المشاركات

البخل المعرفي

صورة
في علم النفس، يُعتبر العقل البشري بخيلا معرفيّا بسبب ميل البشر إلى التفكير وحلّ المشكلات بطرق أبسط وأقلّ جهدا. وكما يسعى البخيل إلى تجنّب إنفاق المال، فإن العقل البشري غالبا ما يميل إلى تجنّب الأمور الصعبة أو بذل جهد معرفي. ومنذ بداية تطوّر الإنسان العاقل، دُرّبت أدمغتنا على سلوك طريق المقاومة الأقل لأنه كان ضروريّا للبقاء. وعندما عاش أسلافنا في البريّة، كان الحفاظ على الطاقة أمرا بالغ الأهمية. وكان عليهم الصيد والبحث عن الطعام ومواجهة المنافسين والهروب من الحيوانات المفترسة. وكانت خطوة خاطئة واحدة ربّما تؤدّي إلى الموت. اليوم، أصبح العالم أكثر أمانا. لكن الدماغ البشري ما يزال عالقا في العصر الحجري ولم يتغيّر كثيرا منذ أيّام الصيد وجمع الثمار. ولهذا السبب، إن لم تقاوم، سيختار الدماغ أسهل الطرق لحلّ المشاكل. البخيل المعرفي Cognitive miser مصطلح صاغته العالمتان سوزان فيسك وشيلي تيلر منذ سنوات، ويعني ميل الدماغ للبحث عن حلول للمشكلات تتطلّب أقلّ جهد ذهني. أي أن عقولنا كبشر بُرمجت على عدم التفكير والبحث دائما عن طرق مختصرة كما لو أن الدماغ لا يعرف سوى طريق واحد. لذا يمكنك...

خواطر في الأدب والفن

صورة
في إحدى المناطق الشاسعة من المحيط الهادئ، تقع جزيرة مرجانية صغيرة تُسمّى "ايفالوك". بعد الحرب العالمية الثانية، عرضت البحرية الأمريكية أحد أفلام هوليوود على شعب هذه الجزيرة لتسليتهم وتعزيز حسن النيّة معهم. كان الفيلم أكثر شيء عنيف ومروّع شاهده سكّان الجزيرة على الإطلاق. وقد أزعجهم العنف الذي رأوه على الشاشة لدرجة أن بعضهم مرضوا لعدّة أيّام. وفيما بعد، جاء أحد علماء الأنثروبولوجيا إلى الجزيرة لإجراء دراسة، وسأله السكّان المحليّون بشكل متكرّر: هل كان ذلك صحيحا؟ هل هناك بالفعل أناس في أمريكا قتلوا أشخاصا آخرين؟! يقول بعض العلماء اعتمادا على دراسات أُجريت على قبائل معزولة عن الحياة الحديثة وتتغذّى على النباتات والحيوانات البرّية أن الحرب ليست جزءا فطريّا من الطبيعة البشرية، بل هي سلوك تبنّاه البشر في مراحل متأخّرة من تطوّرهم. وافترضَ العلماء أنه منذ حوالي 12 ألف سنة، كان جميع البشر يعيشون في هذا النوع من المجتمعات الذي شكّل حوالي 90 بالمائة من مسارنا التطوّري. ومع انتقال الصيّادين وجامعي الثمار إلى الزراعة، أصبحت المجموعات أكثر إقليمية وصارت بُنيتها الاجتماعية أكثر تع...

