المشاركات

الإسبان والانديز: تاريخ موجز

صورة
"رأيت قسوة لم يرَ مثلها ولا يتوقّع رؤيتها أيّ كائن حيّ". بارتولومي دي لاس كاساس ❉ ❉ ❉ وصل كريستوفر كولومبوس إلى كوبا في أكتوبر 1492 أثناء رحلته الأولى إلى العالم الجديد. وسرعان ما أعلن تابعية الجزيرة للعرش الإسباني وأطلق عليها اسم "خوانا" تيمّنا باسم الأمير خوان نجل الملك فرديناند والملكة إيزابيلا. وفي عام 1514، عُيّن دييغو ڤيلاسكيز دي كويّار أوّل حاكم لكوبا، وهو المنصب الذي شغله لعدّة سنوات. وقد انخرط المستعمرون الإسبان في مواجهات عنيفة مع السكّان الأصليين الذين قوبلت محاولاتهم لمقاومة الحكم الإسباني بأعمال وحشية. كما أُجبروا على العمل في المزارع والمناجم، ما أدّى إلى ظروف قاسية ومعدّلات وفيات عالية بينهم. وكان من أهمّ من كتبوا عن تاريخ تلك الفترة بارتولومي دي لاس كاساس (1484 - 1566) الذي كان رجل دين وكاتبا ومؤرّخا إسبانيّا. وبصفته راهبا، شارك "لاس كاساس" في غزو دييغو دي كويّار لكوبا، وشهد العديد من الفظائع التي ارتكبها الإسبان ضد الهنود. وقد اشتهر "لاس كاساس" باعتباره أوّل "مدافع عن الهنود" يعيّن رسميّا. وكان ق...

خواطر في الأدب والفن

صورة
تحتار في معرفة هل هذه اللوحة حياة ساكنة أم صورة مجزّأة. هل تتحوّل القدم إلى حذاء أم العكس، أم يتحوّل جسم الإنسان إلى مجرّد شيء، أو أن الحذاء يتحوّل في نهاية المطاف إلى إنسان بسبب كثرة ارتدائه؟! الرسّام لا يضع صورتي القدم والحذاء منفصلتين وجنبا إلى جنب، بل يدمجهما بطريقة هجينة، أي بتحويل واقع لآخر. وأحد التفسيرات الأكثر شيوعا للوحة هو أن أكثر الأشياء وحشيةً يمكن أن تصبح مقبولة بقوّة العادة. تشعر وانت تتأمّل اللوحة بأن التحام قدم الانسان بالحذاء الجلدي ينشأ في الواقع من عادة وحشية. وبحسب بعض النقّاد، تثير مشكلة الحذاء مسألة القدم وطبيعة الإنسان والقوّة المنفّرة للأعراف الاجتماعية. قد يبدو الحذاء للوهلة الأولى أكثر المنتجات تعرّضا للضرر، لكن وحشيته تتّضح من حقيقة أن قوّة العادة حوّلته إلى شيء طبيعي ولم يعد من الممكن إدراك خطورته. فالحذاء ليس مجرّد وسيلة حماية، بل هو أيضاً سجن لاإنساني، فهو يفرض توحيد حركة أصابع القدم الخمسة في حركة اجبارية واحدة ويضع فاصلاً أبدياً بيننا وبين الأرض التي نسير عليها. ومثل كلّ مبدعي الفنّ الخيالي، يعرف الرسّام رينيه ماغريت أن تمثيل غير الواقعي...

