عاصفة جورجيوني: قراءة مختلفة
"ملاحظة: حُجبت صورة الرجل والمرأة والطفل في اللوحة فوق لدواعٍ تحريرية. ويمكن رؤية الصورة كاملة في مواقع الفنّ التشكيلي".
"العاصفة" صورة صغيرة رُسمت عام 1504 لثلاثة أشخاص يجلسون وسط منظر طبيعي. الرجل يمسك بأداة أو عصا ويقف في مقدّمة المشهد وهو ينظر إلى امرأة تجلس على تلّ وترضع صغيرها. وهناك نهر صغير يجري بينهما. أيضا هناك أطلال غريبة ومدينة مهجورة تبدو ملامحها وراء الأشخاص، بينما تظلّهم سماء رمادية تتخلّلها ومضات برق وقمر ينبثق من بين الغيوم.
لا أحد يعرف معنى اللوحة. ميكيل مارك انتونيو كان أحد نبلاء فينيسيا وكان يحتفظ بكرّاس يشير إلى أن اللوحة عبارة عن تصوير لجندي وامرأة غجرية. في القرن الثامن عشر كانت اللوحة تُسمّى "عائلة جورجيوني"، انطلاقا من فرضية خاطئة تقول إنها تُظهِر الرسّام نفسه وزوجته وطفله، مع أنه لم يتزوّج أبدا وبالتالي لم يخلّف أطفالا.
يقول سلفاتوري سيتيز، وهو عالم ايطالي متخصّص في تاريخ الفنّ وسبق أن ألّف كتابا عن "العاصفة" إن اللوحة عبارة عن رواية مقنّعة لقصّة جنّة عدن وأن الشخصين فيها هما آدم وحوّاء وأن هناك أفعى في الصورة". لكن لا احد رأى تلك الأفعى باستثناء المؤرّخ وحده.
غير أن هناك تفسيرا أكثر إقناعا أوردته جيني اندرسون في دراستها عن جورجيوني المنشورة عام 1997م. تقول اندرسون إن اللوحة تحكي عن قصّة رومانسية حدثت لـ بوليفيلو الذي التقى فينوس مصادفة وهي ترضع كيوبيد". لكن هذا مجرّد تخمين.
وقد زرت فيما بعد متحف "أكاديميا" في فينيسيا حيث رأيت اللوحة الحقيقية للمرّة الأولى. وقد حملت الصورة في ذهني باستثناء أنني، لسبب ما، لم اعد أتذكّر الرجل. وكلّما خطرت اللوحة بذهني تذكّرت المرأة والطفل والطبيعة والأطلال والمدينة والسماء والبرق. لكن من دون صورة الرجل.
إن كلّ لوحة هي صورة ساكنة لا تتحرّك. وهي دائما شكل مستطيل يحاكي في هيئته معمار نافذة. ووجود اللوحة يتطلّب متفرّجا. مثلما أن الكتاب يقتضي وجود قارئ وقطعة الموسيقى تتطلّب مستمعا. اللوحة شيء ميّت لا يبعث الحياة فيه سوى وجود شخص حيّ يدخل في شكل من أشكال العلاقة معه.
نظرت عن قرب إلى اللوحة في متحف "أكاديميا" ثلاث مرّات فقط. أعرف الآن أن هناك رجلا في الصورة. وهو بمثابة الوسيلة التي تمكّنني من الدخول في صورة لا افهمها فهما كاملا. لكني افهم ما يكفي كي يجعلني اشعر بالافتتان. الأداة التي يحملها الرجل توحي بأنه كان في رحلة وأنه كان يمشي. وهو الآن يحدّق في المرأة التي ترضع بهدوء طفلها في جوّ عاصف.
انه ينظر إليها لكنها لا تبادله النظرات. هي تنظر إلى الخارج، أي باتجاه الناظر، كما لو أنها رفعت عينيها للتوّ بعد أن علمت أن هناك شخصا يراقبها.
رغم أن الرجل والمرأة ليسا متباعدين كثيرا عن بعضهما مكانيّا، فإنهما يبدوان في عالمين منفصلين. لاحظ أن الرجل يرتدي ملابس عصرية. وجه المرأة يضيئه نور منبعث من مصدر غامض. وكلّ ملامحها واضحة تماما. بينما يقع وجه الشابّ في الظلّ. من الواضح انه شابّ. وقوفه المعتدّ وملابسه الأنيقة توحي بالثقة. جسده بالكامل داخل الصورة. وهو يبدو كما لو انه أتى لتوّه من عالم آخر.
