المشاركات

خواطر في الأدب والفن

صورة
الشاعر الاسباني رافائيل البيرتي معظم أشعاره مستوحاة من الرسم. وقصائد أحد دواوينه تتضمّن إشارات عديدة إلى الرسّامين الذين كان قد رأى أعمالهم في متحف برادو في مدريد في صباه. وبالنسبة له، فإن الأصفر هو أكثر لون محمّل بالرموز. وهو يراه كرمز للسعادة، لكنه أيضا رمز للفقر والمرض والمعاناة والذبول. كما أن الأصفر يقترن عنده دائما بالخريف. وفي سياق حديثه عن هذا اللون، يشير إلى لوحة "المظلّة" لدي غويا كأفضل مثال لاستخدام اللون الأصفر. وفي العديد من قصائده، يتحدّث البيرتي عن الحورية الخضراء الصغيرة. ويرجّح انه استلهم هذه الصورة الشعرية من الحوريات اللاتي سبق أن رآهنّ في العديد من لوحات الرسّام الهولندي بيتر بول روبنز في مدريد. وفي قصيدة بعنوان "ليوناردو"، يتحدّث البيرتي حصرا عن اللون الأزرق، فيقرنه بدافنشي، لكنه أيضا يذكره مقرونا بآخرين مثل بوسان وفيلاسكيز وغويا. ويشير إلى أن مثله الأعلى في توظيف الأزرق هو بيكاسو. في حديثه عن الأزرق، يشير الشاعر إلى لوحة بيكاسو بعنوان "المأساة" باعتبارها النموذج الأكمل لاستخدام الأزرق في الفن. كما يذكر لوحة فرا انجيليكو ...

الضيف الغريب

صورة
بعد سنوات قليلة من ولادتي، التقى والدي شخصا غريبا وصل مؤخّرا إلى بلدتنا الصغيرة. ومنذ البداية، انبهر الوالد بتلك الشخصية الساحرة، ثم دعاه للعيش معنا في بيتنا. وقبل الغريب الدعوة، ومنذ ذلك الحين وهو يعيش معنا. وعندما كبرت قليلا، لم أسأل قطّ عن مكانه في عائلتنا. لكن بعقلي الصغير أدركت أن له مكانة خاصّة جدّا. كان والداي مربيّين فاضلين: أمّي علّمتني ما هو الخير وما هو الشرّ، وعلّمني والدي الطاعة. لكن الشخص الغريب كان راوياً بارعا للقصص. كان يُبقينا لساعات منبهرين بقصص المغامرات والألغاز والطرائف التي كان يسردها علينا. وكانت لديه دائما إجابات على كلّ شيء نريد معرفته في التاريخ أو العلوم أو السياسة وغيرها. وكان يعرف كلّ شيء من الماضي والحاضر ويمكنه حتى التنبّؤ بالمستقبل! وقد اصطحب عائلتنا الى أوّل مباراة كرة قدم نحضرها. وكان يجعلنا نضحك ثم لا يلبث أن يُبكينا. ولم يتوقّف الغريب عن الحديث وعرض الصور، لكن والديّ لم يكونا مهتمّين. في بعض الأحيان، كانت والدتي تستيقظ مبكّرا وبهدوء. وبينما كنّا نستمع إلى ما يقوله، كانت لوحدها تذهب إلى المطبخ لتنعم بالسلام والهدوء. كان والدي يدير منزل...