ثورو عن العزلة

صورة
إن كنت قد سئمت من التعامل مع البشر وترغب في إتقان فنّ العزلة المفكّرة والمتأمّلة، فهذا الكتاب هو دليلك المناسب لفعل ذلك وللبقاء على قيد الحياة. فقط تأكّد من أن لديك مقصورة مناسبة وإمدادات كافية من الطعام وكرّاسا للكتابة واستعدادا لتقطيع الحطب وجلب الماء من الغدير أو النهر القريب. إسم الكتاب "والدن"، أو الحياة في الغابات، لمؤلّفه المفكّر والفيلسوف الأمريكي هنري ديفيد ثورو (1817 - 1862). كان ثورو خرّيجا لهارفارد ومعلّما سابقا وشاعرا وكاتب مقالات. وكان جزءا من مجموعة "كتّاب التسامي" الذين ظهروا في بداية القرن التاسع عشر في نيو إنغلاند. وهو يجمع في كتاباته بين الفلسفة والنثر والشعر والطبيعة والتفكير النقدي والمساعدة الذاتية. وقد ألّف هذا الكتاب أثناء إقامته في "والدن" في كونكورد بماساتشوستس لأكثر من عامين وشهرين. وكانت بِركة والدن وجوارها مملوكة لصديقه رالف إيمرسون الذي منحه حرّية استخدامها، فبنى ثورو كوخاً بالقرب من حافّة المياه ليعيش فيه. وخلال إقامته هناك، لم يكن منعزلاً تماما. كانت عمّته وابنة عمّه تزورانه كثيراً وتُحضران له الوجبات وتأخذان م...

خواطر في الأدب والفن

صورة
يقال أن تاجرا اشترى لوحة تحمل توقيع الرسّام بابلو بيكاسو. وسافر الرجل إلى باريس ليتحقّق من بيكاسو نفسه ممّا إذا كانت الصورة أصلية أم لا. كان الفنّان يعمل في مرسمه عندما وصل الرجل حاملا اللوحة. وقد ألقى نظرة واحدة على اللوحة ثم قال على الفور: إنها مزيّفة". وبعد بضعة أشهر، اشترى التاجر لوحة أخرى تحمل توقيع بيكاسو أيضا. وسافر ثانيةً إلى باريس ليستفسر من الرسّام عن رأيه في أصالة اللوحة من عدمها. وبعد أن تفحّصها بيكاسو قال بسرعة: هذه أيضا لوحة مزيّفة". قال له التاجر: لكنّي رأيتك بعيني ترسم هذه الصورة قبل سنوات، فكيف تكون مزوّرة؟! وهنا هزّ بيكاسو كتفيه وقال: أنا أيضا أرسم أشياء مزيّفة في كثير من الأحيان". والمعنى الكامن في كلام بيكاسو هو أن أيّ لوحة، مهما كانت أصلية، قد تبدو وكأنها تكرار أو تنويع على موضوع أو فكرة رُسمت من قبل. وقد يكون المقصود أن اللوحة أعيد رسمها، لكن صانعها الجديد لم يُضِف إليها شيئا أو لم يمنحها روحا جديدة. ❉ ❉ ❉ كان آرثر كوستلر (1905 - 1983) مفكّرا وصحفيّا بريطانيّا من أصل مجري. وقد عُرف بتناوله للقضايا السياسية والفلسفية. ودفع اهت...

تأمّلات تحت أشجار الكرَز

صورة
منذ أواخر القرن العاشر، راج في اليابان نوع من الأدب يُسمّى "أدب الأكواخ القشّية"، أو أدب الانعزال، الذي يشبه أسلوب كتابة اليوميات أو المدوّنات الحديثة في هذه الأيّام. وهو نوع من الكتابة المسترسلة التي تسمح لقلم الكاتب بتدوين الأفكار كما ترد الى ذهنه بعفوية وعشوائية والانتقال من موضوع إلى آخر ومن فكرة لأخرى دون ترتيب مسبق. وقد أصبح ذلك التقليد حركة أدبية قائمة بذاتها في أواخر فترة حكم هييان وأوائل فترة كاماكورا في أواخر القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثالث عشر. وأصل هذا الأدب أن بعض الأشخاص عندما يتقاعدون من الخدمة العامّة يذهبون الى الجبال ويبنون لهم أكواخا منعزلة ويمارسون هناك العزلة والتواصل مع الطبيعة والتأمّل والكتابة. وأحيانا يأتي قرار العزلة من عدم الرضا عن المعايير المجتمعية كالتعلّق بالبيوت "التي مآلها الزوال"، أو بسبب الضغوط التي تصاحب الفقر. وفي حياة العزلة، يمكن نقل الكوخ بسهولة، ويمكن للمرء أن يتخفّف من الانشغال بحسن المظهر، إذ لن يوجد أحد حوله ليحكم عليه. وذهاب بعض الأشخاص الى الجبال للعيش في عزلة وممارسة الكتابة المتأمّلة تقليد متجذّر ب...

