المشاركات

محطّات

صورة
بينما كانت أحزانه تتعمّق وأفكاره الانتحارية تزداد سوءاً، رسم فنسنت فان غوخ شجرة السرو هذه قبل أشهر من انتحاره. وفي ما بين عامي 1888 و 1890، أي خلال الفترة الأخيرة من حياته، ركّز على رسم هذه الأشجار التي يُنظر اليها كرمز للموت، ولطالما ارتبطت منذ القدم بالمقابر وبرهبة ما بعد الحياة ووفّرت موضوعا خصبا للفنّانين والشعراء. واعترافا بأشجار السرو التي رسمها فان جوخ واعتبارها رموزا مهمّة في الأعمال الفنّية، قام شاعر القرن التاسع عشر الفرنسي غابرييل أورييه بوضعها في سياق الدافع المجازيّ للرسم الرمزيّ. وصاغ أورييه ردّا وصفيّا بديعا على صور فان غوخ يقول فيه: هذه الأشجار ملتوية مثل عمالقة في معركة، كما أن ارتفاعها مأساوي وقوّتها لا تُقهر وتتحدّى الأعاصير والبرق والطبيعة الخبيثة الى الأبد." كان أورييه قريبا من فان غوخ، وقد ساعده على إدراك الرمزية المحتجبة والمروّعة لهذه الأشجار. والعديد من اللوحات التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر تقدّم شجر السرو كرمز للمرض والموت. الأشجار التي رسمها أرنولد بوكلين في لوحته المشهورة "جزيرة الموتى"، على سبيل المثال، لا تترك سوى القلي...

خواطر في الأدب والفن

صورة
لدى بعض الأشخاص شغفُ بالأماكن القديمة والرثّة، حيث الرائحة المتربة لمرور الزمن ما تزال عالقة في الهواء، مع كلّ الأشياء الأخرى المهجورة والمنسوجة بالقصص والأسرار. المنازل والقصور والقلاع المهجورة تتمتّع بجمال حزين وشاعري. وحالتها المنعزلة والصامتة والمتحلّلة بشكل خفيف تجعلها أكثر جاذبية للعين، لأن كلّ نافذة مكسورة، وكلّ صدع أو شرخ في حائط، وكلّ واجهة متشقّقة ومغطّاة بالأعشاب وربّما حتى بالورود، وكلّ ورقة حائط ممزّقة، وكلّ كوب خزفيّ، وكلّ ساعة أو سرير متروك في المكان يحكي قصّة حياة كانت مزدهرة ذات يوم بين جدران أربعة. الغموض والرومانسية يكتنفان كلّ ما قد يبدو عاديّا في الأماكن المهجورة، دفتر ملاحظات، تذكرة قطار، حذاء قديم الخ. كلّ شيء يبدو ثمينا وغامضا. وربّما لهذا السبب قال أحد الكتّاب إن الناس يحبّون الأماكن والاشياء القديمة لأنها عادةً تتضمّن بداخلها قصصاً وحكايات. ❉ ❉ ❉ "فنّ الاستطالة Elongation art" يُقصد به اللوحات التي تحتوي على شخصيات مرسومة بأشكال ممدودة أكثر بكثير ممّا هي عليه في الواقع. والاستطالة شكل من أشكال الفنّ التجريدي الذ...

