أسرار الماء
"في إحدى الليالي، وكان ضوء القمر الشاحب يبدو قريبا من الأرض، أخذت القارب واتجهت إلى وسط البحيرة الصامتة. جذبت المجداف ثم انحرفت قليلا وتوقفت لكي استحمّ للحظات في الضوء الذهبي.
فوق مياه البحيرة، كان القارب يرتفع وينخفض بهدوء كما لو انه يتكئ على صدر كائن حيّ يتنفّس. وتوقفت قليلا. لم أستطع مقاومة ذلك الجمال الغريب الغامض. ودون أن أشعر، ترقرقت عيناي بدموع الغبطة.
وتردّدتْ أصوات بعض طيور الليل عبر مياه البحيرة لتصل إلى قلبي المفتوح. ثم جلست ألفّ ردائي حولي. ومضت الساعات دون أن ألاحظ أن الشمس كانت قد أشرقت. فعدت إلى البيت مملوءا بمشاعر التجدّد والارتباط بالطبيعة.
هكذا يتحدّث إلينا الماء. ليس بالكلمات وإنما مباشرة إلى الروح. إننا عندما نستمع إلى إيقاع أمواج المحيط أو خرير الأنهار الجبلية أو إلى الماء المنهمر من علوّ، فإننا إنما نستمع إلى صوت الحضور المقدّس للخالق. وفي حضرته لا نحتاج إلا إلى أن نكون في ذروة اكتمال حواسّنا.
ما الماء؟ إنه كيان حيّ وواع يفكّر ويشعر. هل يمكن أن يكون الماء هو الذي صاغ الكوكب الذي نسكنه؟ هل يمكن أن يكون الماء هو الطاو الأعظم؟ الروح التي تحرّك كلّ شيء وتظهر تجليّاتها في كلّ الأشياء من حولنا؟ هل هذا ممكن؟
إن تاريخ الإنسانية كلّه مسجّل في أنهار وبحيرات ومحيطات العالم وفي كلّ شيء يترك الماء فيه أثرا".
هذا الكتاب يُعتبر بحقّ من أجمل الكتب ومن أكثرها شمولا وعمقا وإثارة للتأمّل. عندما تقرؤه تتشكّل لديك صورة مختلفة كليّا عن الماء؛ هذا العنصر الطبيعي الهام والواهب للحياة والثمين جدّا بما لا يُقاس.
وإحدى ميزات الكتاب انه مكتوب بلغة مبسّطة وسهلة وبعيدة عن الرطانة الأكاديمية. وهو مليء بأحاديث ممتعة عن المطر والثلج والأنهار والندى والبحيرات والينابيع والشلالات، مع إشارات إلى الآلهة والأساطير والقصص الشعبية.
على امتداد ربع قرن، كان هاجس المؤلّف جون آرتشر، وما يزال، الماء. وقد قاده افتتانه بالماء إلى المعابد القديمة حيث يُعبد الماء كآلهة حيّة. وذهب إلى الينابيع البركانية الساخنة والشلالات المتجمّدة والغدران المختبئة في أعماق الغابات. وشرب من المياه التي شربت منها الديناصورات في المستنقعات الجوراسية. كما ذهب إلى جبال اليابان ليجرّب المياه الشافية وليستحمّ في أحواض اللوتس الأسطورية.
درس آرتشر طقوس الماء وأساطيره واستمع إلى إيقاع الأمواج على الشواطئ والى أصوات البحيرات والجداول الصغيرة والأنهار المقدّسة.
ومن الواضح انه كتب هذا الكتاب بعد أن غمر نفسه في الموضوع بحبّ عظيم، فضمّنه كلّ اكتشافاته وتأمّلاته المثيرة، مستعرضا الخصائص الجميلة والغامضة للماء.
في ثنايا الكتاب، يستخدم المؤلّف لغة أشبه ما تكون بالشعر. يقول مثلا: الغدران مرايا الطبيعة. الغيوم مكان إقامة الخالق. النهر آلهة في شكلها السائل".. إلى آخره.
والكتاب مليء بالحقائق والأساطير والقصص والحكايات المسلّية. كما يفرد الكاتب فصلا للحديث عن أهميّة الماء عند الطاوية والبوذية والهندوسية والإسلام والمسيحية.
يقول: هذا الكتاب يمنحك الفرصة لأن تغمر نفسك في أسرار الماء وأن تكتشف أعماقه المخبوءة وتوسّع تجربتك لكي تنظر إلى الغيوم بعينين جديدتين وتسمع أصوات الشلالات وأمواج المحيطات بوعي جديد. وعندما تمطر السماء في المرّة القادمة، يمكنك أن تخرج للمشي وأن تشعر بلمسة أجنحة الملائكة.
إن هذا الكتاب لا يُقرأ بسرعة. استرخِ وخذ وقتك. ضع الكتاب جانبا عندما تنتهي من قراءة كلّ فصل فيه. ثم فكّر جيّدا فيما قرأته.
الفقرات التالية عبارة عن مقتطفات مترجمة من كتاب جون آرتشر "حكمة الماء"..
