خواطر في الأدب والفن
وبدأت بالمكتبة. كان الراحل معروفا بشغفه الكبير بالقراءة وحرصه على اقتناء الكتب بانتظام، كما علمت. وبدأتُ في جمع الكتب من فوق الأرفف ورصّها في كراتين. ولحظتها ساورني إحساس بالحزن والضيق. كنت وأنا ألمس الكتب التي تركها وراءه كمن يباشر عملية تفريغ عالم صغير يخصّ شخصا آخر.
كُتب، عناوين، وأسماء كثيرة تبدو بلا نهاية: جويس، اورويل، سارتر، ديورانت، لوركا، ديكارت، تولستوي، محفوظ، شتاينبك، بورخيس، نيرودا، غوته، كولريدج.. الخ.
وبينما أنا مستغرق في النظر إلى تلك الأسماء، تذكّرت كلّ الكتب التي سبق لي وأن قرأتها. وتساءلتُ عن جدوى ونفع كل تلك القراءة. روايات، قصائد شعر، مذكّرات، سيَر شخصية، تاريخ، فلسفة.. وما الى ذلك.
الغريب أنني كلّما فكّرت في تلك الكتب، أصبحت اقلّ تذكّرا لمضامينها. وما أتذكّره ليس سوى مجرّد ِنتَف وأجزاء صغيرة: جملة من قصّة أو رواية هنا، وصف ما لشخصية هناك، بيت شعر، سطر من جمال خاص ما يزال يسكن زاوية قصيّة من الذاكرة.
هذا الذي بقي ليس بالشيء الكثير مقارنةً مع كلّ تلك الملايين من الكلمات والعبارات والصور. مال كثير ووقت أكثر استثمرناه، وما زلنا، في الكتب والقراءة. الآن ذهبت الكلمات وتلاشت المشاهد. لم يبقَ من متعة القراءة سوى انطباعات سريعة وصور عابرة.
وأظنّ أن هذا يشبه، إلى حدّ كبير، الحياة نفسها. دقائق، ساعات، وأيّام لا تعدّ ولا تحصى من الوجود الثمين. التفاصيل تتوارى مع مرور الأيّام ويصبح أكثرها نسيا منسيّا. ولا يبقى في النهاية سوى الإحساس بها. هذا كلّ ما يبقى. مجردّ ظلّ لحياة كان لها وجود ثم تبدّدت، كالأزهار التي تذوي وتجفّ في الصيف ولا يبقى منها سوى بعض الشذى الذي لا يدوم طويلا.
❉ ❉ ❉
"توكاتا اند فيوك إن دي ماينر" لـ يوهان سيباستيان باخ هي ولا شكّ أكثر المقطوعات الموسيقية إثارة للرهبة. كما أنها عمل آخر يجسّد عبقرية وإبداع باخ وعمق موسيقاه. الدراما القويّة والتأثير الانفعالي لهذه القطعة لا يمكن وصفهما. وهناك شبه اتفاق على أنها أكثر القطع الموسيقية استخداما في السينما والتلفزيون، بل وحتى في العاب الفيديو وفي نغمات الهاتف الجوّال.
التوكاتا والفيوك هما نوعان من الارتجال الموسيقي لإظهار براعة أسلوب العازف وتمكّنه. وقد ظهر الأسلوبان أوّلا في فينيسيا خلال عصر النهضة الايطالي، ثم انتقلا بعد ذلك إلى ألمانيا حيث خضعا لكثير من الصقل والتطوير على يد باخ.
كتب باخ هذه المقطوعة قبل أكثر من ثلاثمائة عام. وكان قد ألّفها في الأساس كي تُعزف على آلة الأرغن، وقيل الهاربسيكورد أو الكمان. غير أنها عُزفت فيما بعد بآلات مختلفة، وأحيانا بأوركسترا كاملة.
