريف

صورة
يُعتبر بيتر بريغل الأب (1525-1569) أعظم الرسّامين الفلمنكيين في القرن السادس عشر. وقد رسم جوانب مختلفة من حياة الفلاحين في العديد من لوحاته، لدرجة أنه أطلق عليه لقب الفلاح بريغل. غير أنه كان أيضا إنسانا مثقّفا، وقد ضمّن الكثير من صوره معاني رمزية وأخلاقية. في لوحته "وليمة زفاف فلاحين"، يدعونا بريغل إلى متابعة حفل زواج بهيج، ويغرينا بألوانه الدافئة التي تتراوح ما بين الأحمر والأصفر والأخضر والبرتقالي، ويقدّم لنا صورة للطريقة التي كان الناس يحتفلون فيها بالزواج في الريف الهولندي قبل أكثر من خمسة قرون. ضيوف هذا الحفل يجلسون على مقاعد خشبية خشنة وأمام طاولات طويلة. وهناك رجلان يقدّمان المشروبات، أحدهما يرتدي ثوبا أزرق ومئزرا أبيض وقبّعة حمراء، وهو النقطة المحورية في اللوحة. وبروزه في المكان، والألوان الزاهية لملابسه، تجعله يبدو مميّزا. وفي المقدّمة اليسرى يظهر رجل يصبّ الشراب في أباريق. وفي منتصف الصورة تجلس امرأة وعلى رأسها ما يبدو وكأنه تاج صغير. من الواضح أن هذه هي العروس. وفوقها، أي في أعلى جدار الحظيرة، عُلّق كيسان من الحبوب. لكن الرسّام لم يضمّن لوحته صورة...

وصايا صن تزو

صورة
قليلة هي الكتب التي كان لها تأثير كبير على تاريخ الحرب، بمثل ما كان لكتاب صن تزو الموسوم "فنّ الحرب". هذا الكتاب ألهم أيديولوجية الحرب التي انتهجتها ثورة ماو تسي تونغ الشيوعية في الصين. كما انتشرت تعاليم الكتاب في جميع أنحاء شرق آسيا، وألهمت طبقة المحاربين اليابانية خلال حقبة الحرب التي مزّقت ذلك البلد، وشكّلت تلك الأفكار جزءا من تكتيكات الفيتكونغ في فيتنام. وبعد الصراع الطويل في الحرب الفيتنامية، أحضر الجنود الأمريكيون صن تزو معهم عبر المحيط الهادئ. ويُدرّس كتابه اليوم في الأكاديميات العسكرية في جميع أنحاء العالم. ألّف صن تزو كتابه قبل 2500 عام، وما يزال الكتاب وثيق الصلة بعالم اليوم. كان مؤلّفه ينوي أن يكون الكتاب رسالة عسكرية، إلا أن الارشادات المتضمّنة فيه ساعدت أيضا السياسيين وقادة الأعمال وحتى الفرق الرياضية وأعانتهم على التعامل مع أنواع الصراع بشكل استراتيجي. ولعل أهم درس يعلّمه صن تزو لقرّاء كتابه هو أن أعظم الانتصارات تتحقّق عندما يتمّ تجنّب الصراع بشكل كامل. ويبدو أن قوّة بقاء كتاب "فنّ الحرب" ليست نتيجة خطط صن تزو الحربية التي لا تُهزم. فقد ...