لوحات ضائعة

صورة
هناك العديد من اللوحات الفنّية التي فُقدت واختفت تماما لسبب أو لآخر، ما أدّى الى إثارة التكهّنات حول غيابها الغامض. وفقدان تلك اللوحات يمثّل فراغا كبيرا في السجّل التاريخي الفنّي وخسارة للتراث الثقافيّ للإنسانية. وما تزال تُبذل جهود حثيثة من قبل مؤرّخي الفنّ وجامعيه والمؤسّسات الفنّية العالمية لتحديد أماكن هذه الروائع المفقودة واستعادتها بسبب أهميّتها، ولأن إعادة اكتشافها لن يؤدّي فقط إلى إثراء فهمنا لتاريخ الفنّ بل سيعيد أيضا هذه الأعمال التي لا تُقدّر بثمن إلى دائرة الاهتمام والتقدير العام. ومن بين اهمّ تلك اللوحات الضائعة معركة أنغياري The Battle of Anghiari لليوناردو دا فينشي. وقد رسم الفنّان هذه الجدارية لتزيّن قصر فيكيو في فلورنسا بإيطاليا. وانتظر الناس انجاز اللوحة بفارغ الصبر ليحظوا برؤية تقنيات ليوناردو المبتكرة فيها، مثل استخدامه للضوء وتركيزه على التقاط الحركة الديناميكية وغير ذلك. لكن لسوء الحظّ لم تكتمل الجدارية أبدا وما يزال المكان الذي كان مقرّرا ان توضع فيه في القصر الإيطالي فارغا. وبعض مؤرّخي الفنّ يعتقدون بأنها قد تكون مخبّأة تحت أكداس من اللوحات الأخرى ف...

أعشاب الأوديسّا

صورة
أوديسّا هوميروس هي أحد أقدم أعمال الأدب الغربيّ، وتروي مغامرات البطل الاغريقي أوديسيوس خلال رحلته التي استغرقت عشر سنوات عائدا الى أرض الوطن من حرب طروادة. وعلى الرغم من أن بعض أجزاء الملحمة قد تكون مبنية على أحداث حقيقية، الا ان المواجهات مع الوحوش الغريبة والعمالقة المرعبين والسحرة الأقوياء تُعتبر من قبيل الخيال الجامح. ولكن هل يمكن أن يكون في هذه الأساطير أكثر ممّا يبدو للعين للوهلة الأولى؟ دعونا نلقِ نظرة على قصّة مشهورة من هذه القصيدة الملحمية. أثناء رحلتهم الطويلة، يجد أوديسيوس وطاقمه من البحّارة أنفسهم في جزيرة "إيا" الغامضة. وبينما هم يتضوّرون من الجوع والارهاق، يعثر بعض الرجال على منزل فخم، حيث ترحّب بهم امرأة مذهلة وتدعوهم لتناول وليمة فاخرة في بيتها. وبطبيعة الحال، تبيّن أن كلّ هذا جيّد لدرجة أنه من الصعب تصديقه. فالمرأة، في الواقع، ليست سوى الساحرة الشرّيرة سيرسي. وبمجرّد أن يأكل الجنود حتى الشبع على مائدتها، تقوم بتحويلهم جميعا إلى حيوانات بهزّة واحدة من عصاها. ومن حسن الحظّ أن أحد الرجال تمكّن من الهرب، ليجد أوديسيوس ويخبره بمحنة بحّارته. لكن بينما...

كولومبوس في الأرض الغريبة

صورة
في 11 أكتوبر 1492، كان كولومبوس وبحّارته مع سفنهم الثلاث يقتربون من جزر البهاما عندما رأوا عن بعد أرضا غريبة. ويقال إن اوّل من رآها كان بحّارا يُدعى رودريغو دي تريانا. وقيل أيضا أن كولومبوس رأى في تلك الليلة شيئا يشبه ضوء شمعة تضيء وتخبو. ويبدو أن ذلك كان مؤشّرا على وجود أرض قريبة. وكان على كولومبوس أن يتأكّد من ذلك، فطلب من رجاله أن يتهيّئوا للمفاجأة عارضاً مكافأة لأوّل بحّار يكتشف الأرض. وأمر السفن بالتوقّف والانتظار ريثما يظهر ضوء النهار. وفي اليوم التالي تأكّدوا أنهم هبطوا في مكان ما من جزر البهاما. وبعد أن وصلوا رأوا أشجارا شديدة الخضرة وفواكه مختلفة الأشكال والأنواع. أما كولومبوس فقد جثا على ركبتيه شكراً لله على أن وصلوا الى تلك الأرض بأمان. ثم غرس فيها علَماً إسبانيّا، بينما كان افراد من شعب التاينو، أي السكّان الأصليين لمنطقة الكاريبي الذين عاشوا هناك لأكثر من ألف عام، يراقبون ما يحدث من وراء الأشجار الكثيفة. وفي اليوم التالي تجمّع السكّان الأصليون على الشاطئ وقدّموا للإسبان الطعام والشراب والقطن وسلعا أخرى كهدايا، بينما قدّم لهم الإسبان هدايا من القبّعات الحمرا...