نصوص مترجمة

صورة
كان منشغلا بالفلسفة. وكان دائما يحمل ورقة مخطوطة في يده وسيغارة مشتعلة بين أصابعه. وعندما ينتهي من سيغارة، كان يشعل الأخرى لا شعوريا. ليس للتدخين، بل للتفكير. دخان متواصل. وفي مرحلة ما، أصبحت السيغارة إيقاع أفكاره وسُمّا ينهش رئتيه. كان سبب وفاته سرطان الرئة. لكن الجميع كان يعلم أنه مات من كثرة التفكير. هل ثمّة فلسفة هنا؟ تزامُن التأمّل والتدمير "أو الطبيعة المزدوجة للوجود". الفلسفة هي عمل تعميق أفكار الإنسان، ولكنها بالنسبة لهذا الرجل كانت أيضا عملا من أعمال إنكار الذات. التبغ يشجّع على التأمّل، ولكنه أيضا يستحثّ الموت. حالة وجودية متناقضة حيث تتعايش "المعرفة والموت" و"الاستكشاف والنهاية". التفكير هو التفاني حتى الموت. "كلّ فكرة جعلتني أقرب إلى الموت". الفلسفة قد لا تكون هي الحرّية، بل الإدمان على "الأسئلة التي لا يمكن وقفها". السغائر عقد مع الموت. في كلّ مرّة أشعلَ فيها الرجل النار، كان يوقّع على موته. كان يعلم هذا، لكنه لم يُقلع، لأن السغائر بالنسبة له كانت "الميزان الذي يقيس به ثقل الحياة". الفلسفة ليست مطار...

خواطر في الأدب والفن

صورة
النثر الأرجواني purple prose مصطلح يُطلق على أيّ كتابة نثرية مزخرفة بشكل مفرط، لدرجة أنها تعطّل تسلسل السرد وتقلّل من تقدير القارئ، بسبب أسلوب الكتابة المبالغ فيه. والنثر الأرجواني يتّسم بالاستخدام الزائد للصفات والظروف والاستعارات. وعندما يقتصر هذا النثر على فقرات معيّنة، فإنه يمكن تسميتها بالبقع أو الفقرات الأرجوانية، حيث تكون مختلفة عن بقية العمل. كان الشاعر الروماني هوراس أوّل من صاغ عبارة "النثر الأرجواني" في كتابه "فنّ الشعر". فقد كتب ينصح كاتبا شابّا: افتتاحيتك واعدة جدّا. ومع ذلك، تظهر فيها بقع أرجوانيةٌ برّاقة، كما هو الحال عند وصفك بستانا مقدّسا أو مذبح ديانا أو جدولا متعرّجا عبر الحقول أو نهر الراين أو قوس قزح. لكن هذا لم يكن المكان المناسب لهذه الاوصاف. إذا كان بإمكانك تصوير شجرة سرو بشكل واقعي، فهل ستكتب هذا عند تكليفك برسم بحّار وسط حطام سفينة"؟! كانت الصبغة الأرجوانية آنذاك باهظة الثمن، وكان ارتداء أيّ ملابس بلون أرجواني يُعدّ دليلا على الثراء. وكان كثير ممّن يريدون الظهور بمظهر ثريّ يضعون قماشا أرجوانيا بين ملابسهم الرخيصة كي يبدوا...

نصوص مترجمة

صورة
لست من الذين يقلقون بشأن كلّ شيء. مثل هؤلاء تجدهم حولك وفي كلّ مكان. يتجوّلون في البلاد طوال اليوم، في كلّ دقيقة من اليوم. قلقون بشأن كلّ شيء. قلقون بشأن الهواء، بشأن الماء، بشأن التربة، قلقون بشأن المبيدات الحشرية والمُضافات الغذائية والموادّ المسرطِنة. أكثر من 90 بالمائة من جميع الأنواع التي عاشت على هذا الكوكب انقرضت. لم نقضِ عليها نحن، بل اختفت فحسب. هذا ما تفعله الطبيعة. ويوميّا يختفي 25 نوعا. أعني أنه بغضّ النظر عن سلوكنا وكيفية تصرّفنا على هذا الكوكب، فإن 25 نوعا موجودة اليوم ستختفي غدا. دعوها ترحل بسلام. دعوا الطبيعة وشأنها. "أنقذوا الأشجار، أنقذوا النحل، أنقذوا الحيتان، أنقذوا المسامير"! ماذا؟ هل يخدعنا هؤلاء الملاعين؟ إنقاذ الكوكب؟! لا نعرف حتى كيف نعتني بأنفسنا. لم نتعلّم كيف نهتم ببعضنا البعض، فهل سننقذ الكوكب اللعين؟! لقد سئمت من هذا الهراء، سئمت من يوم الأرض اللعين، سئمت من هؤلاء المدافعين عن البيئة المتغطرسين، هؤلاء الليبراليين البرجوازيين البيض! لا يوجد أيّ عيب في الكوكب. الكوكب بخير. بالمقارنة مع البشر، الكوكب بخير. لقد كان هنا منذ أربعة مليارا...