متلازمة ستندال

صورة
في عام 1817، سافر الكاتب الفرنسي ستندال إلى فلورنسا في إيطاليا. وكان الغرض من هذه الرحلة زيارة كنيسة سانتا كروتش، وهي كاتدرائية مهيبة تضمّ قبور ثلاثة من اهم الشخصيات التي لعبت دورا مهمّا في تاريخ الإنسانية: الفيلسوف ميكيافيللي، والنحّات ميكيل أنجيلو والفلكي غاليليو. وقد أحدث هؤلاء الثلاثة تأثيرا قويّا على ستندال الشابّ وقتها، حيث ألهموه شكل ومضمون الروايات التي سيكتبها فيما بعد. ولهذا السبب بالذات، ساور الكاتب شعور قويّ وغريب عندما دخل الكنيسة واقترب من المدافن التي بداخلها. يقول في كتابه بعنوان "نابولي وفلورنسا: رحلة من ميلانو إلى ريجيو:" كنت في حالة نشوة من فكرة أن أكون في فلورنسا، أي بالقرب من الرجال العظماء الذين رأيت قبورهم. وانغمرت في حال من التأمّل المتسامي ووصلت إلى النقطة التي تتصل فيها احاسيس المرء بالسماء. كان كلّ شيء يتحدّث بوضوح إلى روحي. ثم اعتراني خفقان في القلب وأحسست كما لو أن الحياة تتسرّب منّي ومشيت مترنّحاً أحاذر خطر السقوط ". لم يكن ستندال الشخص الوحيد الذي عانى من هذه الاحاسيس المضطربة وهو بحضور قطع الفنّ والتحف والمنحوتات. ففي عام ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
هل كان البشر الذين عاشوا قبل ألف أو ألفي عام يتمتّعون بنفس ذكاء البشر اليوم؟ كنت ألقي محاضرة في العلوم على بعض طلبتي. وكان كلّ شيء يمضي بهدوء. نظرت من النافذة وقلت دون ان أوجّه كلامي الى طالب بعينه: يبدو أنه سيكون هناك إعصار الأسبوع المقبل." وما أن انهيت كلامي حتى بدأ معظم الطلاب بالضحك. وقال أحدهم معلّقا: لكن خبراء الأرصاد الجوّية يقولون إن المنخفض سيمرّ دون أيّ مشكلة." وكان هناك طلبة آخرون لم يعترضوا على ما قلته. ثم سألني بعض الطلبة الذين ينتمون الى السكّان الأصليين في هذا البلد: وكيف عرفت، وأنت الأوربّي، ما يعرفه كبار السنّ عندنا؟" ابتسمت وأشرت إلى النافذة وقلت: لقد تغيّرت الرياح لتذهب في الاتجاه المعاكس، وتحرّكت السحب شمالًا بدلاً من الجنوب، وغادرت طيور الكوكاتو الصغيرة المدينة واتجهت نحو الجبال القريبة." أعجب الطلبة من السكّان الأصليين بكلامي، بينما اعتبر الباقون أنني أحمق، أو على الأقل اعتقدوا ذلك، إلى أن ضرب الإعصار الأسبوع التالي وغمر جميع الطرق خارج المدينة. الدرس المستفاد من هذه القصّة هو أن الذكاء لا يتعلّق بالمعرفة المكتسبة من خلال التكنو...

حصان تُورين

صورة
إذا كان هناك نموذج لشخصية متعدّدة الوجوه في تاريخ الفكر الإنساني، فإن هذا الشخص هو فريدريش نيتشه (1844-1900). كان موسيقيا وشاعرا وفيلسوفا وعالم لغة. وقد غيّر وجه الفلسفة الغربية إلى الأبد. ومن السمات الأقل شهرة في شخصية نيتشه هي أن صلته بالحيوانات كانت خاصّة جدًا، سيّما مع حصان رآه ذات يوم في تورين بإيطاليا. كان نيتشه يشفق على الحيوانات، لأنها كما ذكر في كتابه (تأمّلات في غير وقتها) تتشبّث بالحياة بشكل أعمى وبجنون دون أي هدف آخر، مع كل الرغبات المنحرفة لشخص أحمق". وكان يعتقد أن الحيوانات تتعثّر في الحياة ولا تدرك ما تفعله أو لماذا تفعله. وهي لا تعيش مع ذكريات ولادتها ولا تعرف أنها ستموت في النهاية، فهي غافلة عن وجودها السابق وعمّا بعد وجودها. والأسوأ من ذلك اعتقاده أنها تفتقر إلى الذكاء الذي يؤهّلها لأن تجرّب المتعة والمعاناة بعمق مثلما نفعل نحن البشر". وبالنسبة لفيلسوف وجودي مثل نيتشه، كان ذلك بمثابة مأزق حقيقي. لكنه كان يحسد الحيوانات على انها لا تعرف القلق، فكتب: فكّر في الماشية، إنها ترعى وهي تمرّ بجانبك، ولا تعرف ما المقصود بالأمس أو اليوم، وتأكل وتستريح وتهضم...