فوق مياه البحيرة، كان القارب يرتفع وينخفض بهدوء كما لو انه يتكئ على صدر كائن حيّ يتنفّس. وتوقفت قليلا. لم أستطع مقاومة ذلك الجمال الغريب الغامض. ودون أن أشعر، ترقرقت عيناي بدموع الغبطة.
وتردّدتْ أصوات بعض طيور الليل عبر مياه البحيرة لتصل إلى قلبي المفتوح. ثم جلست ألفّ ردائي حولي. ومضت الساعات دون أن ألاحظ أن الشمس كانت قد أشرقت. فعدت إلى البيت مملوءا بمشاعر التجدّد والارتباط بالطبيعة.
هكذا يتحدّث إلينا الماء. ليس بالكلمات وإنما مباشرة إلى الروح. إننا عندما نستمع إلى إيقاع أمواج المحيط أو خرير الأنهار الجبلية أو إلى الماء المنهمر من علوّ، فإننا إنما نستمع إلى صوت الحضور المقدّس للخالق. وفي حضرته لا نحتاج إلا إلى أن نكون في ذروة اكتمال حواسّنا.
ما الماء؟ إنه كيان حيّ وواع يفكّر ويشعر. هل يمكن أن يكون الماء هو الذي صاغ الكوكب الذي نسكنه؟ هل يمكن أن يكون الماء هو الطاو الأعظم؟ الروح التي تحرّك كلّ شيء وتظهر تجليّاتها في كلّ الأشياء من حولنا؟ هل هذا ممكن؟
إن تاريخ الإنسانية كلّه مسجّل في أنهار وبحيرات ومحيطات العالم وفي كلّ شيء يترك الماء فيه أثرا".
هذا الكتاب يُعتبر بحقّ من أجمل الكتب ومن أكثرها شمولا وعمقا وإثارة للتأمّل. عندما تقرؤه تتشكّل لديك صورة مختلفة كليّا عن الماء؛ هذا العنصر الطبيعي الهام والواهب للحياة والثمين جدّا بما لا يُقاس.
وإحدى ميزات الكتاب انه مكتوب بلغة مبسّطة وسهلة وبعيدة عن الرطانة الأكاديمية. وهو مليء بأحاديث ممتعة عن المطر والثلج والأنهار والندى والبحيرات والينابيع والشلالات، مع إشارات إلى الآلهة والأساطير والقصص الشعبية.
على امتداد ربع قرن، كان هاجس المؤلّف جون آرتشر، وما يزال، الماء. وقد قاده افتتانه بالماء إلى المعابد القديمة حيث يُعبد الماء كآلهة حيّة. وذهب إلى الينابيع البركانية الساخنة والشلالات المتجمّدة والغدران المختبئة في أعماق الغابات. وشرب من المياه التي شربت منها الديناصورات في المستنقعات الجوراسية. كما ذهب إلى جبال اليابان ليجرّب المياه الشافية وليستحمّ في أحواض اللوتس الأسطورية.
درس آرتشر طقوس الماء وأساطيره واستمع إلى إيقاع الأمواج على الشواطئ والى أصوات البحيرات والجداول الصغيرة والأنهار المقدّسة.
ومن الواضح انه كتب هذا الكتاب بعد أن غمر نفسه في الموضوع بحبّ عظيم، فضمّنه كلّ اكتشافاته وتأمّلاته المثيرة، مستعرضا الخصائص الجميلة والغامضة للماء.
في ثنايا الكتاب، يستخدم المؤلّف لغة أشبه ما تكون بالشعر. يقول مثلا: الغدران مرايا الطبيعة. الغيوم مكان إقامة الخالق. النهر آلهة في شكلها السائل".. إلى آخره.
والكتاب مليء بالحقائق والأساطير والقصص والحكايات المسلّية. كما يفرد الكاتب فصلا للحديث عن أهميّة الماء عند الطاوية والبوذية والهندوسية والإسلام والمسيحية.
يقول: هذا الكتاب يمنحك الفرصة لأن تغمر نفسك في أسرار الماء وأن تكتشف أعماقه المخبوءة وتوسّع تجربتك لكي تنظر إلى الغيوم بعينين جديدتين وتسمع أصوات الشلالات وأمواج المحيطات بوعي جديد. وعندما تمطر السماء في المرّة القادمة، يمكنك أن تخرج للمشي وأن تشعر بلمسة أجنحة الملائكة.
إن هذا الكتاب لا يُقرأ بسرعة. استرخِ وخذ وقتك. ضع الكتاب جانبا عندما تنتهي من قراءة كلّ فصل فيه. ثم فكّر جيّدا فيما قرأته.
الفقرات التالية عبارة عن مقتطفات مترجمة من كتاب جون آرتشر "حكمة الماء"..
❉ ❉ ❉
62 بالمائة من جسم الإنسان عبارة عن ماء. وأكثر من 70 بالمائة من مساحة الأرض مغطّى بالمياه. وعلى امتداد رحلة الإنسان في هذا الكون، أسهم المطر والغيوم والبرق والرعد في ظهور منظومة كاملة من الأفكار والتصوّرات التي رافقت الإنسان منذ الأزل.
