المشاركات

محطّات

صورة
استمتاع الانسان برؤية الآثار يوحي بأن الخراب صفة معرفية مشتركة بين البشر جميعا. والجنس البشري، بحسب روز ماكولي مؤلّفة كتاب "متعة الآثار"، كان دائما ذا عقلية تمجّد الخراب. وفي جميع العصور وجد الأدب جمالا في القوى المظلمة والعنيفة التي يُعدّ الخراب أحد رموزها. وفي أحلام الإنسان الغربيّ المحبّة للخراب، فإن اليونان وإيطاليا هما اللتان مجّدتا دائما تلك الأحلام الحزينة التي تنظر إلى الوراء، ربّما لأن حضارة الغرب نشأت ونمت هناك حيث مجدُ العالم. هناك وُجد سقراط وأفلاطون وطروادة وأثينا والجزر واليونان العظيمة. كلّنا نحبّ الآثار، تقول ماكولي، رغم أننا لا نعرف السبب بالتحديد، لكن ربّما لأننا نحبّ أن نتخيّل كفاح الناس الذين ماتوا منذ زمن طويل والذين قاتلوا مثلنا أيضا وفازوا وخسروا وأحبّوا وكرهوا وكانوا يتوقون إلى السلام أو المعنى، تماما كما نفعل نحن. اللامعنى هو الخوف الأكبر بالنسبة لمن يحبّون الآثار. فنحن لا نخشى الموت، فهو سيأتي إلينا جميعاً. ولا نخشى القتال، بل في الواقع نتصالح معه إن فُرض علينا. ما نخشاه حقّا هو أنه لن يتمكّن أحد من السير على أنقاض حياتنا التي قضيناها هنا...

محطّات

صورة
في عام 1915 كتب سيغموند فرويد مقالة يتذكّر فيها حديثا دار بينه وبين الشاعر الألماني ريلكه أثناء سيرهما في حديقة. وفي لحظة ما بدا ريلكه في غاية الضيق والحزن. فقال له فرويد: ما المشكلة؟ إنه يوم جميل، وهناك نباتات وأزهار رائعة كثيرة حولنا". فقال ريلكه: إنني لا أستطيع التغلّب على حقيقة أنه في يوم من الأيّام سوف يموت كلّ هذا، كلّ هذه الأشجار والنباتات وكلّ هذه الحياة سوف تتحلّل وتزول". كان ريلكه يقصد أن زوال الأشياء وعدم ديمومتها هو مشكلة وجودية وأمر حقيقيّ في هذا العالم. وربّما لهذا السبب عندما نكون في حالة حبّ او ابتهاج، فإننا نشعر بحزن غامض نوعا ما. كما أن الأشياء الجميلة يمكن أن تجعلنا حزينين قليلاً في بعض الأحيان، وذلك لأن تلك الأشياء المبهجة تخفي رؤية شيء أكبر، باب مخفيّ مثلا او حفرة نحاذر الوقوع فيها، على الرغم من أن هذا شعور مؤقّت غالباً. وهذا هو السبب أيضا في أننا نشعر أحيانا بالحنين إلى شيء لم نفقده بعد، لكنّنا نرى أنه في النهاية زائل لا محالة. ما العمل إذن وكيف نستجيب لهذا الشعور؟ هل بعدم الارتباط بالأشياء والمشاعر كما تقول بعض الديانات الشرقية؟ أم بالتظاهر ب...

