المشاركات

محطّات

صورة
يبدأ فيلم "نوستالجيا أو الحنين" لأندريه تاركوفسكي (1983) بلقطة ضبابية بالأبيض والأسود للريف الروسي، حيث يتحّرك صبيّ وثلاث نساء باتجاه الماء. ثم ينتقل الفيلم إلى مشهد ضبابيّ آخر في إيطاليا، حيث تسافر سيارة فولكس فاغن عبر الريف الجبلي. ثم يعتاد المشاهدون على هذه الانتقالات بين ذكريات أندريه غورتشاكوف عن منزله الروسي وإقامته الحالية في إيطاليا حيث يعاني من شعور بالضيق والحنين. وقد جاء أندريه إلى إيطاليا برفقة مترجمته للبحث في حياة المؤلّف الموسيقي الروسي بافيل سوسنوفسكي. وكان سوسنوفسكي يشعر باليأس والإحباط في منفاه الإيطالي، لذا أقدم على الانتحار عند عودته الى الوطن. كانت فكرة الاختيار بين المنفى والحنين الى الوطن رغم القمع الذي كان يعانيه مصدر قلق رئيسي أيضا لتاركوفسكي نفسه عندما كان يفكّر في مغادرة الاتحاد السوفيتي. يقول أحد النقّاد: لا يوجد شيء أكثر ترابيةً وجسدية من عمل تاركوفسكي، هذا المخرج الصوفيّ المشهور". ويعزو هذه الجسدانية الترابية إلى الاحترام الأرثوذكسي الروسي للطبيعة كمكان يتمّ فيه تقديس الخالق من خلال خلقه. كان تاركوفسكي ينظر للمعنى من جانبه العاطفي ...

قصاصات ورق

صورة
مجموعة من عبارات وأقوال دوّنتها على قصاصات ورق في أوقات مختلفة، بعضها قرأته في مجلّة أو جريدة، وبعضها سمعته في مكان أو على لسان شخص ما.. ❉ ❉ ❉ كلّما لامسنا الطبيعة، أصبحنا نظيفين. والأشخاص الذين اتّسخوا بسبب الكثير من الحضارة، عليهم أن يمشوا في غابة أو يستحمّوا في بحر أو نهر. تعبيرات الجمال من امرئ القيس وحتى أصغر شاعر كلّها مقرونة بعبارات تدلّ على الفتك والدموية والموت: الجمال الصاعق، الجمال الطاغي، الجمال المستبد، الجمال القاتل. والحبّ دائما مفتوح على الرعب: أغرّكِ منّي أن حبّك قاتلي، وابن عربي: كلّ حبّ لا يقضي على المُهَج لا يعوّل عليه"، بل إن في "مصارع العشّاق" للشاعر لوركا مقطعا من روميو وجولييت يقول: عندما رآها شهق شهقة الموت". وهكذا.. مهمّة الفيزياء هي الهروب من سجن الأفكار المقبولة والبحث عن طرق جديدة للتفكير في العالم ومحاولة تنظيف البحيرة الضبابية من الأحلام غير الحقيقية التي تعكس الواقع كما تعكس البحيرة الجبال. فقط من خلال الذهاب وحيدا في صمت وبلا أمتعة، يمكن للمرء حقّا الوصول إلى قلب البرّية. وجميع الرحلات الأخرى هي مج...