الصينيون، مثلا، ألفوا "كتاب الغيوم" الذي يتحدّث عن تشكيلات وأنماط الغيوم والرسائل المرتبطة بها وعلاقة ذلك بالله. وبعض الفلاسفة مثل غوته وهيسه وتوماس مان تناولوا في كتاباتهم معنى الماء وتأثيره على الوعي.
ويؤمن بعض الفلاسفة الباطنيين أن كلّ قطرة مطر تحوي سجلا بالذاكرة الجماعية لكلّ شيء في هذا الكون. ويقول ميخائيل ايفانوف في كتابه "أسرار النار والماء": إذا عرفت كيف تصغي إلى قطرة الماء فإنها ستتحدّث إليك". والآن فكّر في استعارات الماء الكثيرة في اللغة: تيّار الوعي، ماء الحياة، نافورة الشباب الدائم.. وما الى ذلك.
في بعض الأوقات، راجت نبوءة تقول بأن قرننا الحالي هو قرن حروب الماء. لكن ما قيل لم يؤخذ وقتها على محمل الجدّ. الآن ومع انتشار ظاهرة الجفاف والقحط الذي يعمّ الكثير من مناطق العالم فإن ما قيل يبدو واقعيا إلى درجة كبيرة.
كان للماء أهميّته الفائقة في المجتمعات الوثنية. لذا كانت تكثر في تلك الحقب الآبار والغدران المقدّسة. الصينيون أيضا كانوا يقرنون وجود الماء في البيوت والطبيعة بالفأل الحسن. وكانوا يعتقدون أن الماء يخلق مزاجا تأمّليا يوسّع من وعي الإنسان.
وأنا ممّن يؤمنون بأن الله يكتب في الغيوم كلّ يوم قصّة. كنت وأنا صغير أقضي ساعات فوق سطح منزلنا مراقبا الغيوم ومتابعا مسيرها ورابطا تحرّكاتها بما يقوله عقلي الواعي.
بالنسبة للأنبياء، كان الله يضمّن الغيوم رسائل وإشارات معيّنة، من قبيل ما حدث لـ موسى. وقوس قزح في بعض النصوص الدينية هو علامة على الميثاق بين الله والنبيّ نوح. إنه الجسر الواصل ما بين السماء والأرض، كما تشير إلى ذلك بعض الثقافات التي تصوّر قوس قزح على هيئة إلهة أفعى.
الحضارة البوذية تتحدّث كثيرا عن مفهوم إكسير الحياة. لكننا ننسى أحيانا أن الماء بحدّ ذاته عنصر خالد وسرّ كبير من أسرار الوجود. لذا من المهمّ أن نعي مدى قدرتنا على الارتباط به وفهمه.
في الأزمنة القديمة عرف الفراعنة والازتيك والمايا والإنكا التعميد بالماء، والذي كان الغرض منه تطهير الجسد من الذنوب. أي أن القدماء عرفوا التعميد بالماء قبل أن تعرفه المسيحية بقرون. كانوا يقولون إن الله هو روح الماء. وعندما يدخل الماء إلى طاقة الطفل فإنه يصبح حارسه.
كانت الينابيع الصافية، وما تزال، علامة مهمّة لكلّ ما هو مقدّس. وغالبا ما كانت ترتبط بالمعجزات التي تحدث حولها وبسببها. في اليابان، مثلا، هناك قرى موجودة منذ مئات السنين وتجري طقوسها حول الينابيع الحارّة والباردة في الغابات التي يتعبّد لها الناس منذ قرون.
والماء يتضمّن بداخله خلاصة الحكمة في هذا العالم إذا عرفت كيف تصلها. وعندما أرى الانعكاسات السائلة للشمس والقمر والنجوم على مرآة الماء المتحرّكة والخالدة، فإن وعيي يتوحّد لا إراديا بالمقدّس واللانهائي.
ارتبط الماء دائما بأساطير الخلق الواردة في الأديان. يقول القرآن الكريم متحدّثا عن أهميّة الماء: وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ". وكثيرا ما ترتبط قداسة الماء بأحداث إعجازية. نهر الأردن، مثلا، أصبح مقدّسا لأن المسيح عُمّد فيه على يدي يوحنّا المعمدان. وهناك أيضا ينابيع أصبحت مقدّسة لأن العذراء ظهرت فيها بحسب ما يؤمن به بعض الأشخاص.
الحقب الوثنية أيضا عرفت الآبار والينابيع المقدّسة. لكن الماء مقدّس بحدّ ذاته ودون حاجة لربطه بأحداث أو طقوس أو أماكن معيّنة. في الثقافات القديمة يظهر الماء كانعكاس لصورة الروح. البوذية، مثلا، تتحدّث عن نهر اللوتس الذي ينبع من مياه الروح التي تسعى لتحرير نفسها من كلّ الأفكار السلبية والضارّة.