غابة الصَّنوبر

صورة
رسم هاسيغاوا توهاكو لوحته "أشجار الصنوبر" في أواخر القرن السادس عشر في اليابان باستخدام تقنية الرسم بالحبر الصيني، كي يعبّر من خلالها عن ثراء سمات الطبيعة في اليابان. واللوحة تُصنّف منذ عام 1952 ككنزٍ وطني ياباني. كما تُعتبر واحدة من أشهر الأعمال الفنّية في اليابان. وهي الآن من مقتنيات متحف طوكيو الوطني. هذا العمل عبارة عن لوحة جانبية كبيرة مكوّنة من ستّة ألواح يبلغ ارتفاعها خمسة أقدام وعرضها أحد عشر قدما. وهي تصوّر غابة من أشجار الصنوبر يكتنفها الضباب، مع جبال ثلجية خافتة تلوح من مسافة. وعند رؤية اللوحة عن بعد، تبدو جذوع الأشجار كما لو أنها تتأرجح أو تؤدّي رقصة في الرياح بفعل الطبقة الثقيلة من الهواء الرطب البارد. التأرجح الإيقاعي للأشجار يقال أنه صدى لرقصة يابانية كلاسيكية كانت شائعة خلال فترة حياة الرسّام. كان هاسيغاوا توهاكو تلميذا لسين ريكيو، أشهر معلّم شاي وممارس للزِن في اليابان وقتها. لذا فإن جماليات وتقنيات الزِن واضحة وملحوظة في تفاصيل اللوحة. كما أن حجمها الضخم وعناصرها البسيطة والحبر ذا اللون الواحد، كلّها عوامل تتضافر لخلق تأثير بصريّ درامي هادئ وتأم...

فكرة الخلود في الفنّ الصيني

صورة
احترام المجتمع الصيني للمعمّرين يُعتبر قيمة كونفوشية عريقة. وبحثُ الفرد الصينيّ عن العمر المديد هو هَمّ ابتدعته الطاويّة وأنتج انشغالا بصحّة الإنسان وبمسألة الخلود، وانعكس ذلك كلّه على الفنون التي انتجتها الصين على مدى ثلاثة آلاف عام وما اتّسمت به من تنوّع وثراء. الفنّ الصيني اهتمّ منذ القدم بإبراز الأشخاص الخالدين والأسطوريين، كما ركّز على بعض الموتيفات المرتبطة بالخلود، كثمرة الخوخ والغزال وطائر الكركي والصخور والماء وعشبة الشباب الأبدي وغيرها. وتتواتر في الفلكلور الصيني قصص عن "ملكة الأرض الغربية"، وهي إلهة قديمة كانت تحكم جنّة في جبال كونلون غرب الصين. وكان أهل تلك الأرض يعيشون حياة مخلّدة، فهم لا يعرفون الموت أو الشيخوخة ولا يشعرون بمرور الزمن أو ضغوط الحياة. والفضل في ذلك لأشجار الخوخ التي كانت تنمو في بستان الملكة السماويّ وتمنح إكسير الخلود والحياة الأبدية لكلّ من يأكل من ثمارها. وأشهر قصّة تُروى عن ملكة الأرض الغربية هي تلك التي تتحدّث عن اتصالها بالملك مو، أحد أعظم حكّام تشو القديمة. فقد انطلق الملك ذات يوم في رحلة مع فرسانه إلى المناطق الغربية البعيدة ...