خواطر في الأدب والفن

صورة
كان جورج كارلِن (1937 – 2008) ممثّلا كوميديا وناقدا اجتماعيّا أمريكيّا، وقد اشتهر بروح الدعابة السوداء وبأفكاره حول السياسة واللغة وعلم النفس والدين والعديد من الموضوعات المحظورة. كان مراقبا ماهرا وذكيّا للعالم من حوله، وخاصّة للبشر ونقاط ضعفهم. وتجلّت طبيعته العملية والمجتهدة في قدرته على التواصل مع الناس من خلال روح الدعابة الثاقبة والبارعة في كثير من الأحيان. ويقال أن الأشخاص الذين يستمعون إليه يبدؤون في كره أنفسهم بعد مرور بعض الوقت لأنه يصوّر أعماقهم بأقصى قدر من الدقة، وفي النهاية يشعرون بأنهم لا يختلفون عن أيّ شخص أحمق آخر على هذا الكوكب. كان يدخل غرفة مليئة بالناس ويلقي بأصعب الحقائق في وجوههم ويهدم كلّ معتقداتهم وتصوّراتهم، ثم يترك الغرفة وهو ما يزال حيّا بل ومحاطا بالتصفيق من الجميع. هنا بعض آراء جورج كارلِن المتضمّنة في لقاءاته وفي سيرته الذاتية: ○​ لا تقلّل أبدا من قوّة الأشخاص الأغبياء في مجموعات كبيرة. ○​ هناك ليال تصمت فيها الذئاب ولا يعوي إلا القمر. ○​ يعجبني أن أرى منظر زهرة أو بقعة صغيرة من العشب تنمو في صدع خرسانيّ. إنه عمل بطوليّ للغاية. ○​ نحن ا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
قصّة حياة هذا الرجل تعلّمنا أن البشر لا يولدون وحوشا او سفّاحين بالفطرة. البيئة التي يعيشون فيها هي التي تحوّلهم أحيانا إلى مجرمين. وهذا ينطبق على الصبيّ الجورجي الذكيّ والفخور يوسب، الذي أراد فقط إنهاء الفقر في مسقط رأسه، لكنّه أصبح فيما بعد سببا في موت ملايين الأبرياء. والكثيرون لا يعرفون أن يوسب "جوزيف"، أو "ستالين" كما يُلقّب، كان من أصل جورجي، وأنه كان جورجيّا فخورا وحتى قوميّا جورجيا نشطا خلال سنوات مراهقته. وفي العادة، ومثل معظم الناس، نشأ ستالين مع والدته وأبيه في مدينة غوري في شرق جورجيا. كانت والدته امرأة صارمة، لأن والده كان مدمنا على الكحول وعنيفا، وكان يسيء معاملتهما لدرجة أن أمّه أخذت يوسب بعيدا، هربا من قسوة الأب. وقد نشأ ستالين فقيرا، لكنّه تفوّق في المدرسة. وتربّى في بيئة مسيحية متديّنة للغاية، وكانت والدته امرأة قويّة الإيمان. كان يحبّ قراءة الكتب وكتابة الشعر، وكان معجبا بأعمال الكاتب القومي الجورجي رافائيل إريستافي، وكتب بنفسه العديد من القصائد الوطنية. كما كان رسّاما موهوبا وشاعرا بارزا. وكان يقضي ساعات طويلة من يومه في قراءة الكتب،...

محطّات

صورة
لا شيء يثير الحزن كالمدن. قد يكون للريف رومانسيّوه مثل بايرون وشيللر وكولريدج وشيللي وغيرهم الذين ربطوا صراعات الطبيعة الملحمية بأهمّ مآسي النفس البشرية. لكن الكئيبين والحزانى لا يهتمّون بالمآسي الكبيرة ولا بالمباهج، بل بأمزجة المَلل والحزن والعزلة. التجربة الأدبيّة للفضاء الحضريّ هي في كثير من الأحيان تجربة الشوق والحنين والاغتراب والفقد. وبالنسبة للكتّاب، فإن المدينة ليست مجرّد مكان، بل قصّة رمزية وتجسيد مادّي لعدم تكرار التجربة ولحتمية الاضمحلال. لكلّ مدينة تاريخية علامتها المميّزة من الحزن المرتبط بها بشكل لا يمكن محوُه، وكلّ مدينة مرتبطة بالندوب التي تحملها. فمثلا تتمتّع لشبونة بحنينها المرتبط بإرث المدينة المتمثل في اختفاء البحّارة والمستكشفين الذين تحطّمت سفنهم بحثا عن آفاق غريبة. واسطنبول لديها الحزن "هوزون بالتركية"، وهو علامة فارقة من الكآبة المشوبة بالدِين والمتجذّرة في حنين المدينة إلى ماضيها المجيد. وكما كتب أورهان باموك مرّة: يواصل سكّان إسطنبول حياتهم ببساطة وسط الأنقاض، هذه الآثار هي تذكير بأن المدينة الحالية فقيرة ومرتبكة لدرجة أنها لا تستطيع ابد...