دروس من الحياة

صورة
الكثير من الحكايات والقصص الرمزية تُستخدم لإثارة التأمّل والتعمّق في طبيعة الواقع وفي ذات الانسان. وكلّ قصّة لها تفسيرات مختلفة، ويمكن أن تثير رؤى شخصية وتنقل حقائق أعمق وتتحدّى مفاهيمنا وتصوّراتنا المسبقة عن الواقع، وتشجّعنا على التركيز على اللحظة الراهنة والانتباه للعلاقة بين الأشياء. في الأسطر التالية اخترتُ بعض تلك القصص.. بينما كان رجل يجدّف بقاربه بسلام في البحيرة اصطدم به قارب آخر. غضب الرجل وأخذ يصرخ ويسبّ. لكن عندما أدرك أن القارب الآخر فارغ، هدأ غضبه. وقال له معلّم: أنت مثل ذلك القارب الفارغ. الفراغ هو التحرّر من الأهواء." هذه القصّة تسلّط الضوء على مفهوم الفراغ وعدم التعلّق. وهي تذكّرنا بأن الحرّية والسلام الحقيقيين يأتيان من التخلّي عن ارتباطاتنا ورغباتنا. الفراغ لا يعني العدم، بل حالة من الانفتاح والتحرّر من المفاهيم الثابتة. سأل معلّم تلميذه: كيف يمكنك وصف عقلك؟ فأجاب الطالب: كالحجر، لا يتحرّك ولا يتأثّر بشيء. فقال المعلّم: عقلك مثل الحجر، ولكن هل هو أيضا مثل الماء؟ عندما يكون الماء ساكنا، فإنه يعكس القمر. وعندما يكون عقلك ساكنا، فإن بإمكانه أن يعكس ا...

التوق الى البعيد

صورة
ربّما كنتَ قد عشت طفولة مريحة وآمنة إلى حدّ معقول، ونشأتَ في قالب اجتماعيّ محدود، وتشكّلت حياتك بعد ذلك، ومثل بقيّة الناس، وفقاً لظروفك ولمعطيات وجودك الخاص. ومع اقترابك من سنّ الثلاثين، قد يكون ساورك شوق لا تدري كنهه للتحرّر من كلّ ما عرفته أو اعتقدت أنك كنت تعرفه في ما مضى من عمرك. ثم بعد ذلك، وأنت جالس في بيتك، إذ بأحلام يقظةٍ تراودك بالعيش خارج بيئتك كغريب في أرض بعيدة. وربّما يستهلكك هذا التوق الذي لا يمكن تفسيره، لأنك لم تكن تعرف ما الذي كنت تبحث عنه أو إلى أين تتوق للذهاب، لكنّك تعرف أنك يجب أن تذهب في طريقك. ثم تجد نفسك مسافرا عبر الأرض بمفردك، حاملاً القليل من متعلّقاتك في حقيبتك وتاركا ورائك حدود واقعك الضيّق والمحدود بحثاً عن شيء ما في مكان آخر. التطلّع أو الشوق الى مكان بعيد (far-sickness) هو شعور ينطوي على معاناة وألم. إنه شوق طويل لأن تكون في مكان لم تذهب إليه من قبل؛ في أرض بعيدة وغير معروفة، توق غامض لشيء ما خارج المكان. ولكن كيف نبدأ في البحث عن مكان لم نزره من قبل؟ وكيف نخفّف من شوق لا نعرف مصدره؟ والسؤال الأكثر صلةً: لماذا نتألّم إذ نشتاق الى أماكن لم نعر...

وليمة زفاف في الريف

صورة
يُعتبر بيتر بريغل الأب (1525-1569) أعظم الرسّامين الفلمنكيين في القرن السادس عشر. وقد رسم جوانب مختلفة من حياة الفلاحين في العديد من لوحاته، لدرجة أنه أطلق عليه لقب الفلاح بريغل. غير أنه كان أيضا إنسانا مثقّفا، وقد ضمّن الكثير من صوره معاني رمزية وأخلاقية. في لوحته "وليمة زفاف فلاحين"، يدعونا بريغل إلى متابعة حفل زواج بهيج، ويغرينا بألوانه الدافئة التي تتراوح ما بين الأحمر والأصفر والأخضر والبرتقالي، ويقدّم لنا صورة للطريقة التي كان الناس يحتفلون فيها بالزواج في الريف الهولندي قبل أكثر من خمسة قرون. ضيوف هذا الحفل يجلسون على مقاعد خشبية خشنة وأمام طاولات طويلة. وهناك رجلان يقدّمان المشروبات، أحدهما يرتدي ثوبا أزرق ومئزرا أبيض وقبّعة حمراء، وهو النقطة المحورية في اللوحة. وبروزه في المكان، والألوان الزاهية لملابسه، تجعله يبدو مميّزا. وفي المقدّمة اليسرى يظهر رجل يصبّ الشراب في أباريق. وفي منتصف الصورة تجلس امرأة وعلى رأسها ما يبدو وكأنه تاج صغير. من الواضح أن هذه هي العروس. وفوقها، أي في أعلى جدار الحظيرة، عُلّق كيسان من الحبوب. لكن الرسّام لم يضمّن لوحته صورة...