المحارب والتنّين

صورة
كلّ عام وأنتم بخير. ورمضان كريم. في فيلم "فارس الظلام The Dark Knight" يرد هذا الاقتباس: إما أن تموت بطلاً أو تعيش طويلاً بما يكفي لترى نفسك وقد أصبحت الشرّير". وهذا الكلام ربّما يعكس فكرة مؤدّاها أن السلطة والنفوذ يمكن أن يغيّرا الشخص بمرور الوقت الى أن ينتهي به الأمر في أسفل طريق مظلم. وكثيرا ما يُستخدم هذا المفهوم لاستكشاف تعقيدات الأخلاق وعواقب أفعال وتصرّفات الفرد. وهناك مثال على هذا وهو حادثة غرق السفينة الشهيرة تايتانك الذي أودى بحياة الآلاف في ذلك اليوم المشؤوم. وكانت شجاعة المهندسين والقبطان والأمن وغيرهم ممّن كانوا في السفينة مضرب المثل لأنهم ضحّوا بحياتهم وتركوا النساء والأطفال يأخذون قوارب النجاة. وكان على متن تلك السفينة أيضا بروس إيزماي، صاحب شركة "وايت ستار لاين" التي صنعت التايتانك. وتردّدت شائعات عن هروبه من السفينة متنكّراً في ملابس امرأة. لكنه في الواقع لم يهرب ولم يتنكّر بزيّ امرأة ابدا، لكنه غادر السفينة في قارب النجاة الأخير. ومع هذا وُصف في جميع أنحاء العالم على أنه جبان القرن العشرين! ويقول عدد قليل من شهود العيان انه بقي في...

قصّة البايسون

صورة
حدث هذا في عام 1861. كان "الدبّ المنفرد" يقود "ريشة النسر" في أوّل عملية صيد للأخير على الإطلاق. وتوقّف الأوّل قليلا ليخبر الثاني بالقواعد: بمجرّد أن ترى قطيع البايسون "أو الجاموس"، يجب أن تنتظر حتى يشير لك شخص أكبر منك سنّا. وعندما يحين الوقت، لا تقتل إلا ما يستطيع حصانك حمله". كان "الدبّ المنفرد" و"ريشة النسر" ينتميان الى عشيرة الكيوا التي كانت واحدة من عدّة قبائل من سكّان أمريكا الأصليين الذين عاشوا في السهول الكبرى. بحلول منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، كانت العديد من قبائل السهول تستخدم الخيول لاصطياد البايسون المتوفّر بكثرة في تلك المنطقة. وكان الهنود يعيشون على لحم هذا الحيوان الذي يُعتبر أكبر الثدييات البرّية في أمريكا الشمالية. كانوا يحوّلون مخابئه الصيفية إلى مساكن وجلوده الى معاطف وأغطية تحميهم من برد الشتاء. كما استخدموا عظامه وقرونه كأدوات وأوتاره كخيوط. لكن في العقود التالية، سيُذبح الملايين من البايسون وبالتالي سيُهدّد بقاء مجتمعات السهول وثقافتها بشكل متعمّد. فبعد الحرب الأهلية الأمريكية، بدأ آلاف الم...