خواطر في الأدب والفن

صورة
"القرمزيّ" كلمة شديدة الخشونة ومزخرفة كثيرا. إذا استخدمها كاتب ما فهذا يعني أنه يميل الى استخدام صيغ التفضيل. لكنّ العديد من الكتّاب يستخدمونها ثم لا يلبثون أن يضغطوا بتكاسل على زرّ الحذف ويلغونها. كلمة "قرمزيّ" المستخدمة اليوم لا بدّ أن تثير الشكوك: لماذا اختار هذا الكاتب أو ذاك هذه الكلمة غير الجديرة بالثقة؟ وما الذي يختبئ خلف المخمل الرثّ والمكسّر لتلك الستارة القرمزية؟ "القرمزي" واحدة من أقلّ الكلمات المفضّلة لدى الكثيرين. منها تفوح رائحة أسوأ عادات الكتّاب. وهي كلمة صُنعت بدقّة لتتولّى كافّة الأعباء الثقيلة بالنيابة عنك. وبالنسبة للأذن الحديثة، لا يزال صوتها فخماً، لكن معناها فاحش. وفي الوقت الحاضر لا تجد الكثير من الكلمات المجوّفة إلى هذا الحدّ. ورغم هذا ما تزال قيد الاستخدام بشكل نشط. ودلالاتها السابقة، أي الفخامة والرفاهية والتمجيد، أصبحت الآن مغلّفة بالسخرية. في عصر الأصباغ الاصطناعية الرخيصة، ننسى أن مصطلحات اللون متجذّرة في المواد الترابية باهظة الثمن. كلمة "قرمزي" مشتقّة من القرمزcrimson، وهو مصطلح يشمل عدّة أنواع من ا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
يُعد الفنّ مصدرا غنيّا لإلهام العديد من كتّاب الروايات، إذ يسمح لهم بنسج الفنون البصرية في رواياتهم واستكشاف التأثير العميق للفنّ على التجارب الإنسانية. كما أن هذه الروايات تسمح للقرّاء بالانغماس في عالم الفنّ وكشف ألغازه واستكشاف التأثير العميق للفنون البصرية على حياة الشخصيات. بعض هذه الروايات تتمحور أحداثها حول لوحات معيّنة أو تشير إليها، غالبا كوسيلة لتعزيز السرد أو لاستثارة مشاعر القارئ أو تقديم رؤى أعمق عن الشخصيات أو المواضيع. من هذه الروايات "صورة دوريان غرايThe Picture of Dorian Gray " لأوسكار وايلد، وفيها يصف المؤلّف لوحة تمثّل عنصرا مركزيّا في القصّة. اللوحة رسمها شخص يُدعى هالوارد، وتجسّد جمال بطل الرواية الشابّ دوريان غراي. وبينما تتكشّف فصول القصّة، تمرّ اللوحة بتحوّل خارق للطبيعة يعكس الانحلال الأخلاقي والفساد في روح بطلها. وفي رواية "شفرة دافنشي The Da Vinci Code" يتناول الكاتب دان براون العديد من الأعمال الفنّية، بما في ذلك "الموناليزا" و"العشاء الأخير" لليوناردو دا فينشي. ويشار إلى اللوحات كدليل في البحث عن الأسرار ...

خواطر في الأدب والفن

صورة
يحتلّ الماء مكانة مهمّة في الفلسفة الطاوية. فهو ليس مجرّد ماء، بل صوت الحياة، وصوت الوجود وصوت السيرورة الأبدية. وهناك دروس هامّة وإرشادات يتعيّن على الإنسان أن يتعلّمها من الماء بحسب الطاو. وعندما نتّبع هذه الإرشادات فإننا نتعلّم التواضع وعمق الشخصية واللطف غير المشروط والنزاهة وحسن التدبير والمرونة المتعدّدة والتوقيت المناسب. الماء، بتموضعه في المكان الصحيح، يتدفّق بشكل طبيعي إلى أدنى نقطة في المنطقة المجاورة له مباشرة. ويمكن أن يكون هذا استعارة عن الشخص المتواضع، لأن المغرور هو عكسه تماما في بحثه دائما عن أعلى نقطة مرئيّة. وبالتالي يمكننا القول أن الماء يجسّد التواضع. وهو تواضع طبيعي لا يحتاج أبدا إلى تزييف أو تصنّع، وهذا هو بالضبط ما نحتاج إلى تنميته في أنفسنا بعمق كبير. والأشخاص الفضلاء حقّا يشبهون برَك المياه العميقة، فأنت لا تعرف كلّ شيء عنهم من الوهلة الأولى، فهم يمتلكون عمقا في الشخصية لدرجة أن الأمر قد يستغرق بعض الوقت حتى نعرفهم حقّا، فهم مثل الكنوز الغارقة في أعماق المحيط. قد لا تدرك ذلك في البداية، ولكن إذا تأمّلت صداقتك معهم، فسوف تكتشف الكنوز بنفسك، وقد تدر...