خواطر في الأدب والفن

صورة
الفنّ مثل الفلسفة من حيث كونه تجربة شخصيّة وذاتيّة عميقة. لذا فإن استكشاف الأعمال الفنّية المختلفة يمكن أن يؤدّي إلى تفسيرات متنوّعة ورؤى فلسفية. وهناك العديد من اللوحات الشهيرة التي تتضمّن عمقا فلسفيّا وقدّمت مساهمات كبيرة في مجال الفنّ والفلسفة. وتمثّل هذه اللوحات مجموعة متنوّعة من الأساليب والفترات والموضوعات الفلسفية. كما أنها تدعو المتلقّي إلى الانخراط في التأمّل والتفسير والتفكير في الأسئلة الأساسية حول الوجود والهويّة والإدراك والحالة الإنسانية. واستكشاف هذه الأعمال والغوص في الأفكار الفلسفية التي تثيرها يمكن أن يوفّر رحلة رائعة من الاكتشاف والتأمّل. ومن أشهر هذا النوع من اللوحات "مدرسة أثينا" لرافائيل، وتصوّر هذه التحفة الفنّية مجموعة من الفلاسفة القدماء مثل أفلاطون وأرسطو وسقراط وابن رشد وغيرهم. واللوحة ترمز إلى السعي وراء المعرفة واستكشاف الأفكار الفلسفية. وهناك لوحة "المفكّر" لأوغست رودان، والتي على الرغم من أنها ليست لوحة فنّية بل منحوتة، إلا أنها واحدة من أكثر صور التأمّل الفلسفي شهرةً. ويمثّل الشخص الظاهر في المنحوتة عمق الفكر والنضال الفكر...

محطّات

صورة
في الوقت الذي غامر عدد قليل من الأمريكيين بالوصول الى غرب نهر المسيسيبي، قدّمت لوحة "النظر أسفل وادي يوساميتي في كاليفورنيا" منظرا ترحيبيّا لواحدة من عجائب الطبيعة على الجانب البعيد من القارّة. وبعد رحلته الأولى إلى الغرب الأمريكي عام 1859، رسم ألبيرت بيرشتات سلسلة من لوحات المناظر الطبيعية التي أثبتت شعبيّتها لدى جمهور الساحل الشرقي لدرجة أن الرسّام كان حريصا على العودة لرسم المزيد. وأدّى نشوب الحرب الأهلية إلى تأجيل رحلته، ولكن في عام 1863 انطلق بيرشتات من فيلادلفيا للقيام برحلة عبر القارّات بالقطار والحافلة وعلى ظهور الخيل. وعندما وصل أخيرا إلى كاليفورنيا، تجاوزت مناظرها الطبيعية توقّعاته. والمعروف أن بيرشتات ولد وتعلّم في ألمانيا، وكان على دراية جيّدة بجمال جبال الألب. لكنه كان يصرّ على انه لا توجد في أيّ مكان في أوروبّا مناظر طبيعية يمكن مقارنتها بمناظر سييرا نيفادا في مقاطعة يوساميتي. وتدعم لوحته "النظر إلى أسفل وادي يوساميتي" هذا الادّعاء القومي وتعبّر عن إحساس الفنّان بالدهشة عندما رأى لأوّل مرّة المناظر الطبيعية لتلك الجبال المهيبة. وقد اعترض...