وفي الإسلام هناك بئر زمزم التي يكثر الحديث عن خواصّها العلاجية الكثيرة. وفي الهندوسية يقال إن الاستحمام في نهر الغانجيز من شأنه أن يطهّر الجسد من الخطيئة. ولأن هذا النهر ينبع من الهمالايا "جبال الآلهة" قبل أن ينحدر إلى سهول ووديان الهند، فإن الناس يعتقدون أنه آتٍ من السماء.
ومنذ القدم كان يُنظر إلى الينابيع والأنهار كأماكن تسكنها كائنات ما فوق الطبيعة. وهناك الكثير من القصص والأساطير التي تتمحور حول هذا الفهم.
الفيلسوف الروماني سينيكا كان يدعو إلى بناء أماكن لتقديم القرابين حول الينابيع والأنهار. وفي بعض الأمكنة، كانت الينابيع والآبار تتّخذ شكل النوافير المقدّسة. وهناك دائما من كان يعتقد أن تلك النوافير مصدر للشباب والخلود والمعرفة الأبدية.
وعندما جاء الغزاة الأسبان إلى أمريكا جهدوا في البحث عن نافورة الشباب الأبدي التي كانوا يعتقدون أنها موجودة في مكان ما من القارّة الأمريكية. وفي الصين توجد نافورة قديمة جدّا يقال إن من يشرب من مائها يوهب ألف حياة. وعشتار آلهة البابليين ارتبطت بالينابيع المقدّسة وكانت معابدها تُبنى حول الينابيع وقريبا من الأنهار.
وعلى شواطئ بحيرة جنيف اكتُشفت منذ أقدم الأزمنة ينابيع ايفيان الطبيعية التي ما تزال مياهها رائجة إلى اليوم. وفي استراليا يوجد جبل اولورو الذي يقال إنه تشكّل بفعل قوى غيبية منذ الأزل. وهو اليوم قبلة للكثير من السيّاح الذين يقصدونه لمشاهدة كهوفه ورسوماته والنهل من مياهه المقدّسة.
الماء كنز معبّأ بالأسرار. وهو بالنسبة إليّ المصدر الأوّل لغذائي الروحي. انه معلّمي ومصدر إلهامي وعشيقي وصديقي. وعندما كنت في العاشرة من عمري تعرّضت المنطقة التي كانت تقطنها عائلتي إلى أسوأ سنوات القحط والجفاف. كانت المواشي مصدر رزق العائلة الوحيد، وقد تأثّرت كثيرا نتيجة احتباس المطر وندرة الماء. واستمرّ القحط ثلاث سنوات كاملة.
وفي احد أيّام الصيف القائظة، أمطرت السماء بغزارة. وبلغ من شدّة المطر انه تعذّر عليّ أن أرى السياج الذي كان يحيط بمنزلنا. تجمّعنا عند الواجهة وتابعنا هطول المطر بفرح وابتهاج. وفجأة وبينما كان المطر يخفّ تدريجيا، ارتفعت ستارة الماء لتكشف عن منظر ظلّ محفورا في ذاكرتي إلى الأبد.
كانت مجموعة من مائتي رأس من الماشية تؤدّي رقصة تحت المطر. كانت ترفع حوافرها وتخفضها بإيقاع بطيء ترافقه حركات وإيماءات بالرأس والجسد. ثم عَدَت الجياد إلى وسط الماشية لتشاركها الرقص على طريقتها. كان منظرا مهيبا لدرجة أنني كنت على وشك أن أخلع ملابسي وانزل إلى الحلبة لأرقص معها.
كان الرقص استجابة عفوية على نزول المطر. الماء بداخلنا أيضا يطرب لرؤية الماء العلوي وهو يتوحّد مع ماء الأرض. الابتهاج البدائي المتمثّل في الرقص عاريا في المطر بعد جفاف طويل هو تجربة يمرّ بها الإنسان والحيوان مرّة واحدة في العمر على الأقل. وبعض الناس يروق له أن يغنّي عاريا في المطر على غرار ما كان يفعل أسلافنا الأوّلون.
هذه المادّة الساحرة التي نسمّيها المطر، من أين تأتي؟
المؤمنون يقولون إنها من صنع الخالق العظيم الذي نسمّيه الله أو الربّ أو الإله. وبعض العلماء يقولون انه لا أحد يصنع المطر، وإنما هو جزء مما يسمّونه دورة الماء.
إن من جنايات العلم انه جرّدنا من نعمة تخيّل الطبيعة. العلم لا يصف استجاباتنا الانفعالية على مظاهر الطبيعة. ولهذا السبب ضعفت رابطتنا الروحية معها. إن تفسيرات العلماء تثري الفهم، لكنها في نفس الوقت تقتل الخيال.
في نهاية القرن التاسع عشر، ضربت جزيرة صقلية موجة جفاف شديد. فثار الفلاحون وحطّموا تماثيل القدّيسين ومزّقوا ملابسهم المزركشة وقلبوا التماثيل على وجوهها وجرجروها إلى المزارع والحدائق لترى بنفسها كم أن حالة الناس أصبحت خطرة ولا تطاق بسبب الجفاف. وعندما هطل المطر، أعاد المزارعون التماثيل إلى أماكنها الأولى بكلّ إجلال وتكريم.
