زيارة إلى الناشيونال غاليري


ذات صباح، دخلنا مع جموع الزائرين إلى مبنى الناشيونال غاليري. كان جوّ لندن ما يزال مشبعا برائحة المطر والسماء متّشحة بغلالة كثيفة من الغيوم الرمادية الداكنة.
وكنا قبل ذلك قد مررنا بأحد المقاهي المنتشرة حول المكان لنسأل عن موقع "تيت غاليري" وكم يبعد عن ذلك المكان. فقال لنا شخص انغليزي: يلزمكم نصف ساعة كي تبلغوه. لكني أنصحكم بزيارة الناشيونال غاليري، فهو أوّلا أشهر، وثانيا لأنه قريب جدّا من هنا، وثالثا لأنه يضمّ اكبر مجموعة من الأعمال الفنّية في العالم، ورابعا وأخيرا لأنني شخصيا أعمل هناك".
دخلنا المبنى الرخامي ذا التصميم الفخم والأنيق. كنّا مجموعة كبيرة من السيّاح. رجال ونساء من بلدان وجنسيات شتّى. هنا لا تحتاج لأن تدفع شيئا مقابل مشاهدة الأعمال الفنيّة. فالدخول مجّاني. لكن بإمكانك التبرّع بما تجود به نفسك ممّا يذهب لدعم أنشطة المؤسّسة الراعية للغاليري.
والواقع أن الناشيونال غاليري عبارة عن متاهة كبيرة. ممرّات فسيحة وصالات واسعة كلّ واحدة تفتح على الأخرى. والأعمال الفنّية التي تمتلئ بها الصالات لا تقدَّر بثمن. بعضها يعود إلى ستّة قرون. والبعض الآخر ينتمي إلى مدارس الفنّ الحديثة والمعاصرة.
وكلّ شيء في الغاليري مرتّب له جيّدا. فدرجة الضوء والعتمة محسوبة بعناية لغرض المحافظة على الأعمال الفنيّة وحمايتها من عوامل البِلى والتلف. وهنا وهناك تنتشر مجموعات نقاش، كلّ واحدة تتناول لوحة أو عملا ما. وقد لمحت تلاميذ صغارا بصحبة معلّماتهن وهم يطرحون الأسئلة والتعليقات عن هذه اللوحة أو تلك.
وفي الحقيقة، كان من النادر أن ترى زائرا لا يحمل في يده قلما وكرّاسا يدوّن فيه بعض الملاحظات من واقع ما يشاهده أو يقرأه أو يسمعه عن كلّ عمل. واللوحات المعروضة تتفاوت من حيث حجمها. أكبر لوحة رأيتها هي إعدام الليدي جين غراي لـ بول دولاروش.
وقد لفت انتباهي كثرة الزوّار الذين تجمّعوا لمشاهدة تلك اللوحة والتمعّن في تفاصيلها رغم عنف ومأساوية مضمونها. وربّما لا يداني هذه اللوحة من حيث الضخامة سوى لوحة مستحمّون في انيير لـ جورج سورا.

❉ ❉ ❉

❉ ❉ ❉

الشخص الذي يرى اللوحات الأصلية سرعان ما يلحظ الفرق الكبير بينها وبين النسخ الموجودة على الانترنت من حيث التفاصيل والألوان والخطوط إلى ما غير ذلك. وليس من قبيل المبالغة إن قلت انه يندر أن تكون قد سمعت باسم رسّام ما، سواءً في الماضي أو في الحاضر، دون أن ترى له لوحة واحدة على الأقل في هذا الغاليري.
والقائمة طويلة، من رافائيل إلى دافنشي وبيسارو وديغا ورينوار إلى بوتيتشيللي وفراغونار ولوتريك وكليمت وفيلاسكيز وغوغان إلى بيكاسو وسيزان وكورو وبيرنيني ودوميير وهمرشوي.. وغيرهم.
أهمّية الناشيونال غاليري تكمن، كما سبقت أن ذكرت، في ضخامته وكثرة الأعمال الفنيّة التي يضمّها. وفيه فقط يمكنك أن ترى لوحات مشهورة جدّا مثل دير في غابة السنديان لـ كاسبار دافيد فريدريش، والأحزان لـ جيوتو، وأزهار عبّاد الشمس و أشجار السرو لـ فان غوخ "الأخيرة عادت إلى الغاليري مؤخّرا بعد إعارتها لمتحف الفنّ الحديث بنيويورك".
كما يمكنك أن ترى هنا لوحة الجواد ويسل جاكيت لـ جورج ستبس، والبارجة تيميرير لـ وليام تيرنر، وبورتريه شخصي لـ فيجيه لابران، وعشاء في ايموس لـ كارافاجيو، وبورتريه ايزابيل دي بورسيل لـ غويا، وعذراء الصخور لـ دافنشي، وارنولفيني وزوجته لـ فان ايك، وبورتريه شخصي لـ رمبراندت، إلى غير ذلك من اللوحات المعروفة والمألوفة.
وأثناء تجوالنا في صالات الغاليري توقفنا كثيرا عند لوحات الرسّام البريطاني جون كونستابل الذي تثير لوحاته إحساسا بفخامة الطبيعة وسحرها. ومن حسن الحظ أن الغاليري يضمّ أكثر من لوحة لهذا الفنّان، منها لوحته الأشهر عربة القشّ ولوحته الأخرى التي لا تقلّ شهرة كاثدرائية ساليزبوري.
واللوحة الأخيرة تأخذ الأنفاس بجمال تفاصيلها وبألوانها الرائعة وتأثيرات الضوء والظلّ فيها، ما يوحي بمهارة كونستابل الاستثنائية وبشغفه الكبير بجمال الطبيعة وبهائها.
والنسخ الكثيرة الموجودة على الانترنت لهذه اللوحة الأخيرة لا تشبه أبدا اللوحة الأصلية ولا تنقل سوى جزء يسير من رونقها وجمالها. وهي مرسومة، مثل بقيّة لوحات كونستابل، بأسلوب شديد الواقعية، لكنها ممزوجة بفنتازيا من نوع خاصّ بحيث تشعر وأنت تراها أنها صورة من عالم آخر.
وكان ختام الجولة في الغاليري رؤية لوحة فيلاسكيز "فينوس في المرآة". وقد لاحظت أن معظم من توقفوا عند اللوحة كانوا من الإسبان واللاتينيين. وأثناء وقوفنا في تلك الصالة، تناهت إلى أسماعنا أنغام من موسيقى استورياس "أو لييندا" للموسيقي الاسباني إسحاق آلبينيث؛ ما أضفى على المكان لمسة شاعرية إضافية.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

مخطوطات قرآنية نادرة

اللوحات العشر الأكثر ترويعاً وعُنفاً

أساطير قديمة: العنقاء