وصايا صن تزو

صورة
قليلة هي الكتب التي كان لها تأثير كبير على تاريخ الحرب، بمثل ما كان لكتاب صن تزو الموسوم "فنّ الحرب". هذا الكتاب ألهم أيديولوجية الحرب التي انتهجتها ثورة ماو تسي تونغ الشيوعية في الصين. كما انتشرت تعاليم الكتاب في جميع أنحاء شرق آسيا، وألهمت طبقة المحاربين اليابانية خلال حقبة الحرب التي مزّقت ذلك البلد، وشكّلت تلك الأفكار جزءا من تكتيكات الفيتكونغ في فيتنام. وبعد الصراع الطويل في الحرب الفيتنامية، أحضر الجنود الأمريكيون صن تزو معهم عبر المحيط الهادئ. ويُدرّس كتابه اليوم في الأكاديميات العسكرية في جميع أنحاء العالم. ألّف صن تزو كتابه قبل 2500 عام، وما يزال الكتاب وثيق الصلة بعالم اليوم. كان مؤلّفه ينوي أن يكون الكتاب رسالة عسكرية، إلا أن الارشادات المتضمّنة فيه ساعدت أيضا السياسيين وقادة الأعمال وحتى الفرق الرياضية وأعانتهم على التعامل مع أنواع الصراع بشكل استراتيجي. ولعل أهم درس يعلّمه صن تزو لقرّاء كتابه هو أن أعظم الانتصارات تتحقّق عندما يتمّ تجنّب الصراع بشكل كامل. ويبدو أن قوّة بقاء كتاب "فنّ الحرب" ليست نتيجة خطط صن تزو الحربية التي لا تُهزم. فقد ...

متلازمة ستندال

صورة
في عام 1817، سافر الكاتب الفرنسي ستندال إلى فلورنسا في إيطاليا. وكان الغرض من هذه الرحلة زيارة كنيسة سانتا كروتش، وهي كاتدرائية مهيبة تضمّ قبور ثلاثة من اهم الشخصيات التي لعبت دورا مهمّا في تاريخ الإنسانية: الفيلسوف ميكيافيللي، والنحّات ميكيل أنجيلو والفلكي غاليليو. وقد أحدث هؤلاء الثلاثة تأثيرا قويّا على ستندال الشابّ وقتها، حيث ألهموه شكل ومضمون الروايات التي سيكتبها فيما بعد. ولهذا السبب بالذات، ساور الكاتب شعور قويّ وغريب عندما دخل الكنيسة واقترب من المدافن التي بداخلها. يقول في كتابه بعنوان "نابولي وفلورنسا: رحلة من ميلانو إلى ريجيو:" كنت في حالة نشوة من فكرة أن أكون في فلورنسا، أي بالقرب من الرجال العظماء الذين رأيت قبورهم. وانغمرت في حال من التأمّل المتسامي ووصلت إلى النقطة التي تتصل فيها احاسيس المرء بالسماء. كان كلّ شيء يتحدّث بوضوح إلى روحي. ثم اعتراني خفقان في القلب وأحسست كما لو أن الحياة تتسرّب منّي ومشيت مترنّحاً أحاذر خطر السقوط ". لم يكن ستندال الشخص الوحيد الذي عانى من هذه الاحاسيس المضطربة وهو بحضور قطع الفنّ والتحف والمنحوتات. ففي عام ...