الصينيون، مثلا، ألفوا "كتاب الغيوم" الذي يتحدّث عن تشكيلات وأنماط الغيوم والرسائل المرتبطة بها وعلاقة ذلك بالله. وبعض الفلاسفة مثل غوته وهيسه وتوماس مان تناولوا في كتاباتهم معنى الماء وتأثيره على الوعي.
ويؤمن بعض الفلاسفة الباطنيين أن كلّ قطرة مطر تحوي سجلا بالذاكرة الجماعية لكلّ شيء في هذا الكون. ويقول ميخائيل ايفانوف في كتابه "أسرار النار والماء": إذا عرفت كيف تصغي إلى قطرة الماء فإنها ستتحدّث إليك". والآن فكّر في استعارات الماء الكثيرة في اللغة: تيّار الوعي، ماء الحياة، نافورة الشباب الدائم.. وما الى ذلك.
في بعض الأوقات، راجت نبوءة تقول بأن قرننا الحالي هو قرن حروب الماء. لكن ما قيل لم يؤخذ وقتها على محمل الجدّ. الآن ومع انتشار ظاهرة الجفاف والقحط الذي يعمّ الكثير من مناطق العالم فإن ما قيل يبدو واقعيا إلى درجة كبيرة.
كان للماء أهميّته الفائقة في المجتمعات الوثنية. لذا كانت تكثر في تلك الحقب الآبار والغدران المقدّسة. الصينيون أيضا كانوا يقرنون وجود الماء في البيوت والطبيعة بالفأل الحسن. وكانوا يعتقدون أن الماء يخلق مزاجا تأمّليا يوسّع من وعي الإنسان.
وأنا ممّن يؤمنون بأن الله يكتب في الغيوم كلّ يوم قصّة. كنت وأنا صغير أقضي ساعات فوق سطح منزلنا مراقبا الغيوم ومتابعا مسيرها ورابطا تحرّكاتها بما يقوله عقلي الواعي.
بالنسبة للأنبياء، كان الله يضمّن الغيوم رسائل وإشارات معيّنة، من قبيل ما حدث لـ موسى. وقوس قزح في بعض النصوص الدينية هو علامة على الميثاق بين الله والنبيّ نوح. إنه الجسر الواصل ما بين السماء والأرض، كما تشير إلى ذلك بعض الثقافات التي تصوّر قوس قزح على هيئة إلهة أفعى.
الحضارة البوذية تتحدّث كثيرا عن مفهوم إكسير الحياة. لكننا ننسى أحيانا أن الماء بحدّ ذاته عنصر خالد وسرّ كبير من أسرار الوجود. لذا من المهمّ أن نعي مدى قدرتنا على الارتباط به وفهمه.
في الأزمنة القديمة عرف الفراعنة والازتيك والمايا والإنكا التعميد بالماء، والذي كان الغرض منه تطهير الجسد من الذنوب. أي أن القدماء عرفوا التعميد بالماء قبل أن تعرفه المسيحية بقرون. كانوا يقولون إن الله هو روح الماء. وعندما يدخل الماء إلى طاقة الطفل فإنه يصبح حارسه.
كانت الينابيع الصافية، وما تزال، علامة مهمّة لكلّ ما هو مقدّس. وغالبا ما كانت ترتبط بالمعجزات التي تحدث حولها وبسببها. في اليابان، مثلا، هناك قرى موجودة منذ مئات السنين وتجري طقوسها حول الينابيع الحارّة والباردة في الغابات التي يتعبّد لها الناس منذ قرون.
والماء يتضمّن بداخله خلاصة الحكمة في هذا العالم إذا عرفت كيف تصلها. وعندما أرى الانعكاسات السائلة للشمس والقمر والنجوم على مرآة الماء المتحرّكة والخالدة، فإن وعيي يتوحّد لا إراديا بالمقدّس واللانهائي.
ارتبط الماء دائما بأساطير الخلق الواردة في الأديان. يقول القرآن الكريم متحدّثا عن أهميّة الماء: وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ". وكثيرا ما ترتبط قداسة الماء بأحداث إعجازية. نهر الأردن، مثلا، أصبح مقدّسا لأن المسيح عُمّد فيه على يدي يوحنّا المعمدان. وهناك أيضا ينابيع أصبحت مقدّسة لأن العذراء ظهرت فيها بحسب ما يؤمن به بعض الأشخاص.
الحقب الوثنية أيضا عرفت الآبار والينابيع المقدّسة. لكن الماء مقدّس بحدّ ذاته ودون حاجة لربطه بأحداث أو طقوس أو أماكن معيّنة. في الثقافات القديمة يظهر الماء كانعكاس لصورة الروح. البوذية، مثلا، تتحدّث عن نهر اللوتس الذي ينبع من مياه الروح التي تسعى لتحرير نفسها من كلّ الأفكار السلبية والضارّة.