من أشهر الأعمال السينمائية التي وظّفت هذه المعزوفة فيلم "فانتازيا" الذي ظهر قبل سبعين عاما. وعزفها للفيلم ليوبولد ستوكوفسكي بتوزيع أهّلها لأن تصبح أفضل القطع الموسيقية العالمية توزيعاً. كما وزّعها للأوركسترا عدد من أشهر الموسيقيين في العالم، مثل اوجين اورماندي وهنري وود.
عبقرية باخ لم تُعرف إلا بعد رحيله بمائة عام. كان مشهورا بشيء آخر غير الموسيقى، إذ كان رجلا كثير الإنجاب. وعندما توفّي كان قد أنجب عشرين طفلا من زيجتين وأطلق اسمه الأوّل، أي يوهان، على خمسة منهم.
كان باخ يؤمن بأن الهدف النهائي للموسيقى هو تمجيد الخالق وإنعاش الروح وتهذيب الوجدان. وموسيقاه تتضمّن مستويات مذهلة من التعبير والقوّة بحيث يصبح من المستحيل أن لا تحبّها أو على الأقل ألا تثير اهتمامك.
باخ يختصر عصرا بأكمله. وتأثيره على مسار تاريخ الموسيقى كان هائلا. وكلّ مؤلف موسيقيّ ظهر بعده تعلّم منه شيئا. وكلّ الأساليب والأشكال الموسيقية التي كانت شائعة في زمانه استطاع أن يطوّرها ويبلغ بها ذرى الكمال.
❉ ❉ ❉
اهتمام الفنّانين والعلماء الأوروبيّين بالشرق، والذي بلغ أوجه في العصر الرومانسي، تزامنَ مع جملة من الأحداث السياسية المهمّة، مثل حرب نابليون في مصر، واحتلال فرنسا للجزائر، ونضال اليونانيين من أجل الاستقلال. وأثناء تلك الأحداث، لعب العديد من الرسّامين الأدوار التي يضطلع بها هذه الأيّام المؤرّخون والصحفيون.
البعثات العلمية الأوربّية، ومعظمها كانت فرنسية وألمانية، أسهمت، هي الأخرى، في معرفة المزيد عن بلاد الشرق. وكان على الفنّانين أن يرسموا الأحداث السياسية والتاريخية التي كانت تجري أمام أعينهم. وقد نقلوا في صورهم الموتيفات الدينية والحريم والأسواق والمناظر الطبيعية وعالم الصحراء والمعالم المعمارية. وكان هذا مصدر إلهام لظهور الأدب الخيالي الاستشراقي، بما في ذلك حكايات ألف ليلة وليلة.
الرومانسيون البولنديون لم يكونوا بعيدين عمّا يجري آنذاك. ومن أشهر هؤلاء الشاعر آدم ميكيفيتش، وزميله يوليوش سويفتسكي الذي ألّف من وحي رحلته المشرقية كتابا مصوّرا أسماه "الرحلة إلى الشرق".
ولأن الرسّامين الاستشراقيين كانوا يركّزون، بشكل خاصّ، على تصوير مظاهر الثروة والأبّهة والطبيعة الحسّية للمناظر الاكزوتية أو الغرائبية، فقد فتن هذا المزيج الغريب من الفتنة والعنف والثراء الذي كان يطبع اللوحات الاستشراقية الأوربّيين وسكن مخيّلتهم زمنا طويلا.
وقد أسهمت هذه اللوحات في إماطة أجواء الملل والرتابة التي كانت تتسم بها الصالونات البرجوازية في أوربّا في ذلك الحين. لكن الكثيرين يرون أن من الخطأ اعتبار الرسم الاستشراقي علامة على رغبة الأوربّيين في اكتساب مزيد من المعرفة عن أماكن بعيدة وغريبة فحسب، بل كان من بين وظائفه الأخرى أيضا إسقاط رغبات وتهويمات الإنسان الأوربّي على صورة الآخر.
Credits
archive.org
jsbach.org
archive.org
jsbach.org