"العاصفة" صورة صغيرة رُسمت عام 1504 لثلاثة أشخاص يجلسون وسط منظر طبيعي. الرجل يمسك بأداة أو عصا ويقف في مقدّمة المشهد وهو ينظر إلى امرأة تجلس على تلّ وترضع صغيرها. وهناك نهر صغير يجري بينهما. أيضا هناك أطلال غريبة ومدينة مهجورة تبدو ملامحها وراء الأشخاص، بينما تظلّهم سماء رمادية تتخلّلها ومضات برق وقمر ينبثق من بين الغيوم.
لا أحد يعرف معنى اللوحة. ميكيل مارك انتونيو كان أحد نبلاء فينيسيا وكان يحتفظ بكرّاس يشير إلى أن اللوحة عبارة عن تصوير لجندي وامرأة غجرية. في القرن الثامن عشر كانت اللوحة تُسمّى "عائلة جورجيوني"، انطلاقا من فرضية خاطئة تقول إنها تُظهِر الرسّام نفسه وزوجته وطفله، مع أنه لم يتزوّج أبدا وبالتالي لم يخلّف أطفالا.
يقول سلفاتوري سيتيز، وهو عالم ايطالي متخصّص في تاريخ الفنّ وسبق أن ألّف كتابا عن "العاصفة" إن اللوحة عبارة عن رواية مقنّعة لقصّة جنّة عدن وأن الشخصين فيها هما آدم وحوّاء وأن هناك أفعى في الصورة". لكن لا احد رأى تلك الأفعى باستثناء المؤرّخ وحده.
غير أن هناك تفسيرا أكثر إقناعا أوردته جيني اندرسون في دراستها عن جورجيوني المنشورة عام 1997م. تقول اندرسون إن اللوحة تحكي عن قصّة رومانسية حدثت لـ بوليفيلو الذي التقى فينوس مصادفة وهي ترضع كيوبيد". لكن هذا مجرّد تخمين.
وقد زرت فيما بعد متحف "أكاديميا" في فينيسيا حيث رأيت اللوحة الحقيقية للمرّة الأولى. وقد حملت الصورة في ذهني باستثناء أنني، لسبب ما، لم اعد أتذكّر الرجل. وكلّما خطرت اللوحة بذهني تذكّرت المرأة والطفل والطبيعة والأطلال والمدينة والسماء والبرق. لكن من دون صورة الرجل.
إن كلّ لوحة هي صورة ساكنة لا تتحرّك. وهي دائما شكل مستطيل يحاكي في هيئته معمار نافذة. ووجود اللوحة يتطلّب متفرّجا. مثلما أن الكتاب يقتضي وجود قارئ وقطعة الموسيقى تتطلّب مستمعا. اللوحة شيء ميّت لا يبعث الحياة فيه سوى وجود شخص حيّ يدخل في شكل من أشكال العلاقة معه.
نظرت عن قرب إلى اللوحة في متحف "أكاديميا" ثلاث مرّات فقط. أعرف الآن أن هناك رجلا في الصورة. وهو بمثابة الوسيلة التي تمكّنني من الدخول في صورة لا افهمها فهما كاملا. لكني افهم ما يكفي كي يجعلني اشعر بالافتتان. الأداة التي يحملها الرجل توحي بأنه كان في رحلة وأنه كان يمشي. وهو الآن يحدّق في المرأة التي ترضع بهدوء طفلها في جوّ عاصف.
انه ينظر إليها لكنها لا تبادله النظرات. هي تنظر إلى الخارج، أي باتجاه الناظر، كما لو أنها رفعت عينيها للتوّ بعد أن علمت أن هناك شخصا يراقبها.
رغم أن الرجل والمرأة ليسا متباعدين كثيرا عن بعضهما مكانيّا، فإنهما يبدوان في عالمين منفصلين. لاحظ أن الرجل يرتدي ملابس عصرية. وجه المرأة يضيئه نور منبعث من مصدر غامض. وكلّ ملامحها واضحة تماما. بينما يقع وجه الشابّ في الظلّ. من الواضح انه شابّ. وقوفه المعتدّ وملابسه الأنيقة توحي بالثقة. جسده بالكامل داخل الصورة. وهو يبدو كما لو انه أتى لتوّه من عالم آخر.