وفي الإسلام هناك بئر زمزم التي يكثر الحديث عن خواصّها العلاجية الكثيرة. وفي الهندوسية يقال إن الاستحمام في نهر الغانجيز من شأنه أن يطهّر الجسد من الخطيئة. ولأن هذا النهر ينبع من الهمالايا "جبال الآلهة" قبل أن ينحدر إلى سهول ووديان الهند، فإن الناس يعتقدون أنه آتٍ من السماء.
ومنذ القدم كان يُنظر إلى الينابيع والأنهار كأماكن تسكنها كائنات ما فوق الطبيعة. وهناك الكثير من القصص والأساطير التي تتمحور حول هذا الفهم.
الفيلسوف الروماني سينيكا كان يدعو إلى بناء أماكن لتقديم القرابين حول الينابيع والأنهار. وفي بعض الأمكنة، كانت الينابيع والآبار تتّخذ شكل النوافير المقدّسة. وهناك دائما من كان يعتقد أن تلك النوافير مصدر للشباب والخلود والمعرفة الأبدية.
وعندما جاء الغزاة الأسبان إلى أمريكا جهدوا في البحث عن نافورة الشباب الأبدي التي كانوا يعتقدون أنها موجودة في مكان ما من القارّة الأمريكية. وفي الصين توجد نافورة قديمة جدّا يقال إن من يشرب من مائها يوهب ألف حياة. وعشتار آلهة البابليين ارتبطت بالينابيع المقدّسة وكانت معابدها تُبنى حول الينابيع وقريبا من الأنهار.
وعلى شواطئ بحيرة جنيف اكتُشفت منذ أقدم الأزمنة ينابيع ايفيان الطبيعية التي ما تزال مياهها رائجة إلى اليوم. وفي استراليا يوجد جبل اولورو الذي يقال إنه تشكّل بفعل قوى غيبية منذ الأزل. وهو اليوم قبلة للكثير من السيّاح الذين يقصدونه لمشاهدة كهوفه ورسوماته والنهل من مياهه المقدّسة.
الماء كنز معبّأ بالأسرار. وهو بالنسبة إليّ المصدر الأوّل لغذائي الروحي. انه معلّمي ومصدر إلهامي وعشيقي وصديقي. وعندما كنت في العاشرة من عمري تعرّضت المنطقة التي كانت تقطنها عائلتي إلى أسوأ سنوات القحط والجفاف. كانت المواشي مصدر رزق العائلة الوحيد، وقد تأثّرت كثيرا نتيجة احتباس المطر وندرة الماء. واستمرّ القحط ثلاث سنوات كاملة.
وفي احد أيّام الصيف القائظة، أمطرت السماء بغزارة. وبلغ من شدّة المطر انه تعذّر عليّ أن أرى السياج الذي كان يحيط بمنزلنا. تجمّعنا عند الواجهة وتابعنا هطول المطر بفرح وابتهاج. وفجأة وبينما كان المطر يخفّ تدريجيا، ارتفعت ستارة الماء لتكشف عن منظر ظلّ محفورا في ذاكرتي إلى الأبد.
كانت مجموعة من مائتي رأس من الماشية تؤدّي رقصة تحت المطر. كانت ترفع حوافرها وتخفضها بإيقاع بطيء ترافقه حركات وإيماءات بالرأس والجسد. ثم عَدَت الجياد إلى وسط الماشية لتشاركها الرقص على طريقتها. كان منظرا مهيبا لدرجة أنني كنت على وشك أن أخلع ملابسي وانزل إلى الحلبة لأرقص معها.
كان الرقص استجابة عفوية على نزول المطر. الماء بداخلنا أيضا يطرب لرؤية الماء العلوي وهو يتوحّد مع ماء الأرض. الابتهاج البدائي المتمثّل في الرقص عاريا في المطر بعد جفاف طويل هو تجربة يمرّ بها الإنسان والحيوان مرّة واحدة في العمر على الأقل. وبعض الناس يروق له أن يغنّي عاريا في المطر على غرار ما كان يفعل أسلافنا الأوّلون.
هذه المادّة الساحرة التي نسمّيها المطر، من أين تأتي؟
المؤمنون يقولون إنها من صنع الخالق العظيم الذي نسمّيه الله أو الربّ أو الإله. وبعض العلماء يقولون انه لا أحد يصنع المطر، وإنما هو جزء مما يسمّونه دورة الماء.
إن من جنايات العلم انه جرّدنا من نعمة تخيّل الطبيعة. العلم لا يصف استجاباتنا الانفعالية على مظاهر الطبيعة. ولهذا السبب ضعفت رابطتنا الروحية معها. إن تفسيرات العلماء تثري الفهم، لكنها في نفس الوقت تقتل الخيال.