رمزية الكهف

صورة
الكهف الذي تخشى الدخول إليه يضمّ الكنز الذي تبحث عنه. • جوزيف كامبل في جميع الثقافات وفي كلّ العصور تقريبا، ظلّ الكهف رمزا للخلق ومكاناً للجماعات البشرية. إنه رحم الأرض والسماء العظيم، ورمز الحياة. ولكنه أيضا رمز للموت. الكهف مكان مقدّس، ودخوله يمكن أن يرمز بطريقة ما إلى العودة لبدايات الانسان. كما يمكن أن يرمز المرور من خلاله إلى التغلّب على بعض العوائق الخطيرة إيذانا بولادة جديدة. وفي تقاليد سكّان أمريكا الأصليين، ترمز سلسلة الكهوف التي يعلو بعضها بعضا إلى العوالم المختلفة. وفي التقاليد الكلتية، الكهف منفذ إلى عالم آخر. وجميع الكهوف ملاذات مقدّسة. كما أنها مركز الكون، حيث يتجلّى المقدس وينوجد العالم. وهناك أيضا اعتقاد بأن الطاقة الروحية والسحرية للجبال تتدفّق إلى الكهف الذي لا يمثل مجرّد فتحة في الصخر، بل يمثل أيضا موقعا ميموناً. ويُعتقد أيضا أن الجبال خُلقت لكي تتشكّل بداخلها الكهوف التي يتمّ فيها تخزين الرياح وتشكّل المياه. في كتاب "الجمهورية" لأفلاطون، يصف مقطع مشهور كيف يقضي مجموعة من الأشخاص المقيّدين بالسلاسل إلى جدار كهف عميق حياتهم وهم ينظرون إلى ا...

كتابان ومؤلّفان

صورة
ليس هناك الكثير من السمات المشتركة بين الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس والشاعر فريد الدين العطّار. كان أوريليوس (121-180 م)، بالإضافة إلى كونه امبراطورا، رواقيّا صارماً. وقد قضى الكثير من وقته كامبراطور في تسيير حملات ضد "البرابرة" على الحدود الشمالية للإمبراطورية خلال فترة شهدت أيضا ثورة داخلية في سوريا وفيضاناً ومجاعة وطاعوناً في روما. أما فريد الدين العطّار فكان صيدلانيّا وعطّارا في نيسابور في شمال شرق إيران. كما كان شاعرا صوفيّا يتمتّع بالنشاط والذكاء. وقد عاش بدءا من منتصف القرن الثاني عشر الميلادي إلى حوالي عام 1220. والقاسم المشترك بين اوريليوس والعطّار هو أنهما شهدا، كلّ على حِدَة، مواجهات مؤسفة مع "برابرة الشمال" والتي يُعتقد أن العطّار قُتل في إحداها عندما نهب المغول نيسابور. كما يَجمع الرجلين انشغالهما بالتساؤلات القلقة بشأن معنى الحياة وكيف ينبغي أن تُعاش، وسجّلا اراءهما في كتابين رائعين ما يزالان يحظيان بالشعبية حتى اليوم. وُلد ماركوس أوريليوس عام 121 م وتغيّر اسمه مرّات عدّة أثناء حياته. وفي نهاية المطاف أصبح اسمه الامبراطور القيصر ما...