❉ ❉ ❉
❉ ❉ ❉
غموض "العاصفة" حيّر الناس لمئات السنين، لأنها تتحدّى المعايير التي تُستخدم أحيانا لفهم لوحات تلك الفترة. والصورة غير واضحة لأنها تتحدّى التوقّعات. والتوقّعات تحدّد إلى درجة كبيرة ما الذي نراه فعلا.
أتذكّر أنني كنت أمشي ذات مرّة في بهو فندق بُني على نمط معماري بالغ التعقيد. وكنت انظر إلى شخص يقف في نهاية الممرّ. لم اعرف الشخص لثوان. لكنّي أحسست بالصدمة عندما تبيّن لي أنني إنما كنت انظر إلى صورتي منعكسة في مرآة. كنت احتاج لأن أعرف أن الجدار كان مرآة قبل أن أستطيع أن أرى نفسي فيه.
"العاصفة" لوحة يبدو أنها أفلتت حتى من أفضل التفسيرات التي حاولت فهم دلالاتها ومعانيها. لكن لأننا فقط لم نستطع التعرّف على أسماء الشخصيات في اللوحة أو وضعهم داخل سياق سردي معروف، لا يعني أن اللوحة عصيّة على التفسير أو أن لا معنى لها.
ولو كانت اللوحة قصّة رمزية، فمن المرجّح أنها رُسمت عمدا لتكون غامضة. وسرّها يعرفه الرسّام وراعيه الشابّ وربّما بضعة أشخاص آخرين قريبين منهما. ويقال انه كان للوحة غطاء يمكن فتحه كما تُفتح الخزانة. وعندها فقط يمكن رؤية الصورة الكامنة بداخلها.
وهذه الطريقة في النظر إلى لوحة هي عنصر إغراء في حدّ ذاته، يسمح للمتفرّج بفتح الباب ثم النظر إلى ما في الداخل. وما يراه عندما تكشف اللوحة عن نفسها ليس في حقيقة الأمر أكثر من عملية تلصّص أو استراق للنظر.
الرجل المرتبك تلفته المرأة الغامضة والتي يبدو أنها لا تراه لكن جسدها يتحوّل باتجاهه. وعلاوة على ذلك هي ليست وحدها. معها طفل على صدرها. وهي حقيقة تبعدها عنه أكثر. ومن الواضح أنها ليست محظيّة أو خليلة تجلس في وضع اتكاء.
كلّما نظرنا إلى لوحة، فإننا نحتلّ المكان الذي كان يشغله الرسّام الذي اختفى الآن، أي ذلك الجسد المختفي أو الوجود الشبحي الكامن وراء كلّ صورة. ويقال إن كلّ لوحة هي في الواقع لوحتان. الأولى هي تلك التي تراها والثانية تلك التي تتذكّرها. أي أن كلّ لوحة تكشف عن نفسها مع مرور الزمن إلى أن تأخذ صورتها أو قصّتها النهائية في ذهن المتلقّي.
صورة جورجيوني تُدخلك في مشهد يعلن عن نفسه كحلم أو كرؤيا داخلية. عندما ننظر إلى الطبيعة في لوحات ليوناردو دافنشي نعرف أننا ننظر إلى طبيعة عاطفية. في "العاصفة" نكتشف أن الريف ليس تمثيلا لمكان حقيقي. الطقس سيّئ أيضا. لكن يبدو ألا احد يلاحظ ذلك. ولو كانت هناك رياح فإنها لن تثير الأشجار كثيرا.
في لوحات جورجيوني، هناك حضور دائم للماء. البئر أو الغدير ذو الحوافّ المرمرية. الماء وهو يُسحب أو يُصبّ. المرأة التي تسكب الماء من دلو بيديها المزيّنتين بالجواهر بينما تستمع، ربّما، إلى أصوات قطرات الماء الرائعة كما لو أنها إيحاء بجمال الموسيقى نفسها.
طبيعة هذا الرسّام مليئة بالصفاء وبآثار الماء وبالمطر العذب الذي يمرّ منعشا عبر الهواء قبل أن يستقرّ في القنوات والجداول المعشوشبة. يقال إنه مات شابّا بعد أن انتقل إليه مرض الطاعون. كان شابّا على الدوام. وربّما لا يكون الرجل في مقدّمة اللوحة مختلفا كثيرا عن جورجيوني الحقيقي.