في نهاية القرن التاسع عشر، ضربت جزيرة صقلية موجة جفاف شديد. فثار الفلاحون وحطّموا تماثيل القدّيسين ومزّقوا ملابسهم المزركشة وقلبوا التماثيل على وجوهها وجرجروها إلى المزارع والحدائق لترى بنفسها كم أن حالة الناس أصبحت خطرة ولا تطاق بسبب الجفاف. وعندما هطل المطر، أعاد المزارعون التماثيل إلى أماكنها الأولى بكلّ إجلال وتكريم.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
وهناك قصص متواترة عن أولياء وقدّيسين أوتوا القدرة على إيقاف المطر ثم جعله يهطل مرّة أخرى. طقوس صناعة المطر والتحكّم في الطقس عرفها الصينيون والرومان والمصريون القدماء منذ مئات السنين. وبعض البوذيين تحوّلوا إلى ما يشبه الأساطير بسبب مقدرتهم على استثارة السماء واستمطار الغيوم.
سكّان الأدغال في صحراء كالاهاري يعتقدون بأن المطر ما هو إلا حيوان ضخم يعيش في بركة عميقة ومنعزلة. وعندما يمشي على اليابسة فإن المطر يهطل تلقائيا. والعواصف الرعدية عند بعض القبائل البدائية هي عبارة عن حيوانات تنّين تتصارع في السماء، والمطر هو دمها الذي يسيل نتيجة الاقتتال في ما بينها.
في الأساطير الصينية، تلعب الحيوانات الخرافية دورا مهمّا ومحوريا. سباق القوارب السنوي في هونغ كونغ كانت وظيفته الأصلية، وما تزال، هي تذكير حيوانات التنّين أن الوقت قد حان لكي تتعارك في ما بينها إيذانا بنزول أمطار الربيع.
إن رغبة البشر في الاتصال بربّ المطر قادتهم إلى اختراع الآلهة الكثيرة في الأساطير. وصلاة طلب المطر لا معنى لها ما لم يرافقها إدراك الإنسان بأن الطبيعة واعية تماما، وأن الحيوانات والنباتات والأرض والماء تستجيب هي أيضا للحبّ والعاطفة، وأن لأفكارنا ونوايانا تأثيرا مهمّا على البيئة من حولنا.
في روايته "الغيمة السوداء"، يحاول فريد هويل جسر الهوّة ما بين العلم والخيال. بطل الرواية غيمة سوداء ذكيّة. وعادة فإن الغيوم السوداء الثقيلة تجلب الدمار وترتبط في الأذهان بالشؤم والحظّ السيئ.
في الرواية، تتشكّل الغيمة فوق مجرّة اورايون وتستقرّ على الشمس محاولة امتصاص طاقتها، الأمر الذي يؤدّي إلى رفع درجة حرارة الأرض فجأة. والنتيجة دمار شامل وفقدان للحياة يعقبه شهر طويل من الظلام تحاول خلاله الغيمة الاتصال بالبشر.
لكن لسوء الحظ فإن ذكاء الغيمة يتجاوز عقول العلماء الذين يحاولون الاتصال بها. تحاول الغيمة عبثا أن توصل معرفتها وحكمتها للعلماء. لكن هذا فوق مستوى فهمهم وإدراكهم. وفي نهاية الأمر تتحرّك الغيمة بعيدا وتشرق الشمس من جديد.
بشر ما قبل التاريخ كانوا يعتقدون بأن البرق عبارة عن فأس معدني ضخم يسقط من السماء دون سابق إنذار وتشحذه آلهة غاضبة يهزّ ثورانها الجبال ويتردّد صداه في الأودية والسهول.
الاقتصاديون طالما استخدموا وصف الماء كـ "مصدر" وظيفته الوحيدة توفير الخدمات البيئية للبشر. وهذه النظرة الميكانيكية إلى الطبيعة والماء هي المسئولة عن قدر كبير من الدمار الذي لحق بالبيئة. كلمة "مصدر" محمّلة بنفس دلالات عبارة التطهير العرقي. وعندما نتعامل مع الغابات والماء والطبيعة والحيوانات على أنها "مصادر" فإننا نجرّدها من هويّتها ومن تفرّدها ومن روحانيتها.
الكلمة التي نستخدمها لوصف شيء ما هي التي تحدّد مسبقا موقفنا منه. وإذا أردنا أن نغيّر هذه النظرة علينا أن نوسّع نطاق كلماتنا ومستوى وعينا. شخصيا كنت أنظر إلى الماء كمصدر، لكنّي توقّفت عن ذلك بعد أن تعرّفت عليه عن قرب وبشكل أكثر حميمية.
لملايين السنين كان الماء هو الشيء الوحيد الموجود على الأرض. ونفس هذا الماء ظلّ يُدار في الأرض عبر كلّ حيوان وطائر وشجرة وصخرة. يقول طاغور: إن شريان الحياة الذي يجري في عروقي بالليل والنهار هو نفسه الذي يجري في العالم بإيقاع دقيق ومحسوب".
في دواخلنا أيضا تتفاعل ظاهرة المدّ والجزر بفعل حركة القمر التي تؤثّر على أحاسيسنا وانفعالاتنا وطبيعة استجاباتنا. إن حركات البحر المندفعة في أرواحنا تفتح قلوبنا مثل الصَدَف للقمر. ومن خلال الماء نرتبط، ليس فقط بالقمر، وإنما بالكون كلّه وبكلّ الأشياء الحيّة في الماضي والحاضر.