محطّات

صورة
ذات مرّة غرقت سفينة ومات معظم ركّابها ولم ينجُ سوى بضعة افراد تشبّثوا بقارب نجاة في الليل. ولم تكن هناك رياح عاصفة، بل كان البحر قد هدأ نسبيّا. وربّما بسبب صدمة تحطّم سفينتهم، لم يتمكّن أحد من الناجين من تذكّر أيّ شيء من حياته قبل ذلك ولا حتى كيف وصل إلى قارب النجاة. ومرّ الوقت بطيئاً، ثم قال أحدهم أنه شعر بنسيم خفيف يلامس وجهه. وحاول الجميع أن يتأكّدوا ما إذا كان هذا صحيحا أم أنه مجرّد تفكير بالتمنّي. ثم شعر به شخص آخر أيضا، ثم آخر، وسرعان ما هبّ نسيم لا لبس فيه وأخذ يحرّك الهواء من حولهم. ولم يكن هناك صوت، لكن شخصا آخر ظنّ أنه سمع تلاطم أمواج من بعيد. وأرهف الجميع أسماعهم وسرعان ما سمعوا صوت الأمواج المتكسّرة على الشاطئ. ونُقل القارب في الظلام إلى الشاطئ القريب. ثم سأل أحدهم: هل نحن قريبون من الفجر؟ وبعد قليل لم تلبث ألوان الفجر أن بدأت بالظهور فوق أفق البحر. وهكذا بدأت هذه المجموعة الصغيرة من البشر في اختراع أو خلق عالم من العدم: جزيرة بها غابات وأشجار وحياة برّيّة وطيور صغيرة من النوع الذي قد يتخيّله أيّ إنسان. في البداية كان لدينا العالم بكلّ أمجاده، مضاءً بنور الفج...

محطّات

صورة
هذا العالم، الذي أنت على وشك الدخول إليه والتواجد فيه، لا يتمتّع بسمعة طيّبة. لقد ظلّ جغرافيّاً أفضل منه تاريخيّاً؛ ولا يزال جذّاباً بصريّا أكثر منه اجتماعيّا. إنه ليس مكانا لطيفا، كما ستكتشف قريبا، وأشكّ في أنه سيصبح أجمل عندما تغادره. ومع ذلك، فهو العالم الوحيد المتاح. إذ لا يوجد بديل، وإذا وجد، فليس هناك ما يضمن أنه سيكون أفضل من هذا. إنه غابة وصحراء ومنحدر زلق، ومستنقع - بالمعنى الحرفيّ للكلمة. ولكن ما الذي يمكن أن يكون أسوأ من ذلك، مجازيّاً أيضا. ومع ذلك، وكما قال روبرت فروست: أفضل طريق للخروج هو دائما العبور من الوسط". لكنه قال أيضا في قصيدة مختلفة: أن تكون اجتماعيّا يعني أن تكون متسامحاً". حاول ألا تعير اهتماما كبيرا لأولئك الذين سيحاولون جعل حياتك بائسة. سيكون هناك الكثير من هؤلاء. عانِ منهم إذا لم تتمكّن من الإفلات منهم. ولكن بمجرّد الابتعاد عنهم، امنحهم أدنى قدر ممكن من الاهتمام. وقبل كلّ شيء، حاول ألا تروي القصص عن معاملتهم الظالمة لك. تجنّب ذلك بقدر الامكان. الحكايات من هذا النوع تزيد من وجود خصومك. على الأرجح سيعتمدون على كونك تحبّ الكلام والتحدّث...