"العاصفة" تأخذنا إلى عالم متخيّل من المرايا والصور المتعاكسة. وأعتقد أنها ستظلّ تقاوم دائما جميع المحاولات لفهمها.
أتذكّر أنني كنت أمشي ذات مرّة في بهو فندق بُني على نمط معماري بالغ التعقيد. وكنت انظر إلى شخص يقف في نهاية الممرّ. لم اعرف الشخص لثوان. لكنّي أحسست بالصدمة عندما تبيّن لي أنني إنما كنت انظر إلى صورتي منعكسة في مرآة. كنت احتاج لأن أعرف أن الجدار كان مرآة قبل أن أستطيع أن أرى نفسي فيه.
"العاصفة" لوحة يبدو أنها أفلتت حتى من أفضل التفسيرات التي حاولت فهم دلالاتها ومعانيها. لكن لأننا فقط لم نستطع التعرّف على أسماء الشخصيات في اللوحة أو وضعهم داخل سياق سردي معروف، لا يعني أن اللوحة عصيّة على التفسير أو أن لا معنى لها.
ولو كانت اللوحة قصّة رمزية، فمن المرجّح أنها رُسمت عمدا لتكون غامضة. وسرّها يعرفه الرسّام وراعيه الشابّ وربّما بضعة أشخاص آخرين قريبين منهما. ويقال انه كان للوحة غطاء يمكن فتحه كما تُفتح الخزانة. وعندها فقط يمكن رؤية الصورة الكامنة بداخلها.
وهذه الطريقة في النظر إلى لوحة هي عنصر إغراء في حدّ ذاته، يسمح للمتفرّج بفتح الباب ثم النظر إلى ما في الداخل. وما يراه عندما تكشف اللوحة عن نفسها ليس في حقيقة الأمر أكثر من عملية تلصّص أو استراق للنظر.
الرجل المرتبك تلفته المرأة الغامضة والتي يبدو أنها لا تراه لكن جسدها يتحوّل باتجاهه. وعلاوة على ذلك هي ليست وحدها. معها طفل على صدرها. وهي حقيقة تبعدها عنه أكثر. ومن الواضح أنها ليست محظيّة أو خليلة تجلس في وضع اتكاء.
كلّما نظرنا إلى لوحة، فإننا نحتلّ المكان الذي كان يشغله الرسّام الذي اختفى الآن، أي ذلك الجسد المختفي أو الوجود الشبحي الكامن وراء كلّ صورة. ويقال إن كلّ لوحة هي في الواقع لوحتان. الأولى هي تلك التي تراها والثانية تلك التي تتذكّرها. أي أن كلّ لوحة تكشف عن نفسها مع مرور الزمن إلى أن تأخذ صورتها أو قصّتها النهائية في ذهن المتلقّي.
صورة جورجيوني تُدخلك في مشهد يعلن عن نفسه كحلم أو كرؤيا داخلية. عندما ننظر إلى الطبيعة في لوحات ليوناردو دافنشي نعرف أننا ننظر إلى طبيعة عاطفية. في "العاصفة" نكتشف أن الريف ليس تمثيلا لمكان حقيقي. الطقس سيّئ أيضا. لكن يبدو ألا احد يلاحظ ذلك. ولو كانت هناك رياح فإنها لن تثير الأشجار كثيرا.
في لوحات جورجيوني، هناك حضور دائم للماء. البئر أو الغدير ذو الحوافّ المرمرية. الماء وهو يُسحب أو يُصبّ. المرأة التي تسكب الماء من دلو بيديها المزيّنتين بالجواهر بينما تستمع، ربّما، إلى أصوات قطرات الماء الرائعة كما لو أنها إيحاء بجمال الموسيقى نفسها.
طبيعة هذا الرسّام مليئة بالصفاء وبآثار الماء وبالمطر العذب الذي يمرّ منعشا عبر الهواء قبل أن يستقرّ في القنوات والجداول المعشوشبة. يقال إنه مات شابّا بعد أن انتقل إليه مرض الطاعون. كان شابّا على الدوام. وربّما لا يكون الرجل في مقدّمة اللوحة مختلفا كثيرا عن جورجيوني الحقيقي.
"العاصفة" تأخذنا إلى عالم متخيّل من المرايا والصور المتعاكسة. وأعتقد أنها ستظلّ تقاوم دائما جميع المحاولات لفهمها.
Credits
archive.org
archive.org