وإذا كان الماء يحفظ ضمن بُنيته ذاكرته التاريخية، فلا بدّ وأن وعيه يتجاوز كلّ خيال.
سكّان الأدغال في صحراء كالاهاري يعتقدون بأن المطر ما هو إلا حيوان ضخم يعيش في بركة عميقة ومنعزلة. وعندما يمشي على اليابسة فإن المطر يهطل تلقائيا. والعواصف الرعدية عند بعض القبائل البدائية هي عبارة عن حيوانات تنّين تتصارع في السماء، والمطر هو دمها الذي يسيل نتيجة الاقتتال في ما بينها.
في الأساطير الصينية، تلعب الحيوانات الخرافية دورا مهمّا ومحوريا. سباق القوارب السنوي في هونغ كونغ كانت وظيفته الأصلية، وما تزال، هي تذكير حيوانات التنّين أن الوقت قد حان لكي تتعارك في ما بينها إيذانا بنزول أمطار الربيع.
إن رغبة البشر في الاتصال بربّ المطر قادتهم إلى اختراع الآلهة الكثيرة في الأساطير. وصلاة طلب المطر لا معنى لها ما لم يرافقها إدراك الإنسان بأن الطبيعة واعية تماما، وأن الحيوانات والنباتات والأرض والماء تستجيب هي أيضا للحبّ والعاطفة، وأن لأفكارنا ونوايانا تأثيرا مهمّا على البيئة من حولنا.
في روايته "الغيمة السوداء"، يحاول فريد هويل جسر الهوّة ما بين العلم والخيال. بطل الرواية غيمة سوداء ذكيّة. وعادة فإن الغيوم السوداء الثقيلة تجلب الدمار وترتبط في الأذهان بالشؤم والحظّ السيئ.
في الرواية، تتشكّل الغيمة فوق مجرّة اورايون وتستقرّ على الشمس محاولة امتصاص طاقتها، الأمر الذي يؤدّي إلى رفع درجة حرارة الأرض فجأة. والنتيجة دمار شامل وفقدان للحياة يعقبه شهر طويل من الظلام تحاول خلاله الغيمة الاتصال بالبشر.
لكن لسوء الحظ فإن ذكاء الغيمة يتجاوز عقول العلماء الذين يحاولون الاتصال بها. تحاول الغيمة عبثا أن توصل معرفتها وحكمتها للعلماء. لكن هذا فوق مستوى فهمهم وإدراكهم. وفي نهاية الأمر تتحرّك الغيمة بعيدا وتشرق الشمس من جديد.
بشر ما قبل التاريخ كانوا يعتقدون بأن البرق عبارة عن فأس معدني ضخم يسقط من السماء دون سابق إنذار وتشحذه آلهة غاضبة يهزّ ثورانها الجبال ويتردّد صداه في الأودية والسهول.
الاقتصاديون طالما استخدموا وصف الماء كـ "مصدر" وظيفته الوحيدة توفير الخدمات البيئية للبشر. وهذه النظرة الميكانيكية إلى الطبيعة والماء هي المسئولة عن قدر كبير من الدمار الذي لحق بالبيئة. كلمة "مصدر" محمّلة بنفس دلالات عبارة التطهير العرقي. وعندما نتعامل مع الغابات والماء والطبيعة والحيوانات على أنها "مصادر" فإننا نجرّدها من هويّتها ومن تفرّدها ومن روحانيتها.
الكلمة التي نستخدمها لوصف شيء ما هي التي تحدّد مسبقا موقفنا منه. وإذا أردنا أن نغيّر هذه النظرة علينا أن نوسّع نطاق كلماتنا ومستوى وعينا. شخصيا كنت أنظر إلى الماء كمصدر، لكنّي توقّفت عن ذلك بعد أن تعرّفت عليه عن قرب وبشكل أكثر حميمية.
لملايين السنين كان الماء هو الشيء الوحيد الموجود على الأرض. ونفس هذا الماء ظلّ يُدار في الأرض عبر كلّ حيوان وطائر وشجرة وصخرة. يقول طاغور: إن شريان الحياة الذي يجري في عروقي بالليل والنهار هو نفسه الذي يجري في العالم بإيقاع دقيق ومحسوب".
في دواخلنا أيضا تتفاعل ظاهرة المدّ والجزر بفعل حركة القمر التي تؤثّر على أحاسيسنا وانفعالاتنا وطبيعة استجاباتنا. إن حركات البحر المندفعة في أرواحنا تفتح قلوبنا مثل الصَدَف للقمر. ومن خلال الماء نرتبط، ليس فقط بالقمر، وإنما بالكون كلّه وبكلّ الأشياء الحيّة في الماضي والحاضر.
وإذا كان الماء يحفظ ضمن بُنيته ذاكرته التاريخية، فلا بدّ وأن وعيه يتجاوز كلّ خيال.
Credits
archive.org
archive.org