خواطر في الأدب والفن

صورة
في كتابه بعنوان "نيتشه: حياة حرجة"، يتناول رونالد هايمان حلما رآه الفيلسوف الألماني في منامه في وقت مبكّر من حياته. وينقل عن نيتشه قوله: سمعت موسيقى الكنيسة تعزف في جنازة. وعندما نظرت لأتحقّق مما يحدث، رأيت قبرا ينفتح فجأة ويخرج منه والدي المتوفّى ملفوفاً في كفن. ثم سارع أبي إلى الكنيسة وعاد ومعه طفل صغير يُمسك به من ذراعه. رأى نيتشه ذلك الحلم في الخامسة من عمره، في نهاية يناير عام 1850، بعد ستّة أشهر من وفاة والده، القسّ اللوثري، من مرض لِين الدماغ المزمن والمؤلم. ويستمرّ نيتشه في وصف ما حدث: في الصباح أخبرت امّي عن الحلم. وبعد فترة وجيزة، مرض شقيقي الصغير جوزيف فجأة وعانى من تشنّجات قوية ومات خلال بضع ساعات." هذا الحلم، وغيره من أحلام نيتشه التي يرويها هايمان في كتابه، سبقت ظهور فلسفة نيتشه بسنوات. وهو يعبّر عن تقدير عميق للقوّة المرعبة للا وعي والشعور المأساوي بالمصير والموت والانفتاح على رؤى من مصادر المعرفة "غير العقلانية". ويتحدّث هايمان عن كيف شكّلت تجارب نيتشه المبكّرة مع الأحلام الوقود الذي فجّر إبداعه الفلسفي فيما بعد. في عام 1870، و...

خواطر في الأدب والفن

صورة
وصل ناسكان مسافران إلى نهر حيث التقيا بامرأة. وخوفا من أن يجرفها التيّار، سألتهما إن كان بإمكانهما حملها كي تعبر النهر. فتردّد أحدهما، لكن الآخر وافق وحملها على كتفيه وعبر بها النهر ثم أنزلها على الضفّة الأخرى. وشكرته المرأة على صنيعه وانصرفت. وبينما واصل الناسكان طريقهما لساعات، كان أحدهما غارقا في التفكير والهم. ولم يستطع كتم صمته فقال لرفيقه: يا أخي، تُعلّمنا تربيتنا الروحية أن نتجنّب أيّ احتكاك بالنساء، لكنك حملت تلك المرأة على كتفك!" فأجابه الناسك الثاني: لقد حملتها لساعة ثم وضعتها على الجانب الآخر من النهر. لماذا ما تزال أنت تحملها بعد كلّ هذه الساعات"؟! هذه القصّة على بساطتها تحمل رسالة جميلة عن عيش اللحظة. كم مرّة حملنا آلام الماضي، ومعها الشعور بالاستياء، بينما الشخص الوحيد الذي نؤذيه حقًا هو أنفسنا. جميعنا نمرّ بأوقات في حياتنا، حيث يقول لنا الآخرون كلاما غير لائق أو يتصرّفون معنا بطريقة مؤذية. والتوقّف عند هذا كثيرا يُثقل كاهلنا ويستنزف طاقاتنا. والأفضل أن نتخلّى عمّا لم يعد يفيدنا ونركّز على اللحظة الراهنة، لأن "الآن" هو كلّ ما نملكه. لقد خا...